في حمص، معقل الثورة… تماماً كما في سربرنيتشا

في حمص، معقل الثورة

تماماً كما في سربرنيتشا

لقى اثنان من الصحفيين الأجانب حتفهم إثر قصف عنيف قامت به القوات السورية. كانا يقومان بنقل تقارير عن مدينة حمص، التي يتعرض سكانها، وعلى مدى أسابيع متواصلة، لهجوم مميت. طالب النشطاء من الغرب المساعدة “ما يحصل هنا، هو إبادة جماعية”.

“لا يمكننا حتى إنقاذهم. جثتا الصحفيين هناك عند المدخل، ولكن القناصين سيقوم بإطلاق النار علينا إذا ما قمنا بسحبهما”. في نهار يوم الأربعاء تمكنا ولبضع دقائق من الاتصال بعمر شاكر، أحد المتحدثين باسم الثورة في بابا عمرو، حيث قتل الصحفيين، ماري كولفين وريمي أوشليك نتيجة تعرضهما لقذيفة قوات النظام.

كانا متواجدين في القسم الخلفي من المنزل المخصص للصحافيين، أو ما يدعى “المركز الإعلامي”، عندما أصابت القذيفة الأولى الغرفة المطلة على الشارع. “أردنا التوجه إلى منزل آخر، لكن القصف كان عنيفاً ومتواصلاً”، يقول عمر شاكر. “توقف القصف لبضع دقائق حاولوا خلالها الهرب فأصابتهم قذيفة كانت قد ضربت مدخل البناء مباشرة. تُوفي الاثنان مباشرةً.”

في ذاك المنزل ذاته عايش صحفيٌّ من مجلة دير شبيغل، ولمدة أسبوع، مرحلة تحول بابا عمرو إلى منطقة محررة في وسط سوريا. دافع الجنود المنشقين “الجيش السوري الحر” عن الحي الفقير الواقع في الجنوب الغربي من المدينة، ضد قوات النظام. “حالة طوارئ على امتداد ثلاث كيلومترات مربعة”، كما وصفها الصحفي حينها. تلك المنطقة كانت أكثر هدوءً من المناطق الأخرى، التي كان يبث الصحفي منها تقاريره، عن كيفة تصيد القناصين للناس، وعن الجرحى الذين كانوا يقتلون في المشافي الحكومية بدلاً من أن يتم علاجهم، وكيف كانت قوات الأسد قد بدأت بتجويع أحياء المدينة.

من الأبنية القريبة العالية يصوب القناصون على الجميع

منذ ذلك الوقت ساء الوضع في حمص إلى حد كبير. منذ الرابع من شباط والعديد من أحياء القسم الشمالي والغربي من المدينة الثائرة تتعرض لقصف متواصل بالدبابات والصواريخ. كل دقيقة وأحياناً كل ثانية كانت الأحياء السكنية تقصف بالقنابل. كانوا إما يقتلون السكان مباشرة، أو يتركوهم ليموتوا ببطئ لأنه ما من أحد يستطيع الوصول إليهم لإنقاذهم. والقناصون يستهدفون من فوق الأبنية القريبة العالية أي شخص موجود ضمن مجال الرؤية.

الوضع في بابا عمرو هو الأكثر مأساوية. عدة شوارع هناك تحولت إلى أنقاض. قام الأطباء، الذين ما زالوا على قيد الحياة، بإخلاء المشفى الذي تم قصفة ونقله إلى مسجد صغير حيث يمارسون عملهم هناك بشكل متواصل ودونما انقطاع. يقومون ببتر الأرجل والأذرع دون تخدير، ليس لديهم ما يكفي من الأدوية والضمادات ناهيك عن النقص في أكياس الدم. وهم لا يعلمون ما الذي يمكن أن يفعلوه بكل تلك الجثث.

