داخل الثورة السورية الممزّقة

سارة بيرك Sarah Birke, كاتي بول Katte Paul

30 آب/ أغسطس 2012

 Abu Issa_490b

جبل الزاوية – سوربا

لا يبدو مبنى البلدية الخالي من كل ألق ملائماً في بساطته لمنزلة ملك، إذ عجّت جدرانه الجصية بالطلاء الأسود كشاهد على حروب الغرافيتي (فن الرسم على الجدران) الدائرة بين مؤيديي النظام (“الأسد أو نحرق البلد!”) والمعارضة (“ارحل يا بشار”). بدا لنا جلياً أننا في حضرة أحد القادة بمجرد أن دلف رجل يرتدي بزة خضراء خاكية اللون مكوية بعناية فخيّم إثر دخوله صمت على الرجال المتحلّقين يدردشون في الغرفة. تم إخلاء المقعد الجلدي القابع وراء طاولة المكتب بكل سلاسة. مرافقٌ ذو بنية ضخمة، يبدو أنه أحد حراسه الشخصيين، سحب الكرسي باتجاه الباب فيما أسند سلاحه الأمريكي الصنع على ركبتيه في مشهد مغاير لما اعتدنا رؤيته من أسلحة الكلاشنيكوف المعلّقة على الأكتاف طوال الأيام القليلة الماضية.

جلسنا  منتظرين لمدة ساعتين في “سرجة”، وهي قرية تقع على أطراف جبال منطقة جبل الزاوية في محافظة إدلب شمالي غربي سوريا، وقد كدنا نفقد الأمل عندما ظهر أحمد أبو عيسى- قائد كتيبة صقور الشام (حيث الشام تشير هنا إلى سوريا الكبرى وليس فقط إلى دمشق).  أدار الرجل ذو الأربعين عاماً الرؤوس حال دخوله،  بشعره الكثيف وعينيه الرماديتين الخاليتين من أي انفعال. كان قراب المسدس الجلدي مشدودا عبر منكبيه العريضين بينما هبّت منه رائحة عطر خفيفة. حجر فيروزي ضخم زيّن خاتماً في اصبع يده اليمنى بشكل بدا واضحا للعيان حينما شبك يديه فوق الطاولة.

يُعَد أبو عيسى واحداً من أكثر الرجال نفوذاً في المنطقة -وهو يعي ذلك- كونه يترأس مجموعة قوامها نحو أربعة آلاف مقاتل تعمل خارج سرجة. في غضون دقيقتين من لحظة وصولنا شرعت شبكة الاستخبارات بالعمل إذ جاءنا شاب مراهق يحمل سلاحا للإستفسار عن طبيعة زيارتنا. في أماكن أخرى مجاورة لمنطقته، يدير أبو عيسى ثلاثة مشافي ميدانية ومحكمة تستند على قوانين الشريعة الإسلامية بالإضافة لسجن. (كان قد رفض أن يطلعنا على السجن، لكن لقطات مصوّرة على اليوتيوب كشفت لنا في وقت لاحق الجانب القاسي من شخصيته: لقد جرى تجميع بعض الأسرى وإرسالهم في سيارات مفخخة ليتم تفجيرها عند نقاط التفتيش التابعة للجيش). إن دوافعه الحالية، كما يقول لنا، هي نفسها كالتي لدى الجماعات الثورية الأخرى، أي الإطاحة بالأسد. لكنه على المدى البعيد يريد دولة إسلامية: “ليست كما يفهمها الغرب، إنما دولة إسلامية وسطية”.

