في قلب الثورة السورية

سواء أحدث ذلك في هذه السنة أم لم يحدث، نظام بشار الأسد قد انتهى.

الكاتب غير معروف

13 حزيران / يونيو 2012

كتب هذا التقرير صحفي مستقل في سوريا وتم التكتم على اسمه لأسباب أمنية.

في ظهر يوم سبت غائم، في أوائل شهر أيار/مايو، حدثت مظاهرة طيارة في وسط دمشق. صادف هذا اليوم مناسبة وطنية، فكانت المدارس والمكاتب مغلقة، والأسواق مزدحمة. أطفال يلعقون أكواب الآيس كريم السائحة، ومراهقون متأنقون يلتقطون الصور لبعضهم بأجهزة الآي فون، وعائلات تسير وتتبضّع وسط باعة الشارع الذين يبيعون رباطات الزينة، والطائرات الحوّامة البلاستيكية، والسجائر المهربة.

في الفوضى المتسربة إلى سوريا الجديدة، هناك دولة تفشل وتتخبط وتخرج بشكل متزايد عن أي نوع من السيطرة ، الأزقة المتشعبة من سوق الحميدية والتي كانت منظمة سابقاً أصبحت تملؤها الفوضى. وعلى الرغم من نشاط الحركة فيه، إلا أن مكاناً مخصصاً للمشاة كان على الطريق الرئيسي في سوق الحميدية، والتجارة تسير في الحانات الصغيرة المنتشرة على الجوانب، كل ذلك كان في السابق. ولكن في هذه الظهيرة، هناك الكثير من الباعة غير القانونيين، العديد منهم لاجئون فروا من العنف، قاموا بنصب طاولاتهم وصناديق من الورق المقوى مقلوبة في كل ركن، وأخذوا  يبيعون أي شيء استطاعوا أن يجدوه، من البطاريات المستعملة إلى البزّات البالية الرثة.

فجأة وبين السياح، والمتسوقين، والباعة المتجولين، والعائلات، بدأ يتشكل حشد صغير من أشخاص بدت عليهم الجدية، وبالقرب من مدخل السوق، اجتمعوا بسرعة بجانب تمثال صلاح الدين،  واصطفوا على طول الشارع الرئيسي.

أمسكوا أيدي بعضهم، وتشابكت أذرعهم، ووقفوا كتفاً لكتف، مشكلين سلسلة بشرية امتدت بعرض الشارع وأوقفوا عدة خطوط سير مزدحمة. أمام السيارات التي توقفت، قاموا برفع لافتات مكتوبة بدهان أحمر على قماش أبيض.

كانت أغلب شعاراتهم باللغة العربية، وبعضها بالإنكليزية، تقول:”ثورتنا سلمية” و”حرية وبس”.

وكرد على استمرار النظام بوصف جميع الثوار بالإرهابيين، كتبوا على لافتات أخرى: “هل الأطباء إرهابيون؟”، و”كرامة، مساواة، قانون هل هذه مطالب إرهابية؟”.

كان العشرون أو الثلاثون متظاهراً صامتين. كان أغلبهم من الشباب، بعضهم كانوا حتى من المراهقين، يرتدون أحذية الكونفيرسConverse  وبناطيل جينز بسيقان ضيقة وأحزمة منخفضة على أوراكهم.

الأغلبية كانت من النساء، البعض منهنّ يرتدين الحجاب، وكان هناك آخرون حليقي الرأس وآخرون جعلوا شعورهم جدائل صغيرة. وسط ذلك الجمع، تمكنت من تمييز علويين، وسنيين، ودروز.

لم يتحرك أحد في اللحظات الأولى. بقي الجمع المتزاحم النشط من المتسوقين واقفاً مكانه بكل بساطة دون حراك. راح السائقون يحدّقون من خلال زجاج سياراتهم. أطلق بعض سائقي سيارات الأجرة أبواق سياراتهم. عندها جاء شرطي مرور مسرعاً وبهدوء أبعد المتظاهرين إلى جانب الطريق.

تجمعوا على منصّف الشارع، وبينما استمر سير السيارات حولهم رفعوا لافتاتهم تجاه قصر العدل، حيث تقع محاكم سوريا ذات السمعة السيئة، والتعسفية، والغامضة.

الناظرون – من أصحاب المحلات والزبائن، كباراً وصغاراً – تحركوا عبر الشارع أيضاً. الكثيرون رفعوا هواتفهم وكاميراتهم ليصوروا المظاهرة. آباء حملوا بناتهم على أكتافهم لكي يلقوا نظرة، بعض الفتيات اليافعات من المتفرجين بادرن بالتصفيق. كان هناك شاب يبيع في الشارع، لقد كان أميّاً على الأغلب، طلب بلهجة قروية غليظة أن يقرأ له أحد ما اللافتات. لم يتكلم أحد إلا همساً، لم يهرب أحد، لم يصرخ أحد بالناشطين أو حاول إيقافهم، لم يهتف أحد باسم الرئيس بشار الأسد، كما حدث في المظاهرات الأولى المطالبة بالديمقراطية في دمشق في عام 2011، حيث كانت تتم محاصرة المظاهرة بسرعة من قبل الأمن وأخذ المتظاهرين إلى السجون.

