من الذي دمر سوريا؟

بشار الأسد هو من فعل ذلك. ولكن المجتمع الدولي والإعلام زادوا الوضع سوءً

James Harkin جيمس هاركين

17  أبريل/ نيسان 2012

بعد أقل من أسبوع على وقف إطلاق النار في سوريا تحت رعاية الأمم المتحدة، تبدو الترتيبات مقلقلة نوعاً ما. لقد وعدت الحكومة السورية بسحب جيشها من المدن الرئيسية, ويبدو أنها الآن تنكث بتعهدها. ولكن بدلاً من انتقاد دوافعها ربما يكون الوقت ملائماً الآن لمواجهة ما تم انجازه بالضبط من خلال تدويل “القضية” السورية.

كنت أقوم بزيارة سوريا منذ عدة سنوات من خلال عملي كصحفي، بالإضافة إلى كوني مواطناً عادياً, ولقد كانت رؤية التغييرات في البلد أمراً مُلهماً. بعض أصدقائي هم أناس عاديون، والبعض الآخر انضووا الآن تحت تجمعات المعارضة المتنوعة والتي ظهرت منذ بداية الانتفاضة في آذار من العام الماضي. إن الأمر الذي غالباً ما يتم تناسيه في الأزمة أثناء التعامل مع الجوانب الإغاثية التي تعج بصور الجثث، وروايات تحكي عن شرٍ يصعُب تخيله هو الكم الهائل للإلهام الذي أحدثته الثورة بداية عند الكثير من السوريين العاديين. لقد غيّر جميع السويون الذين أعرفهم تقريباً رأيهم بشكل جذري خلال العام الماضي، وازدادت مطالبهم جرأة وطموحاً.

مع انقضاء ربيع عام 2011 ومعه الصيف والخريف، والنظام البعثي الواهن لا زال يتعقب المواطنين. اتجهت بعض الجماعات المعارضة إلى قوة السلاح لحماية مظاهراتهم وأحيائهم. أثناء ذلك الوقت تمخضت الجهود الدولية للضغط على النظام عن عقوبات لم يُردها أحد من السوريين تقريباً (حتى الجيش السوري الحر)، وخيبت مهمة المراقبين العرب الفاشلة آمال الجميع، واليوم مبادرة الأمم المتحدة التي أوقفت مبدئياً دوامة القتل اليومية، ولكنها فشلت في إرضاء أي من الحكومة أو المعارضة.

إذاً أين يكمن الخطأ؟ المشكلة في تقديري أن وسائل القانون الدولي هي أدوات ثَلِمة لحل المشاكل الحقيقية للصراعات المدنية. على سبيل المثال, قمت في نوفمبر/ تشرين الثاني بالتسلل عبر الحدود ودخلت حمص حيث كانت حركة المعارضة اليائسة قد بدأت بالتوجه إلى جامعة الدول العربية للتوسط في صراعها مع نظام تتزايد وحشيته. ومع تدهور الأوضاع فقد انضم للمظاهرات اليومية (والتي كنت أستطيع سماعها أثناء شهر نوفمبر/ تشرين الثاني مترافقة مع رشقات رصاص متقطعة من قبل القناصة)، مجموعات مسلحة تشكلت لحماية الأحياء السنية في المدينة. وبدأت تدخلات السياسة الإقليمية.

في ديسمبر/ كانون الأول بدا أن المجلس السوري الوطني يهيأ الجهود لتحويل حمص إلى بنغازي سورية (المدينة في الشرق الليبي التي كان تدميرها المحتم على يد قوات معمر القذافي هو المحرك الذي أشعل التدخل الدولي في ليبيا العام الماضي). نشر المجلس القصص في الإعلام العالمي كأمثال أن الجيش السوري استجلب تعزيزات لضرب المدينة وقد أعطى أهالي حمص الثائرة 72 ساعة لإلقاء أسلحتهم أو مواجهة الموت. عندما اتصلت مع أحد نشطاء حمص المخضرمين أخبرني أن ذلك ليس صحيحاً. وقال إن الأمور سيئة بما فيه الكفاية وليس هنالك داعٍ لاختلاق قصص مرعبة. وبنظرة إلى ما حصل فإن مراجعة سوابق ضمن القانون الدولي بدلاً من قوة حركته، يبدو أن المعارضة السورية في الخارج هدفت لتضخيم حجم الضحايا المدنيين في المدينة لدرجة ادعاء حصول إبادة جماعية بهدف الضغط على مفاتيح تحريك المجتمع الدولي.

