الفن في ثورة سوريا – “نحن السوريون نقود أنفسنا بأنفسنا”

من زافين يوسف، بدون عنوان، دمشق 2012

هل كان يمكن للثورة السورية أن تنطلق بدون فن؟ بدون الكتابات على الجدران؟ بالتأكيد لا، فالثورة بدأت بهذه الكتابات. في هذه الأثناء يكشف معرض برليني النقاب عن الإنجازات الفنيّة للثوّار. تحضر الحريّة في الكثير من الأعمال، مع قليل من الرثاء والكثير من الفكاهة والسخرية.

لم يعِ الفنان أحمد رمضان ما الذي جرى له. في طرطوس، وهي مدينة سورية على ساحل البحر المتوسط، تم إيقاف سيّارته من قبل رجال مدجّجين بالسلاح وتم ترحيله بعدها مع صديقته الألمانية إلى سجن أمن الدولة بدمشق. “وضعوا كيساً على رأسي. رأيت في زنزانتي حبالاً معقودةً، كانت بالتأكيد مخصّصةً للتعذيب. لقد لاحظت أن البقع البنية على الحيطان هي أجزاءُ لحمٍ انسلخت عن أجساد من سُجن قبلي في هذه الزنزانة”. بعد هذا الكلام يصف أحمد الشخصَ الذي استجوبه بـ “الشيطان المتجسّد في بشر”.

سُمح بعدها لأحمد رمضان أن يغادر إلى ألمانيا – لكن ظلّت الكوابيس تلاحقه كل ليلة. إحدى قطعه الفنية: لوحة من الفن التجريدي مع بقع رمادية، سوداء وبلون الصدأ ورشات حمراء على خلفية بيضاء واسعة: “أردت تصوير الخوف، شيئاً ما يظهر كالانفجار. المساحات البيضاء تعكس الفراغ واللاقوة في هذه اللحظات”، بحسب رمضان، وهو شابٌ طويل القامة، نحيفٌ بنيُّ العينين مع شعر مجعّد غامق له من العمر 24 عاماً.

لوحاته موجودة في معرض (فوروم فاكتوري) البرليني، بالقرب من “نقطة تفتيش تشارلي”. ويضم المعرض الذي يستمر حتى غاية 19 آب/أغسطس لوحاتٍ لحوالي خمسين فناناً سورياً، عروضاً لأفلام وفنون انترنت، صوراً وكاريكاتور. في المعرض روح الفن الثائر: فتيّ، وقح أيضاً وقبل كل هذا حيّ. الأعمال الفنية تبدو جديدة وطازجة وكأن حبرها لم يجفّ بعد، وكأن آخر لمسة فيها لم تُعمل بعد.

جابر العظمة، المتحدة، 2012، طباعة على ورق القطن

“قد أدركنا سلفاً، أنه سيأتي دور الثورة السورية بعد الثورتين التونسية والمصرية”، يقول أحد الفنانين المشاركين، والذي رفض الإفصاح عن اسمه – خوفاً على عائلته، التي ما تزال تعيش في سوريا. “ظنّنا أننا سنضحك من الفكرة القديمة التي تقول أن حزب البعث يقود الشعب. وقلنا لأنفسنا: سنقلب موازين الأمور، فلسنا بحاجة لحزب ولا لنُخَب. نحن السوريون ببساطة: نقود أنفسنا بأنفسنا.”

وهكذا يطالع المرء صوراً لكل اصطفاف دبكة ثورية سورية تنشأ عفوياً في الشوارع. ولكنك تطالع أيضاً اصطفافات رقص لدى المتظاهرين، والتي قد تتطور لما يسميه الثوّار “تسونامي الحرية”.

في سوريا كان التصوير لفترة طويلة من المحرمّات حتى في الأوساط الفنية. وليس منذ زمن بعيد، سًمح بالمعارض في أماكن محددة وبعد أخذ موافقات أمنية وبالتأكيد تحت رقابة الشرطة السرية السورية.

