عشق الأسد للكيمياوي

عشق الأسد للكيمياوي

كيف استطاعت استراتيجية الديكتاتور السوري الذكية والساخرة أن تغلب أوباما

assad_chemical_romance

26 أبريل/ نيسان 2013

Joseph Holliday

 جوزيف هوليداي

لا بد للمرء أن يعترف. ربما يكون بشار الأسد ديكتاتور قاسي ولا يرحم، ولكنه يعلم كيف يلعب بأوراقه. بتقديمه الحذر والتدريجي للأسلحة الكيمياوية إلى الصراع السوري، حوَّل خط أوباما الأحمر الواضح إلى ألوان الانطباعيين المائية، مما قوض التهديد بتدخل عسكري أميركي. على الرغم من أن تصريح أوباما يوم الجمعة “لقد تجاوزنا الخط”، فإن الأسد يعلم أن الولايات المتحدة لا تريد أن تُجر إلى حرب أهلية في الشرق الأوسط وهو يحاول الرد على خدعة أوباما.

مقاربة النظام السوري الماكرة تتيح لإدارة أوباما الخيار بأن تظل صامتة بخصوص الهجمات الكيميائية وبذلك تتجنب واجب تنفيذ تهديداتها. ولكن المقلق أكثر، هو أن استخدام الأسد المحدود للأسلحة الكيميائية يقصد به إضعاف حساسية الولايات المتحدة والمجتمع الدولي وذلك لتسهيل نشر شامل لهذه الأسلحة في المستقبل بدون إثارة تدخل.

القيام باستخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا يجب أن لا يكون مفاجئا، ولا الطريقة التي قدم بها الأسد هذه الأسلحة. التفاصيل الدامية عن الأسلحة الكيميائية ما زالت ستظهر قريباً، و لكن إحدى المرات المرجحة حدثت في أواخر آذار في خان العسل، منشأة عسكرية للنظام تحت حصار الثوار. تظهر تقارير وفيديوهات النشطاء أعراض وتأثيرات تتناسق مع سلاح كيميائي ذو أساس كلوري أو فوسفاتي، الذي يدعي الثوار أن إيصاله قد تم عن طريق صاروخ قصير المدى.

سارع النظام السوري إلى اتهام الثوار بإطلاق “صواريخ تحمل مواد كيميائية” بعد ساعات من الهجوم، مما ساعد غرباء على الاشتباه بأن قذيفة كيميائية قد أطلقت، وكذلك كان لها الأثر بتجريم النظام الذي يستجيب عادةً ببطء. استهدف الصاروخ الكيميائي هدفا عسكريا محددا للثوار في خان العسل والمواد الكيميائية المستخدمة لم تكن فتاكة بدرجة عالية، مع أن آخر التقارير من مسؤولين في المخابرات الإسرائيلية والأمريكية أشاروا إلى استخدام غاز السارين الأكثر فتكاً.

تناسب المقاربة الحذرة للسلاح الكيميائي نموذج نظام الأسد للتصعيد العسكري. على مسار الصراع، كل تصعيد للنظام بدأ بضرورة عسكرية و توسع إلى عقاب وحشي لسكان سوريا. أنشأ الأسد خطة عمل واضحة لتكثيف تلك العملية دون إثارة تدخل دولي: يلمس الخط، ويتأكد من تراخ غربي، ومن ثم يصعد العنف أكثر. ومع كل خطوة، فإن بيان واشنطن “نحن ندين بشدة” أظهر نجاح هذه المقاربة.

بدأت قوات الأسد بإستخدام الأسلحة الثقيلة لقصف حمص في آذار 2012 لأنها لم تستطع إزاحة الثوار باستخدام القوات البرية وحدها. من وجهة نظر النظام، تتطلب الضرورة العسكرية استخدام مقيد نسبياً للقصف المدفعي لإضعاف مواقع الثوار أمام الهجوم البري. ما أن تأكد الأسد أن المدفعية لم تثر رد دولي، توسع القصف ليستهدف كل يوم أحياء مدنيين معارضة دون أي محاولة من القوات البرية لاسترجاع هذه الأحياء.

عندما أصبحت قوات النظام السوري البرية فوق طاقتها في حزيران 2012، أملت الضرورة العسكرية مرة أخرى إلى التصعيد: أطلق الأسد سلاحه الجوي. لم يكن لدى الأسد القوات الضرورية للرد على تقدم الثوار شمال حلب واللاذقية، ولذلك وظف ضربات جوية مروحية محدودة ضد أهداف عسكرية للثوار. وبحلول آب من العام الفائت، تأكد الأسد أن هجومه الجوي لن يثير حظرا جويا أميركيا، مما سمح له باستخدام مقاتلات سلاح الجو السوري ضد مناطق تحت سيطرة الثوار في حلب، مما دفع بالسكان الأبرياء إلى مكاسب للثوار.

استمر هذا النمط الساخر. النظام قدم الصواريخ البالستية ما أن أصبح الثوار ماهرين بإسقاط الطائرات وباقتحام القواعد الجوية. بدأت الهجمات بكانون الأول 2012، بعدد صغير من صواريخ السكود أطلقت بشكل واضح على هدف عسكري، قاعدة سيطر عليها الثوار. مرة أخرى، انتظر الأسد ليرى كيف سيكون رد الفعل. مرة أخرى، كان الصمت الغربي. بتقييد الأهداف الأولية لتقتصر على قوات الثوار وبعدد محدود من الهجمات، أضعف الأسد حساسية الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ضد تقديم سلاح استراتيجي جديد يمكن استخدامه لاحقاً ضد الشعب السوري. بحلول كانون الثاني من هذا العام، توسعت الهجمات الصاروخية لتشمل هجمات مستمرة ضد مناطق مدنية مكتظة بالسكان في حلب ودمشق.