اقتنعت الأمم المتحدة بتلك الرواية, حيث قالت نافي بيلاي Navi Pillay المفوضة العليا لحقوق الإنسان “هنالك العديد من الأصوات التي تحذر من اعتداء شامل بات وشيكاً على حمص وبأن حشداً عسكرياً إضافياً قد بدأ”. “لست في موقع يخولني تأكيد هذه التقارير ولكن احتمال حصول مثل هذا الهجوم مرعبٌ للغاية”.

بفرض وجود إستراتيجية لتدويل الصراع فقد باءت بالفشل على أي حال. لم يكن بمقدور الأمم المتحدة أن تفعل شيئاً سوى احتمال أن تضع النشطاء المدنيين ومسلحي الجيش السوري الحر في المدينة بخطر أكبر، حتى أن العديد دُفعوا لتوَهُم أن الدعم كان قادماً عندما كان من المؤكد تماماً أنه لم يكن كذلك.

هنالك تشابه في تاريخ أغلب التدخلات الإنسانية في الـ 15 سنة الأخيرة حيث تُعطى وعود بالحماية أكثر مما يمكن تقديمه حقيقة, وغالباً ما تُعرّض الأمم المتحدة أرواح الذين يتلقون المساعدة لخطر أكبر من الخطر الأصلي, في كل مكان من سربرينيتشا Srebrenica  إلى جنوب لبنان. وبتغير طبيعة حوافز طرفي الصراع فإن مساهمة الأمم المتحدة في أسوأ الحالات لا تعدو كونها حَرِف للحوافز، وجعل مواقع التفاوض أكثر استعصاءً.

ينطبق الأمر بشكل كبير على الإعلام العالمي، حيث بدأ في أواخر ديسمبر/ كانون الأول تدفق الصحفيين الغربيين غطاء المراقبين العرب بحثاً عن “قصة الحرب”. بالتأكيد قاموا بمقابلة عناصر من الجيش السوري الحر وعادوا سعيدين بالمؤثرات التي جلبوها من صور لرجال ملثمين وعناصر تبدو كجنود محترفين مدججين بقذائف صاروخية. على المدى القصير كانت النتيجة نصراً إعلامياً للصحفيين وللجيش السوري الحر. ولكن بمجرد مغادرة الإعلام تحركت القوات الحكومية لتقتل وتأسر الكثير من مقاتلي حرب العصابات، والذين ظهر أن ادعاءهم الضمني لقدرتهم على السيطرة على المنطقة بشكل دائم كان أجوفاً إلى حد خطير.

عند ذلك ومع وصول الوضع إلى حالة استعصاء مؤقتة أدرك الجميع في المعارضة أنه ليس لدى النيتو الرغبة ولا الموارد لخوض ليبيا أخرى. ببساطة فإن ذلك النوع من التدخل العسكري المنظّم لن يحدث. ولكن المرحلة المقبلة من الجهود الدبلوماسية تحمل خطر جعل الأمور أسوأ بشكل ملموس. إن المتبقي من الحوافز (الجزر) المُقدّمة لنظام بشار الأسد يقابله الآن عِصي [نظرية الجزر والعصا] مخفية ومغلفة بأغلفة رقيقة، حيث يعِد المجتمع الدولي بغض النظر عن جهود السعودية وقطر لدعم المعارضة المسلحة بقوة السلاح.

استقبل السوريون العاديون تدويل الصراع بمزيج من التشكك والانتهازية. أثناء قيادتي للسيارة في مركز مدينة حمص في أواخر فبراير/ شباط (قبل أن يتم إيقافي من قبل الجيش السوري وترحيلي إلى دمشق) أوقفت مجموعة من الرجال المسنين في مركز المدينة وسألتهم عن الطريق. كان ردهم في سؤالهم الأول “هل أنت روسي؟”. على الأغلب كانوا من الموالين للحكومة، وربما كانوا من العلويين حيث يعرفون أن الأجانب الوحيدين الذين يريدون فعلاً أن يتحدثوا إليهم هم الروس. باعتبار موسكو هي المدافع الصريح عن نظام الأسد على الساحة الدولية.

