الأطباء السوريون يخاطرون بحياتهم لعلاجهم المتظاهرين سراً

الأطباء السوريون يخاطرون بحياتهم لعلاجهم المتظاهرين سراً

مع تناقل أخبار استخدام العنف في المستشفيات السورية، قام الأطباء بانشاء مشافٍ ميدانية في الأحياء المعارضة لمعالجة الجرحى من المتظاهرين و بدورهم أصبحوا ملاحقين لذاك السبب.

كتب التقرير ألكسندر زافيس – لوس أنجلوس تايمز من بيروت

26 كانون أول 2011

تلقى الدكتور الشاب اتصالاً صبيحة اليوم. كانت قوات النظام تقوم باقتحام أحد أحياء مدينة حمص التي مزقتها الصراعات. و لكن لم يكن هناك ممن يستطيع القيام باسعاف المرضى. “لقد كانت كالحرب” يقول الطبيب الذي عرف عن نفسه باسمه المستعار أبو عبدو. أخبرنا أنه في ذلك اليوم من أيام أيلول كان فريقه الطبي السري قد عمل لمدة 12 ساعة متواصلة، حيث قاموا بتضميد الجراح النازفة واستخراج الرصاص ووصل المحاليل الوريدية لقرابة العشرين مريضاً وذلك أثناء دوي أصوات الرصاص والانفجارات من حولهم. قال الطبيب أنه عندما انتهى الأمر ذهب إلى الحمّام ليغتسل من الدماء حيث بقي يبكي لأكثر من ساعة.

أبو عبدو هو واحد من عشرات المتطوعين في حمص وغيرها من معاقل المعارضة ممن يقومون بعلاج ضحايا القمع الممارس من قبل الحكومة السورية والذي حول المستشفيات إلى أدواتٍ للقمع على حد تعبير بعض المجموعات الحقوقية. إنهم يعملون في مستشفيات ميدانية سريّة داخل الجوامع والمنازل في الأحياء التي تجري فيها الاحتجاجات بشكلٍ شبه يومي.

يقول نشطاء أن العديد من جرحى المظاهرات يرفضون الذهاب إلى المشافي الحكومية خوفاً من أن يتم الاعتداء عليهم أو اعتقالهم إذا ظهر عليهم أنهم مصابون بعيارات نارية أو شظايا. في حين أن السلطات تقول أنه ما من داع ٍ للخوف.

ولكن تقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يزعم بأن المرضى الذين تم نقلهم إلى المشفى العسكري في حمص قد تعرضوا للتعذيب و منهم من قضى على أيدي رجال أمن ٍ يرتدون زيّ أطباء و ذلك بالتواطؤ مع بعض العاملين في المجال الطبي.

ذكر أحد الحراس ممن عملوا في ذلك المشفى لمنظمة مراقبة حقوق الانسان Human Rights Watch بأن الجرحى من المتظاهرين ما إن يصلوا إلى المشفى يتم وضعهم في فسحة بجانب قسم الاسعاف حيث يكون الطاقم الطبي منتظراً، “عندها يبدأ الجميع بالضرب بما في ذلك الممرضات و الأطباء.”

أحد المرضى ممن تم علاجهم في هذه المشافي أخبر المجموعة بأن الممرضات قمن بخياطة جرح ٍ مفتوحٍ في ظهره بدون استخدام التخدير. ثم قام الحراس باحتجازه في أحد أماكن العمل حيث شاهد هناك أحد الحراس يقوم باحماء قضيب معدني على موقد غازي ومن ثم حرق الأعضاء التناسلية وباطن قدمي مريض آخر.

الآن من يقوم بعلاج الجرحى أصبح مستهدفاً أيضاً. ففي هذا الشهر تناقلت الأنباء خبر مقتل الطبيب ابراهيم عثمان، الذي ساهم في إنشاء تنسيقية سرية للأطباء في العاصمة دمشق مما أثار موجة عارمة من كلمات الرثاء على مواقع الشبكات الاجتماعية والتي أطلقت على الطبيب ذي الـ26 ربيعاً “بطبيب الثورة”.

نشطاء المعارضة قالوا أن عثمان كان ملاحقاً من قبل السلطات إلى أن تعرض لإطلاق نار أثناء محاولة سائقه التهرب من أحد حواجز التفتيش بالقرب من الحدود التركية. وقد تم نشر مقطع مصور على موقع يوتيوب يظهر جثة عثمان. لكن لم يتسنّ التحقق من مصداقية هذا المقطع من مصدر مستقل.