والأسلحة الكيميائية هي التالية. كالاستراتيجية المتبعة مع المدفعية، والقوة الجوية، والصواريخ البالستية، تقديم الأسد لأسلحة الدمار الشامل يهدف إلى تمهيد الطريق نحو أسلحة أكثر فتكاً ونطاق واسع من الأسلحة الكيميائية ضد الشعب السوري في المستقبل. أسلحة الأسد الكيميائية ليست رادعاً ضد التدخل الأجنبي فقط، وإنما تمثل أداء خطرة بالحملة المستمرة ضد المعارضة. مقاربة الأسد للصراع كانت عكس ما يطلق عليه عسكريين غربيين مكافحة التمرد بين السكان المدنين: عوضاً عن إزاحة المتمردين من المراكز السكانية، سعى الأسد إلى إزاحة السكان من المناطق تحت سيطرة المتمردين.

هذه الاستراتيجية قد أكدت بنجاح أنه عندما يسيطر الثوار على منطقة سيفقدون السكان، عن طريق النزوح أو القتل، أو سيفقدون تعاطفهم وعقولهم، عندما يتحمل المدنيون العبء الأكبر من سفك الدم ويلقون باللوم على الثوار كسبب لمحنتهم. إنها استراتيجية ساخرة، ولكن فعالة. حملة النظام الجوية ضد المخابز مثالاً، هي ليست سادية أو خطأ في التصويب فقط، بل فعل متعمد لضمان عدم إمكانية الثوار تزويد الناس بالخدمات الأساسية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم. مقاربة التمرد هذه ليست بجديدة، الروس تبنوا هذا النموذج تاريخياً ضد أفغانستان والشيشان.

نزوح السكان هو مركز حملة الأسد: مذابح في القرى السنية، جرف أحياء دمشقية، وإطلاق الصواريخ البالستية على وسط مدينة حلب، هذا كله يناسب مقاربته الشاملة. والأسلحة الكيميائية تناسب هذه الاستراتيجية. حتى استخدامها المحدود، هو أمر مرعب، ويجبر السكان على ترك المناطق التي سيطر عليها الثوار، وزرع الخوف بأن القادم أعظم. ولكن الأسد يريد أن يتأكد أن واشنطن لن تأتي وتطرق بابه بقنابل تدمير المخابئ المحصنة. حتى الآن لا يوجد دليل أنها ستفعل.

تأكدت كلا من روسيا والصين أنه لن تكون هناك أية مساندة للتدخل من مجلس الأمن. وبوجود وكلاء إيران وعناصر القاعدة معاً بشكل خفي في سوريا، فإن الرئيس أوباما مشلول بخوف تكرار أخطاء إدارة بوش، لا سيما سحب الولايات المتحدة إلى حملة أخرى طويلة في الشرق الأوسط (دون ذكر أنها ستهاجم نظام بعثي آخر بتهديد وجود أسلحة دمار شامل). ولكن هنا تنتهي أوجه التشابه. على عكس العراق، الأسلحة الكيميائية السورية ليست عذرا غير مقنع لحرب سيئة التخطيط: إنها تمثل خطراً وشيكاً على الشعب السوري.

وبهذا، ربما لا تشكل الأسلحة الكيميائية السورية تهديداً مباشراً على الولايات المتحدة، طالما أنها ما زالت بيد الأسد. إذا أخذ أوباما بالحسبان أن مخاطر وتكاليف تدخل أميركي ستكون عالية جداً، فهذا اختصاصه بصفته القائد العام للقوات المسلحة. خلال العقد الماضي من الصراع، تعلمت الولايات المتحدة بالطريقة الصعبة أن لا تستهين بالمخاطر المحتملة لعمل عسكري (يشار إليها عادةً بآثار الدرجة الثانية والثالثة باللغة العسكرية). ولكن مسار الصراع السوري سيعلمنا أن عدم التحرك يحمل مخاطر أيضاً.

وعلى الرغم من الخط الأحمر الذي وضعه الرئيس، يظل سؤالاً مفتوحاً إذا كان حساب التكاليف الأساسية تغير بعد الهجوم الكيميائي. والأسوأ من ذلك، أنه ما زال غامضاً ماذا تستطيع الولايات المتحدة فعله الآن بهذا الخصوص. أية حملة مجدية للقضاء أو تأمين كل أسلحة سوريا الكيميائية قد تمثل بدقة التدخل العسكري على صعيد كبير والذي كانت الإدارة تخافه.

تردد الرئيس أوباما ولعبه بالخيارات العسكرية مستمد من إدراكه بأنه من المرجح فشل الدولة السورية، قناعته بأن الولايات المتحدة لا يجب أن لا تستثمر بصراع عسكري مكلف، وعزمه على أن لا يلومه التاريخ على انهيار سوريا. حتى الآن، حث البيت الأبيض الأمم المتحدة العمل على تحقيق كامل كرد بسيط إذا كان هناك رد. ولكن الرئيس قد وضح أنه يحتاج إلى دليل كبير وواضح ليدفعه إلى أن يأخذ مسؤولية رد أميركي حاسم. للأسف، يبدو أن الأسد المراوغ لن يعطي أوباما قراراً سهلاً كهذا.

المصدر

Assad’s Chemical Romance

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s