لا يتأتّى مصدر قوّته من براعة عسكرية ولا من حظوة محلية, وإنما من مجموعة متميزة من السمات الشخصية. يمتلك أبو عيسى شخصية كاريزماتية جاذبة على نحو كبير: فهو صاحب أسلوب خطابة بليغ لا تشوبه في لغته العربية الفصيحة أية شائبة، كما وأنه عند معالجة قضايا يراها غير سارة، تراه يقوم وفق عادة مثيرة للأعصاب بلَوي طرف من شفته الفوقية نحو الأعلى فيما يشبه الزمجرة. ويضيف “إن مقاتلي الثورة اصطفوا إلى جانبه بحكم نظرته الثاقبة ولكوْن “السوريين بحاجة لمن يقودهم”.  ومثله مثل كثير من رجالات فرقته، ثمة حسابات شخصية مع عائلة الأسد تدفعه لإسقاطه. إذ قُتِل والده في سجن تدمر سيء السمعة خلال الثمانينيات، كما أنه هو نفسه قضى فترة في السجن سنة 2003 كون النظام لم يرضَ كثيرا عن دراساته الشرعية ولا عن عمله التطوعي في التوسط لحل النزاعات بين العائلات المحلية. ستة عشر شخصاً من أقاربه لقوا حتفهم في النزاع الدائر، بينهم شقيقان بالإضافة إلى ابنه ذي الستة عشر ربيعاً (حيث اصطبغ من بعدها حديثه بلهجة دينية على نحو أكثر علنية).

كما بواسطة نفوذ المرء وسلطانه، فالمال والسلاح يساعدان أيضا على كسب الأتباع. بدا خجولا حين سئل كيف لعالم دين من بلدة صغيرة أن يجمّع قوة عسكرية تتحدي الجيش, فأجاب بابتسامة ماكرة، “الحاجة أم الاختراع.”  في الواقع  إن الأداء البطولي الواضح في الفيديوهات جعل من اسم صقور الشام متداولاً في المنتديات خارج البلاد كما التمويل من قبل أنصارهم في الخليج. أصبحت سرجة نقطة ساخنة لتمويل المتظاهرين خلال رمضان من هذا العام.

إن هذا الدعم يضعه في موقع أفضل من باقي الكتائب المقاتلة. كما يسمح له وبكل يسر رفض الخضوع لمؤسسات المعارضة المتخبطة التي لا تحصى- الجيش السوري الحر، المجلس الوطني السوري، الأخوان المسلمين- والذين قد يرغبون بفرض آرائهم على مخططاته. على الرغم من هذه الاستقلالية، يصرّح أبو عيسى بأنه لن يقاتل من أجل فرض رؤيته في سوريا: ” حقل العمل السياسي ليس سوى سوق يعرض فيه الجميع بضاعتهم الخاصة” ثم تابع قائلاً: ” ولأن بضاعتي نظيفة فسيأتي الناس إليّ”. لكن لروح التعاون تلك حدود، ففي اللحظة التي يُسعى فيها “لإغلاق دكاني”، بحسب تعبيره، “سيكون السيف هو الحكم.”

مهما يكن الحال، للأفضل كان أو للأسوأ، يبقى وصول أبو عيسى إلى مرتبة زعيم دون منازع لدويلة مزدهرة نموذجا يتكرر في سائر أنحاء البلاد.  فمع انحسار نفوذ نظام الأسد، لا تتسرّب السلطة إلى قبضة معارضة واحدة موّحدة، بل إلى عدد من عدة قادة من الثوار المحليين. ففي جبل الزاوية وحدها، وهي منطقة تعدادها 300,000 نسمة فقط، توجد جماعتان رئيسيتان من المقاتلين، وثمة واحدة ثالثة في طور التشكّل، فضلا عن ما تيسّر لنا الاستدلال عليه من مجموعات أصغر تنضوي تحت مظلات أخرى أكبر منها. لقد غدت العديد من جماعات المعارضة الوطنية، الشكلية أكثر منها مؤسساتية في أحوال كثيرة، معروفة جيداً على الساحة الدولية بينما هي في الواقع ذات تأثير يكاد يكون معدوما على الأرض.

