صور في مواجهة القنابل- صانعو السخرية في كفرنبل

لا أحد ينجومن سخرية المعارضة في المدينة السورية الصغيرة كفرنبل. ولا حتى نظام الرئيس الأسد ومؤيدوه.

غابرييلا م. كيللر Von Gabriela M. Keller

11 مايو/ أيار 2012

رويترز، الرئيس الأسد: لاعب خفّة

ليست كفرنبل مدينة ولا حتى قرية، بل مكان مجهول في محافظة إدلب شمال سوريا، يسكنه خمسة وعشرين ألف نسمة. على طول شارع كفرنبل الرئيس تنتشر المحلات التجارية وتختفي خلفها على تلة صخرية منازل بيضاء مسطحة.

حتى عام تقريباً، لم يكن شيء في هذا المجتمع الصغير ينبئ بأنها ستصبح مشهورة خارج الحدود السورية. ” قبل بدء الاحتجاجات لم يعرف الناس بأننا موجودون على وجه الأرض”، يقول رائد الفارس، ناشط محلي هناك. كل هذا تغير الآن. منذ بدء الانتفاضة ضد نظام الأسد قبل أربعة عشر شهرا،ً أصبحت كفرنبل موضع اهتمام خاص بسبب لافتاتها وشعاراتها الاحتجاجية المضحكة والمعبّرة والتي تتخذ في بعض الأحيان طابعاً احتجاجياً عبثيا. كل يوم تنتشر على الفيسبوك وتويتر لافتات جديدة لكفرنبل.

” كلمة واحدة تعبر عن الإبداع: “كفرنبل”، هذا ما كتبه أحد مستخدمي “تويتر”. استطاعت الصور أن تجد طريقها إلى الإعلام العالمي، فالمتظاهرين يكتبون لافتاتهم بلغتين: بالعربية وبانجليزية خالية تقريباً من الأخطاء.

الأسد وبوتين والخميني بصورة خنازير

ومن ضمن مايحمله المتظاهرون في كفرنبل كاريكاتور لاذع مستوحى من لعبة “العصافير الغاضبة “، “Angry Birds” على كمبيوتر آبل: طائرٌ غاضب يتم قذفه عبر الهواء ليسقط بعيداً ويصيب خنازير خضراء بشعة. ليست الخنازير في نسخة “السوريين الغاضبين” سوى الرئيس بشار الأسد وحلفاؤه، أية الله الخميني الراحل وزعيم حزب الله حسن نصر الله والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

روتيرز، العالم يحب سماع أغنيات وأكاذيب الأسد

وفي كاركاتير آخر يبدوالأسد كبالون هوائي منفوخ تتدلى الخراطيم من مؤخرته. يقوم بوتين والخميني بنفخه، في الوقت الذي يقترب فيه متظاهر من الجهة الأخرى وفي يده إبرة طويلة!

شر البلية ما يضحك

كفرنبل مدينة مليئة بصنّاع النكات. “من أين أتى هذا، لا أعرف”، يقول رائد الفارس. “لقد أصبح العنف اليومي بالنسبة لنا أمراً عادياً.. شر البلية ما يضحك”. لقد أضحى المتظاهرون في كفرنبل ينزلون إلى الشارع كل يوم جمعة بصور وشعارات جديدة.

رويترز، نسر أقرع فوق سوريا المدمرة

يوم الخميس تلتقي مجموعة عمل صغيرة لإعداد اللافتات. رائد الفارس، ذو التسعة والثلاثين عاماً، مسؤول عن التعليقات، ناشط آخر يرسم الكاريكاتيرات، ثم يتم رسم الشعارات بأحرف كبيرة على اللافتات. قبل بضعة أسابيع قام الفارس بإعادة صياغة “أنشودة البحّار القديم”، وهي قصيدة من القرن التاسع عشر كتبها صموئيل تايلور كوليردج ” Samuel Taylor Coleridge “

يقول النص الذي كتبه كوليردج: “وحيدٌ، وحيدٌ، وحيدٌ جداً، وحيدٌ على صفحة البحر، ولن تجد إلهاً واحداً يرحمك”. لكن النص يصبح في الأغنية السورية المعاصرة كالتالي: ” وحيدٌ، وحيدٌ، وحيدٌ جداً، وحيدٌ فوق بحر من الدماء، ولن تجد إنساناً واحداً يرحمك “.

سخرية من المجتمع الدولي

في إحدى المرات قام المحتجون بقلب اللافتة رأساً على عقب، تماماً كما هوالعالم من حولهم. وفي مرة أخرى ساروا بصمت بشريط لاصق على أفواههم ورفعوا لافتات فارغة، وهم بهذا أرادوا التعبيرَ عن محاولة النظام سلب صوت الشعب السوري.

روتيرز، مراقب من الأمم المتحدة يقوم بتصوير واحداً من ضحايا النظام وهو يحتضر

ليس من الممكن إسكات أهل كفرنبل. فسخريتهم اللاذعة لا تطال فقط الرئيس الأسد، بل المجتمعَ الدوليَ وعجزَه أيضاً. “الشعب يريد إسقاط النظام، الشعب يريد إسقاط الاتحاد الأوربي، الشعب يريد إسقاط الأمم المتحدة”، هكذا يطالبون في إحدى لافتاتهم الساخرة.

وفي لافتة أخرى: “إلى زعيم الناتو، كان لدى الليبيون نفط دفعوا لكم ثمنه، نحن سنبيع بيوتنا حتى نغطي نفقاتكم”. وغالباً مايوجهون أيضاً كلماتهم إلى الحكومة الأمريكية. “تردد أوباما يقتلنا. نحن نشتاق لتهور السيد بوش. العالم بحال أفضل بوجود الجمهوريين في أميركا”.