صورة مجموعة الانترنت “الشعب السوري عارف طريقه”، التي تتألف من مدوّنين ومصمّمي صور وناشطين مختلفين

يبدو فن الثورة وكأنه قد انفجر ليقود الثورة. فهناك فن انترنت خفيف الدم، عفوي لمجموعة تطلق على نفسها “الشعب السوري عارف طريقه”. تديرها مجموعة مدوّنين، ناشطين ومصمّمين. وقد منحت لجنة تحكيم آرز إليكترونيكا في لينز هذه المجموعة جائزة نِكا. اسم المجموعة هو برنامج عمل. ما يعني أن الشعب السوري يعرف أن هو مكمن مشاكله، ويستطيع بنفسه أخذ زمام الأمور لحلّها من غير أي تدخّل خارجي.
هل كان يمكن للثورة السورية أن تنطلق بدون فن؟ يمكن للمرء أن يطرح هكذا سؤال. فقد بدأت في آذار/مارس 2011 برسومات فتيان في مدينة درعا على الحدود الجنوبية. وفي نهاية المطاف بدء التواصل عبر الانترنت. وفي ربيع هذه الثورة، حينما كانت الأمور هادئة في دمشق وحلب كانت هناك حركات ثورية. فقد دحرج ناشطون العديد من الكرات البيضاء الصغيرة “من لعبة كرة الطاولة” في الشوارع وكانوا قد كتبوا عليها كلماتٍ من مثل “حرية” و”ثورة”. وقد سعى وقتها عناصر المخابرات بحدة لجمع هذه الكرات من الشوارع.

مجموعة الانترنت “الشعب السوري عارف طريقه”: “حريتك في عصيانك”

انتشرت على شبكة الانترنت ايضاً أفلام مصورةٌ بواسطة الهواتف المحمولة، حيث يظهر أناس بجانب نوافير ماء، يتحول الماء فجأة فيها إلى اللون الأحمر – لأن أحدهم وضع صباغاً أحمر في الماء في إشارة إلى نزيف الدم الحاصل بسبب النظام. كما عمل المدوّنون والمصمّمون على إيجاد لوحات طرقية جديدة، تشير إلى الطريق، إلى مجتمع جديد، فتقرأ على إحداها:  “قف! أيها المناصر للأسد. عذراً لإزعاجك. نحن نعمل على تحريرك حالياً”.
لا يمكن للمرء أن يفنّد حسنات فن سوريا الحالي. كما أنه لا يمكن إنكار نجاح هذا الفن في أن يكون فريداً نوعاً ما في بعض طباعه. الفن في سوريا شريك الثورة، فقد وُلد توأماً لها في نفس اللحظة. وفقاً لسارتر فهو “فن ملتزم”. “لقد مضينا مع أبناء شعبنا في الشارع” يقول محمد الرومي، عميد الجمعية السورية للتصوير الفوتوغرافي المعاصر – ومقرها باريس، “لقد جلبنا الفن إلى الشارع، إلى حيث ظهر في البداية وإلى حيث انتماؤه”.

“الشعب السوري عارف طريقه”: أنا طالع اتظاهر

لا علاقة لهذه الأعمال الفنية بالمدارس الفنية الأوروبية أو الأمريكية. إنه مجرد تزاوج بين الفن والعمل، شيء يحلم به الكثيرون في أوروبا في القرون الأخيرة، بدءاً بالمستقبليين وانتهاء بالثامن والستيين.
يتحدث إرنست بلوخ عن فلسفة فن “شخصية الصدارة”، الفن الذي يقدّم ويبشّر لمستقبل أفضل. في سوريا يتم حالياً نسج خيوط المستقبل من قبل الثورة والفن على حدّ سواء. وهذا ما يتوق لفعله الفنانون الأوربيون.

يقول المصوّر الشاب زيّاد حمصي، الذي ترافقه كاميرته منذ وقت قصير على الطرقات: “كما هي الحياة، تحتاج الثورة لعين ثالثة، كاميرتي.  في هذه الأوضاع الصعبة كانت عيناي وكاميرتي هم أدواتي، اللاتي استطعت بواسطتهن تخزين لحظات حاسمة لأريهنّ لمن أحب.