طبعا، يبدو ذلك على نحو ما، طبيبعي تماماً. فبعدما حُكموا من قبل رجل قوي واحد زهاء أكثر من أربعين عاماً، بات لكل مواطن سوري- انطلاقا من السهول الجنوبية لدرعا وصولا إلى امتدادات المنطقة الشرقية في دير الزور- تصوره الخاص لما يجب أن تكون عليه البلاد؛ لقد تكوّن لدى كل واحد منهم طموحه الشخصي العازم على أن تكون له مهمة خاصة توكل له وحده. ولكن حين يتفرّد كل شخص بمطلبه الشخصي من أرض يمتلكها، ومعه مبتغاه الشخصي من سلطة يستحوذ عليها، يصبح من الصعب التخيّل أن يكون السوريون قادرين على (أو في حالات أخرى، راغبين في) إعادة استثمار تلك القوة في إطار سلطة مركزية.

AssadTrample

إن القمم الوعرة والأغوار الوادعة لجبل الزاوية ليست سوى جنة مخفية تُحتضن فيها نحو ثلاثين بلدة وقرية صغيرة بين بساتين الفاكهة الريّانة، الأمر الذي طالما سمح للرجال والنساء بالعيش بعيداً عن السهول. مآذنُ بأضواء خُضرٍ ترتفع عاليا في السماء الزرقاء فيما النسائم الباردة تحمل معها ثرثرة النساء والأطفال الصادرة من شرفات المنازل الإسمنتية البسيطة. ما من مكان آخر مثل هذه التلال المعزولة يعّبر بصدق عن الصيت الذائع لمحافظة إدلب المسماة ب “المنطقة المنسية”. ترك التاريخ بصماته على سوريا عبر تناثر المواقع الرومانية والقلاع الصليبية، ولكن مع شح المعالم الأثرية ههنا، فالفلوكلور والتاريخ الشفوي وحده ما يحدد هوية المنطقة. أما اليوم فلا وجود لموضوع أكثر محورية لهذا التاريخ من جرائم النظام.

يرجع تاريخ العداء مع الأسد في هذه المنطقة المتّسقة من ناحية تكوينها السني إلى اليوم الأول لوصول حافظ الأسد إلى السلطة؛ يقول القاطنون أنهم قذفوا الرئيس بالطماطم أثناء زيارة له إلى هنا في بدايات أيام حكمه.
والحال أن ذلك لم يلق قبولاً حسناُ مما انعكس على سكان المنطقة منذ ذلك الحين. تكثفت مشاعر الضغينة حدة في العقود التي تلت عندما عمد النظام إلى قمع ثورة قادها الأخوان المسلمين خلال سبعينات وثمانينات القرن الفائت.

فقد اكتسب ذلك الحراك في حينها دعم السكان المتدينين في إدلب، رغم تأكيد الأهالي بالقول أن وجودهم في منطقة جبل الزاوية كان ضعيفاً على الدوام، شأنه في ذلك شأن أي دخيل يسعى لإيجاد موطئ قدم له في الجبال. لكن الرجال في سرجة يروون قصصا عن اختطاف الآباء من مزارعهم واختفائهم في السجون، لا لشئ إلا لأن يُنظر إلى لحاهم الطويلة على أنها جريمة تستوجب العقوبة. فيما بعد قامت المؤسسات الحكومية بتوسيع وجودها البسيط في المنطقة. أما بالنسبة للشباب الأكثر تنوّراً فقليل منهم تجرأ وخرج ليلتحق بالجامعة.