 لعدّة دقائق، من عطلة نهاية الأسبوع غير الواضحة من شهر أيار، كانت تلك الزاوية الدمشقية ملكاً للثورة.

بعد ذلك كان المتظاهرين قد رحلوا، لقد اندمجوا ببساطة بالجمع واختفوا. بعد عدة دقائق، وصلت مجموعة من ميليشيات الشبيحة ملوحين بأثقل أنواع العصيّ إلى الشارع الرئيسي متجهين إلى مكان المظاهرة الذي أصبح فارغاً الآن. كانوا يرتدون بناطيل مموهة وقمصان عليها صورة الرئيس بشار الأسد محاطة بقلب. لم يجدوا إلا جموع الناس المعتادة في أيام العطل.

 

بعد أسبوع وفي عطلة رسمية أخرى، خرجت مظاهرة طيارة أخرى. كانت تلك المظاهرة أقصر من سابقتها وأكثر جرأة. وقف المتظاهرون في وسط ساحة المحافظة، بين البنك المركزي وفندق الشام الشهير، بالجهة المقابلة للعديد من فروع الشرطة والجيش، و نادي ضباط الجيش، وقف المتظاهرون في مركز ساحة المحافظة، وسط الملصقات البلاستيكية الباهرة التي تظهر المرشحين المتأنقين لانتخابات مجلس الشعب الزائفة، ثم قاموا برفع لافتاتهم بصمت منادين بالحرية أمام الجمهور الذي وقف محدقاً ومذهولاً.

في المظاهرة الثانية، لم يكن هناك جموع لكي يختفوا بينها. عندما تلقى المتظاهرون رسائل نصية من كشافة منتشرين على جوانب الساحة، غادروا راكضين عبر الشوارع المجاورة. على بعد بضعة أبنية، أصبحوا مجرد مشاة – مدنيون، صغار، ومتأنقون – يمشون مستعجلين في مركز دمشق التجاري. بدأت التظاهرة في الساعة الثالثة مساءً. انتهت في الساعة الثالثة وخمس دقائق. عند الساعة الثالثة والربع مرت سيارة بيك آب بسرعة جنونية، كانت تنقل عناصر قوات خاصة مسلحين بالبنادق إلى الساحة. مرة أخرى، وصلوا متأخرين.

إن الأهمية الكامنة خلف هذه المظاهرات الأخيرة لا يمكن المبالغة فيها، فالوقوف في وسط مدينة دمشق وتحدي النظام أمام قصر العدل أو جانب مقرات الشرطة السرية، واللذان يعتبران من أخطر المراكز في سوريا، يعتبر عمل فيه دعم كبير جداً لمعنويات الثورة. وهو بحد ذاته ثورة منتصرة.

قبل 18 شهراً من الآن، قلة فقط تجرؤا على انتقاد نظام الأسد في العلن، أو حتى انتقاد فشل ما أو حالات الفساد الفاضح. هناك هتافات الآن في المظاهرات عن ماهر الأسد، أخ الرئيس السوري وقائد الفرقة الرابعة المخيفة والحرس الجمهوري، رجل طائش وعنيف، “ماهر، إن كنت شجاعاً لهذه الدرجة، لماذا لا تذهب لتحرير الجولان؟” قبل الثورة، لم أسمع اسمه حتى همساً.

في يوم الأحد، السابع والعشرين من شهر أيار، اشتعلت مظاهرة أخرى وسط دمشق. اتبعت المعادلة المألوفة: ظهر المتظاهرون السلميون بصمت في تقاطع مزدحم – هذه المرة في شارع الحمرا، أحد الأحياء الرئيسية – لكي يعلنوا مطالبهم الطبيعية. طالبوا بالديمقراطية، والانتخابات، ورحيل الأسد. لكن قوات الأمن وصلت على الفور هذه المرّة. قفز رجال يرتدون لباساً لونه أخضر عسكري من سيارة مغلقة وبدأوا بإطلاق النار في الهواء. نشبت الفوضى، حيث بدأ المتسوقون يصرخون ويركضون. أغلب المتظاهرين هربوا إلّا أن 12 منهم تم اعتقالهم ذلك اليوم. أحد الناشطات تعرضت للضرب المبرح وتم نقلها إلى المستشفى.

بينما يزداد عدم الرضى في الداخل ويتصاعد الضغط الدولي، يبدو أن النظام السوري يزداد يأساً وتهوراً وعنفاً.

إن مجزرة الحولة الأخيرة التي راح ضحيتها أكثر من 100 مدني بينهم على الأقل 49 طفلاً حدثت على الرغم من انتشار 300 مراقب دولي في أنحاء البلاد. تبعت مجرة الحولة ثلاثة مجازر أخرى في حي السكر، والقبير، والحفة، جميعها في الشهر الماضي.