صورة جماعية أسبوعية مع لافتات

يتم توقيع اللافتات دائماً بعبارة “كفرنبل المحتلة”، مقارنة ساخرة للوضع في إسرائيل، حيث يتم وصف إٍسرائيل في القاموس  الرسمي للحكومة السورية بـ “فلسطين المحتلة”

يُظهر سكان هذه المدينة المتمردة بذلك ميلاً مذهلاً لإحداث تأثير كبير في الرأي العام. في كل أسبوع يلتقطون لأنفسهم صوراً جماعية مع لافتاتهم أمام الجبال المحيطة بمدينتهم ثم يقومون برفع الصور على شبكة الإنترنت حتى تصبح في متناول الجميع. وعملهم هذا ينطوي على مخاطرة كبيرة، فوجوههم تظهر واضحة في الصور ويمكن التعرف عليهم بسهولة.

رويترز،كُتب على اللافتة: “إذا أردتم التخلص من الإرهاب العالمي، عليكم بنظام الأسد، أنقذوا العالم من آلاف العقول القذرة”

انتبه الإعلام بسرعة لظاهرة كفرنبل، هكذا يقول علي أمين السويد. منذ بداية عام 2011 تم بث مقاطع للاحتجاجات. على إحدى اللافتات كُتب: “من يعرف الحقيقة لا يحتاج للاختباء في الظل.” إنها عبارة قوية تتناول طريقة تصوير الأخبار. “كانت هذه البداية فقط”، يقول السويد. “ثم تابعنا هذا كل يوم جمعة”. ينحدر السويد البالغ من العمر أربعة وأربعين عاماً من كفرنبل، عمل مدرساً للغة الانكليزية في الكويت ويقوم اليوم بترجمة شعارات المتظاهرين. “نحن نعلم أننا لن نحقق الكثير بالشعارات العادية، نحن نريد أن نرسل رسالة صادمة للعالم حتى يأخذنا على محمل الجد. نريد أن نجعل الناس تترقب كل يوم شعاراتنا الجديدة”.

 

مواطنون متعلمون بمعدل يفوق المتوسط

تسلّط الشهرة المفاجئة لتلك البلدة الصغيرة قرب الحدود التركية الأضواءَ على البنية المحلية للثورة، هذا ما حققه أهل كفرنبل حتى الآن. لقد أعادت الحركة الاحتجاجية تشكيل الخارطة السورية. فمراكز المقاومة تتركز بشكل أساسي في المناطق المهمشة، في ضواحي المدن المجهولة وفي القرى النائية.

“نتعرف اليوم أخيراً على بلدنا”، يقول طالب من دمشق متعجباً. لأول مرة يتوجه الاهتمام بشكل كامل إلى أماكن كنا بالكاد قد سمعنا بها من قبل، أماكن مثل جبل الزاوية.. بابا عمرو.. القصير وكفرنبل.

لا عجب أن تتميّز كفرنبل، يقول رائد الفارس. فالسكان متعلمون بمعدل فوق متوسط. في كفرنبل لاتوجد منشآت صناعية وطبيعتها الجبلية الوعرة لاتتناسب مع الزراعة. تنتشربقربها بساتين الزيتون وأشجار التين، ماعدا ذلك فلا شيء. الأعمال اليدوية لاتتوفر إلا نادراً، لذلك فإن كل من يستطيع، يتوجه للدراسة في الجامعة.

الكثيرون يبحثون عن حظهم في الغربة

يبحث الكثيرون بعد الدراسة عن حظهم في الخارج، فالمكان الصغير لايمكنه أن يقدم الكثير من الفرص للأكاديميين الشباب. “لقد كان هذا أحد الأسباب التي دفعتنا للانضمام للثورة”، يقول رائد الفارس.

رائد نفسه اضطر لقطع دراسته في كلية الطب والعمل في مكتب عقاري. اليوم لا تترك له الثورة أي وقت للعمل. لقد توجب عليه الاختفاء قبل بضعة أشهر، فأجهزة المخابرات تبحث منذ وقت طويل عمن يقف خلف اللافتات.

ترمز لافتات كفرنبل إلى التحول العنيف الذي طرأ على سوريا في الأشهر الأخيرة. فمن بلد يعتبر من أكثر الدول البوليسية صرامة في العالم، إلى بلد يموج باضطرابات، قُتل أثناءها ما لايقل عن تسعة آلاف شخص. وعلى الرغم من عدم وجود أية إشارة على قرب سقوط النظام، فقد أحس السوريون بحرية لم يعرفها بلدهم من قبل.

يجرب أهل كفرنبل اليوم كل طريقة ممكنة ليعبروا عن رفضهم للنظام. يقول رائد الفارس إنه أصبح مبدعاً بعد بداية الثورة. وينطبق الأمر نفسه على رسامي الكاريكاتير في كفرنبل. “كان لدي منذ طفولتي أفكار إبداعية، ولكننا نعيش في سوريا وهذا النظام قام لوقت طويل بخنق كل الأفكار”. يقول رائد الفارس. “أستطيع الآن تذوق حريتي، لكن علي أن أبقى مختبئاً. إذا أمسكوا بي، فلا أعرف ماذا يمكن أن يفعلوا بي”.

المصدر

 Bilder gegen Bomben – die Spötter von Kafranbel

Welt Online

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s