كما هي الهوية الجمعية لأي مكان، فبعض هذه المناطق يطابق المخّيلة في حقيقته، إذ يمكن سريعا إعادة تصوّرها مع تكشّف الأحداث التي شهدها العام الماضي. في الحقيقة فقد رحّب العديد من الأهالي بالعمل في قوى الأمن التابعة لنظام الأسد، كما رحبوا بالإصلاح الزراعي البعثي و أيضا بإمكانية الحصول على قروض مكّنت كل شخص من امتلاك بستان خاص به (حتى يومنا هذا تمتلك إدلب أعلى نسبة سكان في المناطق الريفية من بين كافة المحافظات السورية الأربع عشرة). ولكن عقداً زمنيا من الإصلاحات الإقتصادية  ألغى هذا العقد الإجتماعي المبرم، فكان أهالي إدلب من أوائل من خرج للتظاهر في شهر أذار من سنة 2011، تلك التظاهرات التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. وحين ردّ النظام بهجومه العنيف عليهم، كان رجال إدلب من بين أوائل من حمل السلاح. “كلنا كان يملك السلاح على أية حال، فما عسانا أن نفعل غير ذلك؟” سألتنا إمرأة وهي تهز كتفيها بلا مبالاة.

في جبل الزاوية، تقريباً كما في جل الأماكن الثانية في سوريا، تقوم الكتائب المحلية- وليس النشطاء ولا مؤسسات المعارضة المستقرة في الخارج- بقيادة المفاعيل السياسية للبلاد. تسبب هجوم شنّته “صقور الشام” التابعة لأبو عيسى بالاشتراك مع اثنتين من المجموعات الأخرى بإنهاء وقف إطلاق النار (المتداعي أصلا) والمطبّق بوساطة الأمم المتحدة عندما قاموا بالهجوم والاستيلاء على نقطتي تفتيش تابعتين للجيش في كل من قريتي المغارة ومرعيان وذلك في 28 من شهر أيار/مايو. بحلول الأول من شهر حزيران/يونيو، أُجبِر رياض الأسعد، القائد الإسمي للجيش الحر- الذي شدّدت كافة المجموعات المقاتلة في جبل الزاوية على عدم تبعيتها له- أُجبر على الإقرار بأن الثوار قد تبرأوا من اتفاق الهدنة.

بالتزامن مع زيارتنا في بداية شهر آب/أغسطس، كان الثوار قد انتهوا لتوّهم مما بدأوه في تلك الليلة المعتدلة من أيار/مايو. ومع اقتراب نهاية شهر تموز/يوليو شنّوا هجوما مدمرا جديدا قضى على 18 من أصل 30 حاجزا تابعا للجيش فيما بدا كنقاط علام خربة منتشرة فوق الأرض. لا يوجد اليوم سوى عدد ضئيل من مواقع الجيش العسكرية في منطقة جبل الزاوية، فيما لا تزال تنتشر المئات من الدبابات على أطرافها. خلال زيارتنا كان هدير إطلاق النار ودوي التفجيرات يرتد صداه عبر التلال في الوقت الذي قام فيه جنود النظام عند أحد حواجز بلدة الرامي بإطلاق القذائف على القرى المجاورة. لكن على الأرض، كانت السيطرة لصالح الثوار.

لم يعد من الممكن الآن دفع إدلب في اتجاه واحد فقط. فقُرى جبل الزاوية تقع على تقاطع الطرق الرئيسية التي يعتمد عليها النظام: وهي الطريق السريع الواصل بين الشمال والجنوب الذي يربط العاصمة دمشق بمدينة حلب، ثاني أكبر المدن السورية، والطريق الآخر الواصل بين الشرق والغرب وصولا إلى ساحل المتوسط ومدينة اللاذقية، مسقط رأس عائلة آل الأسد. هذا قد جعل من المستحيل على الجيش أن يتحرك على الأرض من دون تلقي خسائر في الأرواح والعتاد، إذ فخّخ الثوار كلا الطريقين الرئيسيين بمتفجرات زُرعت كيفما اتفق. ولديهم اليوم مخطط طموح يقضي إلى دفع قوات النظام خارج سائر محافظة إدلب حتى يتمكنوا من توزيع الأسلحة المهربة عبر تركيا و تسهيل اجتماع قادة الكتائب بشكل أكثر علنية.

