غضب ودموع وتسامح، بينما يتشارك الثائر السوري وسجينه مخاوفهما

مارتن شولوف

11 آب 2012

مع ازدياد الأدلة حول عمليات التعذيب والإعدام للسجناء، يشهد المراقب اجتماعاً استثنائياً بين أحد قادة الثوار من الطائفة السنّية وأسيرٍ علوي في منطقة الباب قرب مدينة حلب.

Prisoner Barakat, left, and Sheikh Omar, right, in al-Bab. Photograph by Zac Baillie

 الأسير بركات في الجهة اليسرى ، والشيخ عمر في الجهة اليمنى . تصوير زاك بايلي

 جلس الملازم أول_ دريد بركات_ على فراش اسفنجي على أرض مدرسة و رجالاً كان يقودهم سابقاً إلى جانبه، و آسروه واقفون في رواق مظلم في الخارج . .

 كان هناك حوالي ثلاثين شخصاً محتجزاً في الغرفة – في مكان يعتبر سجناً لمعتقلي الحرب في الجزء الواقع تحت سيطرة الثوار من سوريا. كان دريد و شخصان- ضباط مثله- ينتمون إلى الطائفة العلوية، وضابط آخر شيعي، والباقون جميعهم كانوا جنودا سنّة، كحال الثوار الذين يحتجزونهم.

 السجناء محتجزون هناك منذ أواخر شهر تموز\يوليو، بعد وقت قصير من بدء تنفيذ ثوار مدينة الباب خطة نقل الحراك الثوري إلى قلب ثاني أكبر مدينة في البلاد” حلب”. قبل ذلك لم تطلق المجموعات الثائرة في المدينة طلقة واحدة منذ مرور 18 شهراً على بدء الثورة.

 كان بركات وآخرون قد عملوا في مركز الأمن العسكري في قلب مدينة الباب، الواقعة ثلاثون كليو متراً شمال شرقي حلب. و كان يوجد معه في السجن المؤقت معتقلون من مبنى الأمن السياسي القريب ومن جميع مراكز النظام الأمني.

 في معركة الباب كانوا قد تعرضوا للهزيمة، وتمّ تدمير تجمع الأبنية الأمنية الضخم ، والرجال المهزومون الذين كانوا يعملون في تلك الأبنية، أصبحوا تحت رحمة العدو الذي كانوا يخشونه، الآن.

 “بالطبع ، أعرف ما يحدث في مثل هذه الظروف،” قال بركات، بينما كان جالساً متربعاً في حديقة المدرسة في بداية الأسبوع الماضي. “السجناء كانوا يتعرضون للضرب، والمنشقون تتم ملاحقتهم وسجنهم. و كنت أظن أنها ستتم معاملتنا بالمثل.”

 ينتشر صيت الوحشية في الحرب الأهلية السورية . بينما يُعامل الجنود المأسورون بشكل أفضل من ضباط المخابرات – أو ميليشيات الشبيحة المكروهة – عادةَ.

المزاعم حول تعذيب السجناء شائعة لدى الطرفين، طرف النظام وطرف الثوار على حد سواء. فإعدام قادة مجموعات الشبيحة الثلاتة في حلب سببت في الثورة نفس درجة الغضب التي تسببها انتهاكات النظام في القاعدة الرئيسية للثوار في مدينة حلب، صرخات السجناء الذين يتعرضون للضرب كانت مسموعة في ليالي الأسبوع الماضي.

 “لقد سمعنا عن ذلك،” قال أحد ثوار مدينة الباب. “لم نكن نحن من يفعل ذلك.”

 يجلس قرب بركات -ـ35 عاماً-سجّانه وهو شيخ سنّي “عمر عثمان” قائد لكتيبة ثوار في المنطقة “كتائب الأنصار.” كان يرتدي عباءة مخاطة ببراعة ويضع جبيرة على ساقه اليسرى، سأل عمر بركات : ” فيما إذا كان هو و الرجال الآخرون معه خائفين عند اقتراب المعركة؟!.

 “أقسم لك يا شيخ أن الرجال كانوا خائفين لفترة،” أجاب بركات. “كانوا خائفين من القتال وقلقين مما قد يحدث.”