يقول شهود عيان وجماعات حقوقية أن من يحاول مساعدة الجرحى كثيراً ما يتعرض لإطلاق النار ولكن السلطات تنفي هذه التهم و تقول أن عصابات إرهابية مسلحة تختلط مع المتظاهرين السلميين. وقد ذكرت منظمة متابعة حقوق الإنسان أن مسعفاً من الهلال الأحمر قد قتل و أُصيب آخران بجروح بليغة في السابع من أيلول أثناء نقلهم لأحد المرضى في حمص حيث تعرضت سيارة الاسعاف لكمين من أربع جهات.

أحد أعضاء مجلس الثورة في حمص و الذي يقوم بتنسيق الامدادات لهذه المشافي الميدانية يقول أن “أي شخص يقوم باسعاف الجرحى يعتبر من وجهة نظر النظام و كأنه يحمل السلاح في وجه السلطة.”

هذا الشاب الذي عرّق عن نفسه بالاسم أحمد هو طالب في كلية الطب وكان قد عمل في المشافي الحكومية كجزء من تدريبه، يقول أحمد “شاهدت أعضاء من الطاقم الطبي يقومون بالضرب بنفسهم”، “بدل أن يتم تخريج المرضى إلى منازلهم يقومون بإرسالهم للاعتقال.”

حتى المشافي الخاصة لا تعتبر آمنة، ففي شهر آب تم نقل متظاهر شاب يدعى صفاء إلى مشفى البر في مدينة حمص بعد تعرضه لجراح ناجمة عن شظايا انفجار. “لقد رآه والدي هناك ” تقول سوزي ابنة عم الشاب والتي حدثتنا من مونتريال وأردفت “لقد كان من المفترض أن يخضع لعمل جراحي حيث كانت حالته مستقرة”

لكن في اليوم التالي كان سريره خالياً ولم يستطع أحد أن يخبر الأهل إلى أين تم أخذه. بعد مضي عدة أسابيع تلقت العائلة مكالمة تطلب منهم استلام جثة ابنهم من مشفى حمص العسكري. ويظهر مقطع مصور لجثة الشاب حروقاً وكدماتٍ وجروحاً بليغةً تكشف عن العظم تحتها.

سوزي التي طلبت التحفظ على إسم العائلة لحماية أفراد عائلتها في سوريا تقول ” ما حدث كان أمراً فظيعاً، فمن المفترض أن تكون آمنا ً في المشفى!”

عندما عاد أبو عبدو في شهر أيار إلى وطنه بعد إتمام دراسته في الخارج، استقبله أهله وجيرانه في حي حمص القديم بفرح ٍ غامر. قبل أسبوعين من وصوله كانت أجهزة الأمن قد فتحت النار على آلاف المتظاهرين.

وعلم أبو عبدو من والده أن “الكثير من المتظاهرين قد قضوا أمام عينيه و أنه بكى كثيراً لأن ابنه لم يكن هناك لمساعدتهم.”

أنشأ هذا الطبيب ثلاث مشافٍ ميدانية في مكان سكنه وفي الأحياء المجاورة والتي كانت تعتبر مناطق آمنة نسبيا ولكنها مجاورة لبؤر المعارضة. كانت هذه المشافي تدار من قبل متطوعين قام بتدريبهم على الإسعافات الأولية.

يقول أنه يتم احضار المصابين بالسيارات والدراجات النارية والهوائية حيث يتم علاجهم على الأرض. ويضيف أنه في البداية لم يتوفر لديهم غير الضمادات والشاش لإيقاف النزف، ولكنهم استطاعوا فيما بعد الحصول على معدات جراحية أساسية مثل إبر ومشارط وذلك بعد أن تعرف على مجموعات أخرى تقوم بهذا النوع من الأعمال. وعلى الرغم من ذلك كانت هناك الكثير من المرات التي لم يجد فيها كل الأدوات اللازمة.

“في حالات الإصابات الشديدة لا يسعنا عمل أي إجراء سوى مشاهدتهم يموتون، أنه أمر غاية في الصعوبة” يقول الطبيب.