إن هذه المنطقة هي ذاتها التي فكر خصوم الأسد، خصوصاُ الدول الغربية منها وتركيا، في إقامة منطقة عازلة آمنة فيها. إنما كان يردعهم ذلك الانقسام في صفوف السوريين حيال التدخل الأجنبي فضلا عن تخوّف الغرب من التورط في مستنقع إقليمي تتطور فيه الحرب الأهلية إلى معركة بالوكالة بين مؤيدي الأسد الخارجيين من جهة وخصومه من جهة أخرى. غير أنه من الممكن في الوقت القريب أن يغدو الوضع بمثابة حكم الأمر الواقع إذ شرعت القوى المحلية الأخرى- بما فيها أمراء الحرب كأبو عيسى وداعميه الماليين من الخليج العربي- ببناء مناطق عازلة آمنة خاصة بها. والنتيجة هي معارضة سورية مستمرة في التصدع في ظل تعمق النزعة العسكرية.

بعد التركيز على مساعي توحيد المجالس المتواجدة خارج سوريا، تحولت مؤخراً القوى الغربية وشركاؤها إلى تعزيز دور المؤسسات المدنية في الداخل وتوفير المساعدات غير الفتاكة لها من أجل المساهمة في إنشاء نظام ديموقراطي جديد. لكن الوضع السياسي الراهن في سوريا قد تبدّل. إذ بات القادة الثوريون الموجودون على أرض الواقع هم أصحاب السلطة الحقيقية في سوريا.

 Maarouf2

تبدأ منطقة أبو معروف حيث تنتهي منطقة أبو عيسى، باستثناء بضعة قرى، حيث تتعايش المجموعتان سوية دون مشاكل تذكر. قمنا بتتبع ثاني أمراء الحرب المسيطرين على جبل الزاوية في منزله في دير سنبل، حيث مجموعة من البيوت المتلاصقة بين الأشجار الريفية يركض حولها أطفال حفاة بثيابهم الرثة. أما مقاتليه المتسكعين في المكان فلديهم سحر ريفي بسيط لا ينبغي أن يُخلط بينه وبين الافتقار للكفاءة. يعرض أحد مساعديه قائمة مطبوعة بتفاصيل جميع أعضاء كتيبة شهداء جبل الزاوية، المعروفة الآن بكتيبة شهداء سوريا، والتي تضم أيضاً الأرقام التسلسلية للأسلحة التي كانوا يحملونها.

كما هو الحال مع أبو عيسى، تعتمد منظومة الإدارة التي يتبعّها جمال على شكل تقريبي من الإستحقاقراطية (وهو نظام تُسند فيه التكليفات والمسؤوليات إلى الأفراد على أساس مقدرتهم واستحقاقهم)، بمقاتلين يصغرون سنه الأربعيني. يروي رجاله برهبة كيف نظّم جمال تظاهرات ضخمة، ثم حمل السلاح وواجه الجيش عند أول محاولاتهم لدخول جبل الزاوية. إن السكان، وتحديدا النساء اللواتي تقلص دورهن بعد عسكرة الثورة، ليس لهن كثير قول فيمن له أن يتحكم بمنطقتهن، لكنهن على ذلك مساندات بشكل كبير، إذا كانت تلك على الأقل رغبة أزواجهن وإخوانهن وأبنائهن.