 كان الشيخ وأسيره – القائد الثائر السنّي والضابط العلوي – يتعمقان في النقاش. ووافق بركات على السماح للمراقب بالاستماع وطلب منه أن يتم استخدام اسمه.

 “لم أكن أتوقع منكم هذه المعاملة،” قال بركات. “إنكم تقدمون لنا الطعام ثلاث مرات في اليوم، كما تعطوننا القرآن وحتى السجائر.”

 “لم تكونوا لتفعلوا ذات الشيء معنا؟!.” رد عمر.

 “صحيح،” قال بركات. “تلك كانت ثقافة هناك.”

 “لقد كانت أكثر من ثقافة،” رد عمر. “قد أصبحت طريقة حياة. كنتم تمارسون الوحشية والقمع بشكل فطري .”

 ” لم أكن أنا من يفعل ذلك،” قال بركات. “بل كان النظام.و كل ما فعلته هو إعطاء الأوامر للرجال بأن يخرجوا ويضربوا الناس بالعصيّ كلماكان هناك مظاهرة. أنا لست شديد الارتباط بالنظام، كان ذلك مجرد عمل بالنسبة لي.”

 رفع عمر عباءته وأشار إلى جبيرته . “لقد أطلقتم النار علي ياشباب ،” قال مشيراً إلى أعلى قدمه اليسرى، التي أصيبت بطلق ناري أثناء معركة مبنى الأمن العسكري. “إذا لم تكن داعماً قوياً للنظام، لماذا كنت تعمل في الأمن العسكري (واحد أكثر أجهزة المخابرات إثارة للرعب في سوريا)؟”

 “يا شيخ، لم يكن لدي خيار آخر. هذا كان واقعنا.”

 بينما تقترب المعركة من نهايتها في حلب، تضطر فرق الحرب في سوريا إلى أن تواجه حقائق حرجة . المواضيع الرئيسية في سوريا الآن يتم مناقشتها بوضوح في مشاهد كهذه ، كما في لقاءات كبار السن، وحتى في لحظات الاستبطان”التأمل” أثناء المعارك،و مضمونها: : كيف انزلق المجتمع إلى هذا الحد نحو الهاوية، وهل هناك أي شيء يمكن فعله لإنقاذه الآن؟

 سواءً أعجبها ذلك أم لا، الأقلية العلوية في سوريا كانت في مقدمة المتأثرين بالقمع الذي تبع بداية الحراك الشعبي في آذار/مارس الماضي،و التي تحولت الآن إلى حرب أهلية. ومما لا شك فيه ايضاً أن المعارضين والمجموعات المسلحة تتألف أغلبها وحصرياً من الطائفة السنية، وبعضهم حاقد على العلويين، ويعتبرونهم عملاءً للنظام القمعي.

 يظهر شبح الصراع الطائفي الدموي، بينما يتفاقم العنف ليشمل البلاد بكاملها والآمال بإيجاد حل تبدو بعيدة المنال.

 مع ذلك فالشيخ والملازم العلوي متلهفان للتحدث لتبديد العداوة القديمة بين الطائفتبن. نفس عملية التعاون تجري في الدوائر السياسية، على الرغم من أنها لا تتم بشكل جيد.

 “هل تكرهوننا لأننا من الطائفة السنيّة؟” سأل عمر.

 “لا، يا شيخي، أقسم لك،” أجاب بركات، منحنياً إلى الأمام ليلمس ركبة عمر مؤكداً على إجابته. “أنا لا أكرهكم أبداً. النظام هو الذي زرع هذه العداوات. لقد عشنا دائماً مع بعضنا كمجتمع.”

 “من الذي قام يدفن قتلانا بعد المعركة، هل هو النظام؟ لم نجدهم في أي مكان. رجالك هم من حفروا القبور وقاموا بدفن رجالي.”

 في وقت سابق من ذلك اليوم، وصل رجل كبير في السن يرتدي جلباباً صحراوياً أبيضاً ومعه امرأة متعبة كبيرة في السن أيضاً من شرقي مدينة دير الزور. طلب الرجل والمرأة مقابلة عمر، وناشداه أن يطلق سراح ثلاثة من أبناء إخوانهم المحتجزين في الطابق العلوي. أحد أبنائهم كان مجنّد سابق، بلغ مؤخراً السابعة عشر، والاثنان الآخران قد تعرضا لضرب شديد وهما بأواخر العشرينات، ولكنهم بديا أكبر من ذلك، تم جلبهما إلى الفناء وجلسا على وسائد مقابل الجدار.