ما إن بدأت قوات النظام بالسؤال عنه حتى بدأ التنقل من منزل إلى منزل آخر، إنه ممتن لوجود الكثير من الأصدقاء لديه. وفي أحد الليالي أثناء علاجه للجرحى سمع صفير رصاصة تمر من أمام أذنه. مباشرة في اليوم التالي قامت قوات الأمن بمداهمة المكان بحثاً عن نشطاء بما فيهم الطبيب الذي يعالج المتظاهرين. استطاع أبو عبدو الهرب لكنه قال بأن جميع مشافيه الميدانية قد تم العثور عليها و تدميرها.

في الأسابيع القليلة الماضية استطاعت قوات الأمن الامساك بالطبيب و قاموا باعتقاله واستجوابه لمدة يومين بتهمة علاج جرحى العيارات النارية. فأجاب المحققين” أنا طبيب، ومساعدة الناس هي مهنتي فمالمشكلة في ذلك؟”

وما أثار دهشته أنه تم الافراج عنه و لكنه مقتنع أن قتله من قبل قوات الأمن باتت مسألة وقت فقط ويقول أنه عندما هو وأسرته يودعان بعضهما البعض “فإننا نعني ذلك فعلياً.”

يقول أحمد منسق الامدادات الطبية أن المشافي الميدانية في مدينة حمص تتوزع في أغلب المناطق التي تحدث فيها الاحتجاجات. حيث يتم اخفاؤها في الأقبية أو المخازن أو الشقق. و لكن عندما يشتد العنف يتم توفير العلاج فقط عن طريق متطوعين ميدانيين بحوزتهم مجموعة اسعافات أولية بدائية.

يضيف أحمد أنه يتم تمويل هذه المشافي من خلال التبرعات حيث يتم تهريب المواد الطبية عن طريق الحدود و لكن المشكلة الأصعب تكمن في إيصال هذه المواد إلى المشافي فأي شخص يُعثر بحوزته على معدات طبية يصبح عرضة للاعتقال. وهناك عوز دائم لأكياس الدم وأدوات التعقيم. أما في حالات الإصابات الأشد خطورة يتم العمل على تهريب المرضى إلى المشافي في لبنان متسللين عن طريق الحدود بالتنسيق مع نفس شبكة التهريب التي تُدخل المواد الطبية.

مؤخراً وفي ظهيرة أحد الأيام في وادي خالد وهو وادٍ في الطرف الشمالي للبنان كان وائل وهو ناشط سوري جالساً على الأرض في أحد المنازل الآمنة محاطاً بأشرطة و بطاريات احتياطية مخصصة لابقائه على اتصال في أوقات انقطاع الكهرباءالاعتيادية. تستمر أصوات رسائل برنامج سكايب بالتوارد إلى حاسبه المحمول ثم يصله اتصال على هاتفه المحمول من أحد المهربين الذي يحاول الفرار من منطقة القصير مسقط رأس وائل برفقة ثلاثة مرضى ، امرأة حامل و فتاتان مراهقتان. ” ساعدنا! لا نستطيع الهرب” يصرخ الصوت القادم من الهاتف تحت وابل من الرصاص ثم ينقطع الاتصال.

بعد عدة ساعات علمنا أن المجموعة السابقة نجحت بالتسلل عن طريق الحدود وبعدها عاد وائل لاجراء اتصالاته من أجل تنسيق العلاج حيث تم ارسالهم إلى أحد المشافي في مدينة طرابلس اللبنانية. إحدى الفتيات 17 عاماً أصيبت بالشلل نتيجة تعرضها لطلق ناري استقر في عمودها الفقري. في حين أن الأخرى 13 عاماً كانت إصابتها في المعدة أقل خطورة و قد تم علاجها موضعياً و من ثم عادت إلى سوريا بعد أيام قليلة.

أما بالنسبة للمرأة الحامل والتي كانت قد تعرضت لرصاصة قناص من سطح أحد المباني الحكومية. وصل جسدها فقط إلى الطرف الآخر لكنها فارقت الحياة على الطريق كما قال لنا بعض النشطاء. أراد أهلها أن يدفنوها في سوريا لذلك و بعد أربعة أيام كان جثمانها بين أكياس الدم و الأدوية يتنقل من سيارة إلى أخرى إلى أن عبروا الحدود وصولاً إلى القصير.

المراسلتان الخاصتان كاتي بول في وادي خالد وريما مرّوش في بيرت ساهمتا في كتابة هذا التقرير.

المصدر:

Los Angeles Times

Syria doctors risk their lives to secretly treat protesters

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s