بجسده الأسمر القوي وعينيه الحالمتين، ينضح جمال بالهدوء الواثق بالنفس لرجلٍ ليس مطلوبا منه أن يثبت لك شيئاً. يرتدي الرجل بزةً عسكرية ونعلاً جلدياً ويتكلم بهدوء إنما بحزم.
فوق وسائد مفروشة على الأرض يجلس في غرفة خالية من كل زينة إلا من زهور قماشية على الخزانة، فيما رجاله من حوله متيقظون يصغون بانتباه وينفذون فور أن يُصدر أوامره. أسماء الكتائب التي يقودها تشي بالقيَم التي يحملها، فهي تعود على رموز وطنية لا دينية. يعلن أنه يريد دولة ديموقراطية حيث المؤسسات لا تُنتهك سيادتها كما كان حالها إبان عهد آل الأسد. ويشرح أنه يعمل بالتعاون مع تجمّع قيادات ثورية جديدة، هو مجلس إدلب العسكري، “لأنني لا أريد الفوضى.” بحسب تعبيره. وفي ظل غياب دعم خارجي عليه أن يكونَ متعاونا حتى يضمن تمويلا من المجلس، ذلك التمويل الذي يمنح بعضه لعائلات رجاله من أجل مساعدتهم على تغطية النفقات.

في ظهيرة أحد الأيام، أخذنا إلى ما كان في يوم من الأيام مدرسة، وبمحاذاة مخازن السلاح التي غنموها من هجماتهم على الحواجز كان يجري احتجاز ثلاثة عشر أسيراً. طلبنا أن نقابلهم كلّاً على حدى، وعلى عكس أبو عيسى، ردّ بالموافقة. بعضهم سيتم مبادلته بالمال أو بمقاتلين يعتقلهم النظام. رجل آخر غادر مؤخراً نقطته الأمنية  في دمشق قال أنه مُحتجز ريثما يتأكد رجال معروف من صحّة انشقاقه؛ وهو يتوقع أن يتم إطلاق سراحه في اليوم التالي. سجين آخر غاضب من احتجازهم له وصفهم بالإرهابيين. عناصر الكتيبة يدحضون ذلك. وائل، الشرطي السابق، يدّعي أنه سوف يحقق مع المعتقلين قبل تقرير مصيرهم. لا يحمل أيٌّ من المحتجزين آثار تعذيب.

بمؤسساتهم الصارمة التأسيس، يسيطر أبو عيسى وجمال معروف على مناطق فسيحة من جبل الزاوية وما بعدها، لكن سيطرتهم تلك لم تمنع قادة مسلحين آخرين من أن يقتطعوا رقعاً صغيرة من الأرض يختصونها لأنفسهم. بعضهم مجرّد صِبية لديهم صفحة على الفيسبوك أسموا شارعاً ما على اسمهم، والبعض الآخر مجموعة من مقاتلين محترفين منشقين يسيطرون على قرية من القرى. الانتماءات فضفاضة والأيديولوجيات غير مستقرة. الاشتراك بالإسم الواحد هو في العادة ذو دلالة رمزية لإظهار الوحدة وليس دليلاً على ارتباط رسمي ما. عدد المتحمسين دينيا والسلفيين آخذ في الازدياد، لكن بعضهم يركّز على اجتذاب التمويلات (وهم لا يزالون يصافحون النساء بينما يشرحون كم أنهم سلفيون)؛ ثم أخيرا هناك الآخرون ممن يتبعون أيديولوجيات علمانية.

يتفاخر الرجال بأنه ما من مشكلة في انتشار مجموعات عديدة لأن الجميع “يد واحدة” في “سوريا الحرة” كما يقول قادة الثوار. إن الهجمات المشتركة، سماء كانت منسّقة أم كانت في نطاق عمليات يتدخل فيها ثوار ما لنجدة آخرين، جعلت من وحدات جبل الزاوية أشد قوةً عنه فيما لو كانت تعمل بشكل منفرد. مع هذا وذاك لا بد للاختلافات أن تظهر.