صورة من “عدسة شاب حمصي”

مجموعة “عدسة شاب حمصي”، شباب مصورون من حمص، يعطون للأنقاض معانٍ وأحاسيس: فدمية على كومة ركام، ولد ينحني أمام بقايا صاروخ متفجّر، ويستخدمه كلعبة محبّبة سقطت من السماء.
يتم النظر إلى سوريا من قبل الإعلام الغربي بطريقة مشوّهة. “الناس ترى سوريا عبارة عن حرب مميتة بين معسكرين متحاربين”، يشرح ناشط. من جهة جيش النظام مقابل جهة أخرى هي ما يسمّى بالجيش السوري الحرّ، الذي تشكّل من الوحدات المنشقّة عن جيش الأسد.

يظهر السوريون على التلفاز كمقاتلين أو لاجئين. ويقدّم الشعب كله بهاتين الصورتين.

يهدف المعرض البرليني إلى وضع كل أطياف الشعب في دائرة الضوء. منذ عام 2003 ينشط أعضاء “الحراك السلمي السوري”  ضد النظام.
وتحت هذا العنوان يتّفق الفنانون المشاركون في معرض برلين على أنهم ليسوا جزءاً من الحرب. وكذا كان يرى نفسه المخرج باسل شحادة، الذي اغتيل قنصاً في أيار/ماي. تم عرض فيلم عن المخرج، كما تضمنت النشاطات معزوفات موسيقية وقراءات ونقاشات كما لو كنّا في مهرجان ثقافيّ سوريّ صغير.

علي كهف – الرسمة رقم 2 ، برلين 2009

هناك من لديه رؤىً سوداوية، يائسة راثية للحال. من بين أصحابها الرسّام علي كهف الذي انتقل لألمانيا قبل عشر سنوات، والذي رسم شكل رأس على هيئة قناع أفريقي أسود. فحرق بقعات بيضاء عليها، للدلالة على الخسارة، كما يقول، ولكنه يمكن أن يكون الأمل متموضعاً خلف الفراغات الجديدة.

وهكذا لا يدور الحدث في فوروم فاكتوري حول “حريّة الفن” المعروفة على نطاق واسع في الغرب؛ ولكن محور الحدث شيءٌ لم نسمع عنه من قبل: فنُّ الحريّة. لم يكن يوجد للآن فضاء مفتوح بين دمشق وحلب، يستطيع المواطنون عبره إيصال أصواتهم. ينبغي أن يُؤخذ أولاً. وهذا ما تقوم به الثورة بفرادة: الفن يهيّئ لنفسه الفضاء الذي يلعب فيه.

 

ياسر صافي، بدون موضوع، دمشق 2012

هل يمكن للمرء أن يستشعر شيئاً من هذه الولادة؟ روح الحرية تشعّ في كثير من الأعمال. المدهش في الأمر أنها تأتي مع القليل من الرثاء. في حين تطغى السخرية والدعابة على الكثير من المواضع. على الصفحة الأولى للدعوة تظهر صورة زجاجة دواء سعال، وهي إشارة إلى الرئيس الأسد، الذي سكر من تعاطي الدواء بكميات مفرطة: الرئيس المتعاطي للمخدارت. لكن الزجاجة ملقاة على جانبها، ويخرج منها العصير الذي يبدو على هيئة دم سميك ينتشر علىى سطح زجاجيّ.

هناك مجموعة غنائية، تطلق على نفسها اسم “الدب السوري” وهو حيوان موجودٌ فعلاً في الواقع. يتباطح هذا “الدب السوري” مع الأسد عن قصد. اسم الرئيس السوري يعني الأسد. “دبٌّ مقابل أسد”، يقول أحد أعضاء المجموعة، فضّل عدم الكشف عن اسمه. “سوف نرى ما الذي سيحدث”.

معرض الصور حول سوريا، فوروم فاكتوري، من 7-18 آب/اغسطس 2012 – شارع بيسيل 13، 10969 برلين

المصدر:

Süeddeutsche

Kunst im aufständischen Syrien – “Wir Syrer führen uns selbst”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s