في وسط الانهيار الكارثي لثرواتهم الاقتصادية، فإن العديد من السوريين يشعرون بالفخر لكونهم في مركز الاهتمام الدولي أو على الأقل يقولون إنه لم يتم نسيان أو تجاهل بلدهم. ولكنك تجدهم وطنيين بشكل عميق وفخورين بشكل واضح بالفسيفساء الدينية والعرقية الدقيقة لبلدهم. وقد أوضح لي العديد من الشبان السوريين أن الحكومة القطرية التي تتحرك لحماية حقوق الإنسان في سوريا هي نفسها التي ترفض منحهم تأشيرة دخول لزيارة قطر. ولم يغفل عن ذهنهم أن قطر والسعودية متأخرون من الناحية الديمقراطية لدرجة تجعل الحكومة السورية تبدو كمجتمع هبيّ hippie. لقد بدا القرار الواضح للمجلس الوطني السوري بقبول أموال من حكومات الخليج لدفع رواتب مقاتلي الجيش السوري الحر قراراً متغطرساً لدرجة تدعو إلى الدهشة, ويؤدي إلى سياسة سيئة لدرجة صادمة, إذ لا يقتصر على إضفائه مصداقية لنظريات المؤامرة التي تحيكها الحكومة بأن الحراك الثوري هو صنيعة محرضين أجانب، وإنما يتعدى ذك للمخاطرة بشق صف المعارضة الوطنية ودعم أنماط معينة من المجموعات السنية المتشددة التي من المتوقع جداً أن تثير توترات طائفية.

 كل ما سبق لا يُقصد به دفع فكرة أن على السوريين أن يقوموا بحل مشاكلهم بأنفسهم. فبعد أكثر من عام من عنف النظام المنهك لم يتبقَ سوى قلة من الذين يدعون إلى السلمية المطلقة في صفوف المعارضة السورية. وإن جميع الذين قابلتهم في سوريا تقريباً كانوا واقعين بين النظرة السوداوية التي تقول بأن الأمور لن تتحسن حقيقة قبل أن تتدهور بشكل كبير، وبين عدم رغبتهم بوقوع أي عنف بحق أبناء بلدهم. ولكن لو أمكن للسعوديين والقطريين أن يحولوا أموالاً غير محدودة وأسلحة من خلال طرق التهريب التقليدية للبلد، فإن النتيجة المتوقعة هي التمكين لطبقة ملتوية من مروجي السلاح وجماعات سلفية في المناطق الحدودية، والتي ستكون مستعدّة لتحويل الجميع بما فيهم أنفسهم إلى ضحايا في سبيل ذلك.

أياً كان ما تقوله الحكومة السورية الآن، فإن أثر هذه المجموعات السُنية المتشددة هامشي حالياً حتى ضمن الجيش السوري الحر. معظم المنشقين العسكريين هم ببساطة سنة محافظون من تجمعات ريفية. ولكن سوريا تشهد حالياً مهزلة جديدة من حقبة ما بعد الحرب على الإرهاب. حيث أن السوريين اللبراليين والعلمانيين والمجموعات اليسارية والتي تشترك بالكثير من القيم الغربية لا تريد تدخل حلف النيتو, في حين أن الأشخاص الذين يختلفون عنا – بقايا الجيل القديم للإخوان المسلمين بالإضافة إلى الجيل الجديد من السنة السلفيين الأكثر تطرفاً نسبياً- هم من يتوسلون مساعدتنا.

من يدري: ربما إذا استمر الانسياق الحالي, الذي لم يكن في الحسبان, بدعم المجاهدين الجدد في سوريا وإيران (وهي إستراتيجية يؤيدها جيمس تراوب  James Traub من صحيفة الفورين بوليسي Foreign Policy) بعد عقد كان فيه المتشددون السنة عدو أمريكا الأول في العلن, فإن أسامة بن لادن سيعود مرة أخرى بعد وفاته إلى ذلك المناضل في سبيل الحرية الذي رأت فيه أمريكا في ثمانينات القرن الماضي زاحفاً إلى معركة طرد بقايا الكفر من الشرق الأوسط.

المصدر

Who Broke Syria?

Foreign Policy

2 responses to “من الذي دمر سوريا؟

  1. جرب حتى لو تكون غير مصدق
    ?!!…ركـــــــــــز شـــــــــــوي
    أرسل هذه الأسماء الحسنى الخمسة إلى أصدقائك وسترى أن أكبر مشكلة عندك ستنحل بإذن الله تعالى
    جرب حتى لو لم تكون مقتنع بها:
    يا الله
    يا كريم
    يا أول
    يا آخر
    يا مجيب
    يا فارج الهمّ،
    ويا كاشف الغمّ،
    فرّج همي ويسّر أمري
    وأرحم ضعفي وقلة حيلتي
    وأرزقني من حيث لا أحتسب يا رب العالمين
    قال صلّى الله عليه واله وسلّم:
    “من قرأ هذا الدعاء وأخبر الناس به فرّج الله همّه

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s