يبدو واضحا من النظرة الأولى أن علي بكران، المتزعم مع إخوته لثالث أكبر مجموعة في المنطقة، مختلف عن نظيرَيه سالفَي الذكر. في اجتماعنا الأول معه كان يرتدي بدلة رسمية فبدا الرجل ابن الاثنين وثلاثين عاما كسياسي أكثر منه كثائر. في مقره الرئيسي في مبنى بلدية مرعيان الرث، وهو بالمناسبة أكثر مبنى انتشرت عليه رسومات الجرافيتي، بدا جلياً أن كتيبته المسماة بكتيبة “القصاص” لا تزال في طور التأسيس. عند بعض الحواجز الأمنية التابعة للثوار يحدّق الرجال باندهاش حالما يذكرُ بكران اسم كتيبته، يقول علي أن المجموعة تأسست هذا العام ولاتضم حتى الآن أكثر من مئة رجل. جلّ وقتهم الذي يصرفونه في التحدث على أجهزة اللاسلكي يمضونه في تتبع إحدى السيارتين اللتين تملكهما المجموعة، وفي أوقات أخرى، بالتسلية (أحد عناصر المجموعة يستخدم “بن لادن، بن لادن” كاسم حركي له. في وقت لاحق ذهبنا لمقابلة “بن لادن” المرح هذا مطمأنين تماما لعدم كونه إرهابيا إذ كان بقية العناصر ينفجرون ضاحكين.)

تمثل عائلة بكران مصدراً آخر لقادة الثورة المتنامين عددا: أي النشطاء الذين تحولوا إلى ثوار مسلحين. عند بداية الثورة في شهر آذار/مارس من عام 2011 تحوّل أفراد العائلة إلى نشطاء في الحراك المدني من جهة تنظيم المظاهرات، وتنسيق الاتصال بالمعارضة المنفية في الخارج، وترتيب خدمات جمع الطعام وتنظيف الشوارع، كل ذلك بالتوازي مع تنامي المقاومة المسلحة. ولكن بتصاعد عنف النظام وبعدما أصبح المسلحون هم من يتزعمون الحراك، تحول بعض قادة المظاهرات إلى مقاتلين. ثم من خلال اجتذاب المزيد من أبناء مرعيان و إحسم المجاورة تمكن علي من زرع فرقته العسكرية بين سكان القرية.

يثق رجال علي أن مهمتهم تنقضي بإسقاط النظام. “عندها سأرمي سلاحي جانبا، وأدلي بصوتي في الانتخابات، ثم أعود إلى حياتي السابقة” يقول ابراهيم صانع الأحذية ابن الـ35 عاماً والذي أصبح عنصراً في كتيبة القصاص. الشكوك حول عدم اتفاق الآخرين على فعل الشئ ذاته  يؤدي إلى انعدام الثقة ويثير تنافساً محموماً كما النار تحت الرماد. يعلم رجال عائلة بكران أنه من الصعب منافسة مجموعات أكبر عددا وأكثر تمويلاً. لقد شهدنا لحظات من التوتر في مركزهم الإعلامي عندما فقدت الكتبية أربعة رجال في هجوم على أريحا. يصرخ أحمد، شقيق علي،: “نحن بحاجة للسلاح! نحن بحاجة للمال!”. “لا يمكننا تحمل خسارة رجالنا على هذا الشكل؟.” يبدأون بعدها في إجراء اتصالات لجوجة على برنامج سكايب Skype ويمارسون الضغط على الصحفيين الزائرين كيما “يتبرعوا” للمجموعة.

إنه لما يثير الحنق أيضا هو ذلك الميل الزائد إلى التديّن عند بعض المقاتلين، فمنه ما يرجع لإيمان حقيقي في بعض الحالات، لكن منه في حالات أخرى ما يهدف لاستدراج تمويل المتبرعين الخليجيين المتدينين. بعض السكان المحليين يحاولون ثَنينا عن مقابلة أبو عيسى. “إنهم إسلاميون يموّلهم الإخوان المسلمين” كما يحذرنا أحدهم. يختلق مرشدونا كافة أنواع الأعذار حتى لا نذهب إلى قرية سرجة: أبو عيسى يتنقل، الوضع خطير جداً، توجد حواجز أمنية حكومية على الطريق الوحيد المؤدي إلى هناك، المكان بعيد جداً. يُبدون توتراً ملحوظا حينما نصل بينما يلهثون بالمديح حالما نغادر (“رائع، رائع! إنه رجل عظيم!”)، وكأنهم يخشون أن يسمعهم أبو عيسى يقولون غير ذلك.