ولكن مهما حدث الآن، لو سقط الأسد في السنة او العقد الحالي، فإن سوريا تغيرت أساساً وبشكل غير قابل للتراجع. السوريون وجدوا صوتهم ، ولن يعودوا إلى الصمت مرّة أخرى. يصرّ الآباء في مدينة درعا على أنهم يسعدهم أن يموتوا لتأمين مستقبل بناتهم وأبنائهم، وإذا كان على أبنائهم أن يموتوا من أجل الجيل الذي بعدهم، فلن يوفّروا أي تضحيات.

إن حرية الانضمام إلى تظاهرة، والوقوف في الشارع ومحاسبة نظام متهوّر وصلب لأول مرة منذ عقود، هي حرية لن يتراجعوا عنها بعد أن ذاقوا طعمها، كما شرح لنا أحد الناشطين في دمشق.

تظهر كل يوم إشارات جديدة على أن الثورة تقترب من دمشق. الاقتصاد المنهار لم ينتج عنه إلّا العجز والأسعار المرتفعة، مما أدى إلى اتجاه الطبقة الوسطى من الشعب نحو الثورة. حواجز للجيش الحر بدأت تظهر الآن على الطرق السريعة الرئيسية، على بعد بضعة أميال من العاصمة. طريق المطار ذو الرمزية العظيمة والأهمية الإستراتيجية الكبيرة، سقط مرتين على الأقل ولو لوقت قصير بيد الثوار. اغتيالات جريئة لأكثر القادة الأمنيين قسوة تحدث في أرقى أحياء دمشق.

لم يعد النظام قادراً على سحق الثورة في كل مكان في وقت واحد. إنهم لا يثقون بقواتهم لذلك لا يرسلونهم دون رقابة كتائب موالية، كما أنهم لا يملكون عدداً كافياً من الدبابات لإخراج الثوار من جميع المدن والبلدات والقرى التي يسيطرون عليها. عندما بدأت مدينة الرقة في الشمال الشرقي ثورتها بعد أن فتحت قوات الأمن النار على تظاهرة سلمية، كانت جميع الدبابات المتواجدة عادة في الرقة مع قوات النظام تقاتل لاستعادة السيطرة على دير الزور التي سقطت فعلاً في أيدي الجيش الحر على بعد 150 ميلاً.

إن سوريا بلد فتي. أكثر من نصف السكان تحت سن الخامس والعشرين. وأحدث جيل والأكثر حسيّة تتم تربيته على الثورة. المفردات التي يستخدمونها كالحرية والحقوق، ليست مفردات تعلموها من آبائهم. حكاياتهم حكايات صمود وشجاعة وليست أساطير الخوف التي عتمت سوريا لعقود.

 هذا الجيل سيعرف أكثر من غيره بشكل وثيق ومتعب معاناة الثورة. الأطفال والمراهقون يتعرضون للتعذيب من قبل قوات النظام والميليشيات الموالية للأسد. شباب، وبعضهم حتى صبية، يقاتلون إلى جانب أبائهم وأعمامهم وأخوالهم في درعا. فتيات مراهقات تنضممن إلى قوافل لإيصال المساعدات إلى أنحاء البلاد. ولكن حتى هؤلاء الشباب، يفضلون عدم الدخول في العنف المباشر لمعرفتهم بمدى المعاناة الناتجة عن أعبائها.

تم إيقاف الدوام المدرسي. في المناطق المعروفة بتعاطفها مع الثورة، تم إيقاف الخدمات الحكومية مثل حملات اللقاح، والكهرباء، والتدريس، وجمع النفايات. شارك الأطفال أهاليهم في كل عنائهم – من التهجير، والنقص في الغذاء والوقود، والريبة والخوف.

أحمد، وهو مدرس سابق، قام بفتح مدرسة مؤقتة في بيته لعشرين أو ثلاثين طفلاً مهجراً والذين لجؤوا عند عائلته. قبل أن يغادر المنزل كل يوم، يقوم بتوزيع الوظائف على تلاميذه.

في أحد الأيام، كان أحمد جالساً وفي حضنه صبي يبلغ 5 أو 6 سنوات. طلب من الصبي أن يغني له أغنية عن الحرية أو أغنية مدرسة. “أغنية مدرسة” قال للصبي.

جلس الصبي صامتاً، ثم قال معترفاً: “”لا أذكر أي أغنية مدرسة”

 شجعه أحمد على المحاولة، ولكن الصبي أصرّ.

فاستسلم أحمد وقال: “حسناً، النوع الآخر”.

 فبدأ الصبي بالغناء، كانت أغانٍ عن الحرية والسلام والديمقراطية. غنّى أغنية بعد أخرى واستمر حتى قال له أحمد أخيراً أن وقت النوم قد حان.

المصدر

Slate

One response to “في قلب الثورة السورية

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s