أصبحت التقارير الصادرة عن “المركز الإعلامي”، والذي كان بداية عبارة عن منزل من الطابق الأول، والآن مقره في الطابق الأرضي لأحد الأبنية، في الآونة الأخيرة نادرة. في كانون الأول كانت ماتزال هناك فسحة من الأمل، فبالإضافة إلى عشرات أجهزة الكمبيوتر كان الهاتف يرن بشكل متواصل طوال الليل، وكان الطلاب يُحمّلون فيديوهات آخر المظاهرات على الانترنيت.

أما الآن فالكهرباء وخطوط الاتصالات مقطوعة، ولم يعد هناك ماء أيضاً، فالقناصون قاموا بإطلاق النار على خزانات المياه الموجودة على أسطح المباني. ما تبقى من المازوت يتم الاحتفاظ به لاستخدامه في تشغيل المولد الكهربائي الذي يجعل هاتف الثريا يعمل.

هذا الأسبوع، كانت الاتصالات مقطوعة تماماً وعلى مدى ستة أيام متواصلة. في يوم الثلاثاء تمكن عمر شاكر من الاتصال بنا هو والآخرون: مازالوا على قيد الحياة، حتى الصحن اللاقط مازال في مكانه على السطح “إنها معجزة”. بعض المئات أو حتى بعض العشرات من أفراد الجيش الحر مازالوا متواجدين في الحي، ولكنهم لا يملكون أية فرصة في مواجهة وحشية الدبابات.

المئات من السوريين يموتون ببطئ لأنه ليس بالإمكان معالجتهم

بالإضافة إلى كولفين وأوشليك كان هناك العديد من الصحفيين الذين أصيبوا نتيجة القصف صباح الأربعاء. المصور البريطاني باول كونروي أصيب إصابة بالغة في ساقه، والصحفية الفرنسية إديث بوفير كان لديها كسر خطير في ساقها اليسرى. إنهما متواجدان الآن في مشفى تحت الأرض في باب عمرو، “ولكن نخشى ألا يكون باستطاعة إديث النجاة ما لم نتمكن من إخراجها من هنا”، يقول الدكتور محمد. “يجب أن تُجرى لها عملية جراحية، كما أنها تحتاج إلى عملية نقل دم، وإلى الأدوية”. كان عليهم أن يراقبوا موت مئات السوريين بشكل بطئ لأنه ليس بالإمكان معالجتهم. ربما خمسون أو سبعون شخصاً كانوا قد لقوا حتفهم يوم الأربعاء في بابا عمرو، منذ أن بدأت قوات الأسد بقصف حتى الطوابق السفلية من المباني بشكل متزايد. أكثر من عشرين ألف شخص مازالوا متواجدين في الحي ومتحجزين في بيوتهم، معظهم من النساء والأطفال والشيوخ، الذين لم يفروا عندما كان مايزال بإمكان المرء الهروب سيراً على الأقدام. معظم المنازل ليس فيها أقبية، البرد قارس، لا يوجد ماء وحتى الطعام لا يصل إلى الحي. يتعرض أولئك الذين مازالوا يقطنون الحي لقصف الدبابات الوحشي، هذا القصف الذي استمر ثلاثين ثانية وسمعته كولفين أثناء مقابلتها الأخيرة يوم الثلاثاء، الرابع عشر من شباط.

“إن ما يحدث هنا، هو إبادة جماعية”، يقول عمر شاكر على الهاتف، وقد كرر جملته هذه عدة مرات لأن أصوات الانفجارات كانت أعلى من صوته. “الأسد يريد محي بابا عمرو من الخريطة، هو يعتقد أنه بذلك سيخمد الثورة. إنه تماماً كما في سربرنيتشا في البوسنة”، يقولها بمرارة. “بالتأكيد سيقوم المجتمع الدولي فيما بعد بإرسال لجنة تحقيق، ولكننا لا نحتاج إلى لجنة تحقيق، ما نحتاجه هو إنهاء هذا القصف. ساعدونا أرجوكم، وإلا سيموت الجميع هنا”.

المصدر:

Spiegel Online

Widerstandshochburg Homs

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s