 WeaponsClassroom

 لا يمتلك قادة الثوار في جبل الزاوية أية طائرات مقاتلة أو صواريخ كي يتصدوا للنظام، ولكن بامكانهم على الرغم من ذلك أن يبرزوا أكثر منه وأن يصبحوا أفضل منه تآلفاً مع العالم الخارجي. فهم بتكبيدهم النظام كلفاً عالية لقاء المحافطة على مناطقه المعزولة واستخدامه للطرق السريعة، قد بدأوا بتشكيل نسختهم الخاصة من المناطق الآمنة التي يتحدث عنها الجميع. إن الغارات الجوية التي شنها النظام بقساوة على سرجة ودير سنبل في شهر آب/أغسطس، أصبحت تثير الرعب، بيد أن سماء تلك المناطق لم تعد آمنة كما في السابق بسبب المدافع المضادة للطيران التي سيطر عليها الثوار. وذلك قد يعطيهم مع مرور الزمن القوة الكافية لطرد الجيش النظامي من مدن إدلب وأريحا، مما سيسهّل عليهم التحكم في طرق رئيسية.

الأكثر أهمية هو أن ثوار جبل الزاوية يُبدون بعدَ نظر حيال تركيبة القوى الناشئة في سوريا مع تقلّص نظام بشار الأسد. إذ تلتف الكتائب حاليا حول هدف واحد يتمثل في تخليص البلاد من الأسد والنضال في سبيل ألا يتشبّهوا في سلوكهم بنظام حكمه، غير أن بذور الصراع يتم زراعتها، مدعّمة بالحسابات الجيوسياسية  المتشكلة. فبدلا من العمل على بناء دولة موحّدة كتلك التي حلم بها المتظاهرون يوما، يقوم كل واحد من أمراء الحرب بالسيطرة على قطعة أرض لنفسه فارضا رؤيته في أرجائها، إنما من دون قطع التعاون العسكري فيما بينهم. يعمل معروف على تشكيل جهاز شرطة بمرجعية تتبع القوانين السورية الوطنية. في المقابل يقوم أبو عيسى بتأسيس إقطاعه الخاص على مبادئ دينية. أما علي بكران، بأهدافه الأكثر ملامسة لمطالب المتظاهرين الأولى، فلا يزال، على الأقل حتى هذه اللحظة، متأخرا عنهم.

لا شك أن تغييرات عديدة ستحدث على مستوى القيادات في أنحاء سوريا طالما أن المقاتلين ينتقلون إلى الكتائب الأقوى، وطالما أن المجموعات تتحد أو تنقسم، وطالما يموت الرجال في أرض المعركة. في هذه الأثناء، يبدأ الاختبارالحقيقي في الجبال. بينما تحتدم معركة الثوار لانتزاع القوة من نظام لا يلين وفيما تتضاعف أعداد المليشيات على الطرفين، فعلى الثوار أن يقرروا إما أن يتمسكوا بالهدف المشترك أو أن يسمحوا للوضع بين الأطراف المتكاثرة يوماً بعد يوم أن يتفاقم.

إن هذه الخيارات سوف تحدد بشكل كبير مصير الثورة السورية. إنها قضية لقيَ في سبيلها أكثر من 20,000 سوري حتفه، ولسوف يموت بعدهم المزيد، قضية سيسقط فيها قادة وسيُصنع من بعدهم قادة جدد. ” لم يكن أبو عيسى معروفاً لأحد خارج حدود قريته في السابق.” يقول لنا أحمد، مسؤوله الإعلامي. “لكن الثورة، تغيّر الأمور.”

المصدر

Inside Syria’s Fracturing Rebellion

The New Republic

One response to “داخل الثورة السورية الممزّقة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s