 تم إطلاق سراح زميل لهم في اليوم السابق. كان لدى الثلاثة أمل كبير بأن يتم إطلاق سراحهم أيضاً. “لم تكن عائلتنا أبداً مع النظام،” قال الرجل المسن. “لقد كان مجرد عمل بالنسبة لهؤلاء الفتيان، وانتهى الآن. إنهم ممتنون جداً للطريقة التي تم التعامل معهم بها.”

 على الرغم من رحلة الـ 300 كم التي قطعاها، قرر عمر أنا إطلاق سراح الثلاثي يمكن أن تؤجل حالياً. “لن يطول الأمر،” قال عمر. “ولكننا سنطلق سراح غيرهم أولاً.”

 لاحقاً أصبح بركات تعبيرياً ومفعماً بالحيوية. لقد سمع عن إطلاق السراح وزيارة العائلة وأراد أن يرضي سجّانه بوضوح. “لم تقل لنا أي شيء بعد،” قال عمر.

 “لقد أخبرتكم بكل ما أعرفه،” رد بركات. “صدقني.”

 خلال ذلك اليوم، كان الشيخ عمر يفكر بإطلاق سراح جميع المعتقلين العلويين وأغلب السنيين في خلال الأيام القادمة. لقد أخبرنا بأنه لا يخشى أن يتم تسريب موقعهم. “إنه ليس سرّاً على أية حال. هم يعرفون موقعنا، وإن كانوا لا يعرفون فكل ما يحتاجونه هو برنامج غوغل إيرث Google Earth.”

 توقف عن الكلام لدقيقة،، قابضا ً بيده اليمنى على ذقنه ، ثم قال: “متى كانت آخر مرة رأيت فيها عائلتك، والدك ووالدتك؟”

 نظر بركات إلى قدميه وأجاب: “منذ حوالي سنتين.”

 “هل ستعود لتخدم في الجيش؟” سأل الشيخ.

 “لا، أقسم، أريد الانتهاء من الجيش والقتال.”

 “هل ستنضم إلينا؟”

 “لا أستطيع، يا شيخ، أريد فقط أن أذهب إلى بيتي. لقد اكتفيت.”

 اغرورقت عينا بركات بالدموع. حدق بنظره إلى الأمام، فاعلاً كل ما بوسعه ليحافظ على رباطة جأشه. عندها جاء السؤال الذي حطمه.

 “متى كانت آخر مرة رأيت فيها زوجتك؟” سأل عمر. قال بركات كلماته بصعوبة “منذ خمسة أشهر” قبل أن يتملّكه الأسى. بينما بكى مغطياً وجهه بيديه، أحضر له أحد الثوار ماءاً ومنديلاً.

 “يمكنك أن تذهب إليهم وتراهم ،” قال الشيخ.

 “بارك الله بكم جميعاً،” قال بركات ماسحاً دموعه. “مائة سلام.”

 “هل يمكنكم أن تأخذوني إلى قريتي؟” أثار سؤاله ضحكات الثوار الخمسة الذين كانوا يجلسون بجواره. يقع منزل عائلة بركات في وسط المنطقة العلوية، قرب اللاذقية على الساحل.

 “سنوصلك إلى الريف ثم يمكنك أن تكمل طريقك لوحدك من هناك،” أجاب عمر.

 “لا تجري الأمورا دائماً على هذا النحو في مناطق أخرى،” قال عمر بعد أن ذهب بركات. “لكنهم رجال من الجيش ويجب أن نعاملهم بشكل جيد. يجب علينا أن نريهم أننا أفضل مما كانوا عليه.”

 “آملاَ أن تقود هذه الخطوة الصغيرة إلى ما هو أفضل . ولكنني لست متأكداً أن ذلك سيحدث.”

 المصدر:

The Guardian

Anger, tears, and forgiveness as Syrian rebel and his prisoner share their fears

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s