سوريا:‬خلف جدار الخوف، دولة في انهيارٍ بطيء‬

على الرغم من الهدوء السطحي في دمشق، يعرف الجميع أن التغيير قادم. السؤال الوحيد هو،كم ستكون التكلفة؟

إيان بلاك Ian Black في دمشق.

الاثنين16كانونالثاني/يناير 2012

بينما كانا يحتسيان الشاي في مقهى دمشقي مليء بالدخان، بدا كل من عدنان وزوجته ريما طبيعيين بشكل كاف لا يلفت الانتباه، فهما مجرد زوجان في الثلاثين من العمر تقريباً يتنفسان الصعداء في نهاية يوم عمل في واحدة من أكثر المدن توتراً في العالم.

لكن مثلهما مثل الكثيرين في العاصمة السورية، ليسا كما يبدوان من النظرة الأولى، ففي الحياة، يعمل هو كمهندس برمجيات، بينما تعمل زوجته كمحامية. أما الآن، فكلاهما ناشطان سريّان يساعدان على تنظيم الانتفاضة ضد الرئيس بشار الأسد.

إنه عملٌ خطير، فعلى مدى الأشهر العشر الماضية، تم قتل الآلاف من السوريين- ربما يكون ضعف الرقم الذي قدمته الأمم المتحدة والمقدر بـ5000 قتيل – فيما يواصل الأسد حملته الشرسة حيث لا وجود لأي إشارة على انتهائها، إلا أن خصومه مصممون على الاستمرار على حد سواء.

عدنان وريما غير قادرين على العمل أو الاتصال بأُسرهم، ويحملان هويات مزيفة، ويقوم عدنان بتغيير مظهره بانتظام. لقد حلق لحيته مؤخراً، وقد نجح في هذا بشكل واضح، حيث أن صديق له يجلس على طاولة قريبة منه فشل في التعرف إليه.

معظم أصدقائهما هاربون من المخابرات السرية. يقول عدنان:”لقد كانت مخيفة ولكننا اعتدنا عليها،لقد دمرت الثورة حاجز الخوف، في المدرسة، علمونا أن نحب الرئيس أولاً-حافظ-، ولم تتحسن الأمور عندما تولى بشار الحكم.الآن،كل شيء تغير. تشوهت صورة الأسد في كل مكان، ونحن على يقين أنه وعند نقطة معينة سنسقط النظام”.

تبدو دمشق في ظاهرها مدينة هادئة. الخطوط الأمامية الأكثر دموية للثورة ربما هي في حمص،حماه،إدلب ودرعا، إلا أن مظاهر الحياة الطبيعية في العاصمة مخادعة. تحت تلك المظاهر هناك التخطيط بسرية،الخوف والغضب.

صرحت إحدى الشخصيات المعارضة البارزة لصحيفة الغارديان بأن،”دمشق تمثل نقطة حاسمة لبقاء نظام الأسد، لن يسمحوا أبداً بتكرار ميدان التحرير هنا.إذا سقطت دمشق، فكل الأمور ستنتهي”.

تقوم التنسيقيات – لجان التنسيق المحلية – بتنظيم احتجاجات واسعة النطاق في كل ليلة تقريباً في العديد من الضواحي، وبشكل دائم في أيام الجمع. حتى في مركز المدينة، تخرج مظاهرات “طيارة” في وضح النهار وتستمر لبضع دقائق وتختفي قبل أن تنقض عليها قوات الأمن،التي يمثل “الشبيحة” الجانب الأسوأ منها، حيث يقومون بارتداء سراويل الجيش والسترات الجلدية متسكعين عند تقاطعات الطرق والساحات.

المتظاهرون مبدعون حقاً، ففي إحدى المرات، تطوع سائقون لخلق اختناقات مرورية في جميع أنحاء محطة الحجاز للسكة الحديدية، بهدف توفير مساحة كافية تتسع لحركة احتجاج قصيرة لكنها ملفتة للنظر.

الإبداع والسرية أمران بالغا الأهمية. في اليوم الأول من رمضان،صدحت مكبرات الصوت المخبأة في منطقة تسوق مزدحم في ساحة عرنوس بأغنية “يلا ارحل يا بشار” التي كتبها إبراهيم القاشوش، والذي اغتيل في تموز/يوليو بعد أدائها في حماة، حيث قام قاتلوه بقطع حنجرته واقتلاع حباله الصوتية.

يقول أحد سكان دمشق الذين سمعوا الأغنية “في البداية كان الناس خائفين، ولكن عندما تكررت للمرة الثانية اطمئنوا وبحلول المرة الثالثة كانوا يضحكون”. وضعت مكبرات الصوت على السطح، وتم تلطيخ المنطقة حولها بالزيت لكي يجعل من إطفائها أمراً صعباً.

الأساليب المتبعة فعّالة ولكنها محفوفة بالمخاطر، بدأ أحد الناشطين بتشغيل شريط الأغنية في سيارة أجرة ولكن تبين أن السائق كان عميلاً للمخابرات، والذي سلّمه لهم. جواد، وهو عالم كمبيوتر شارك في إحدى هذه المجموعات، أُلقي القبض عليه لمدة شهرين وتعرض للضرب مراراً لإجباره على خيانة أسماء أصدقائه.

كانت أعمالاً سلمية رمزية بشكل مذهل: في آب/أغسطس تم صبغ نافورة خارج البنك المركزي في ساحة السبع بحرات، والتي كانت مسرحاً للمسيرات المؤيدة للأسد. تم توزيع شموع معقودة بشريط أسود لإحياء ذكرى غياث مطر، والذي اشتهر بتوزيعه الورود للجنود، وكان قد تعرض للتعذيب وقُتل في أيلول/سبتمبر الماضي.

تقول سلمى وهي عاملة في مجال حقوق الإنسان:”إن الناس هنا تخاطر بنفسها، ولكن في إدلب وحمص،فالمسألة هنا كمسألة حياة أو موت، وهذا ليس صحيحاً في دمشق”.

ومع ذلك،ما يزال البعض غير مصدقٍ لما تجرؤا على القيام به. يضحك بسام قائلاً وهو عامل في العشرينات من عمره: “انظر إلينا، نستخدم أسماء ًمستعارة ونتجنب نقاط تفتيش الشرطة. كانت المرة الأولى التي ذهبتُ فيها إلى المظاهرة مخيفة. الآن أشعر بالبهجة”.

حتى الآن لا أحد يعتقد أن الثورة سيكون لها نهاية سعيدة في أي وقت قريب. اُعتبر خطاب الأسد في الأسبوع الماضي إعلاناً للحرب، ومخططاً لحشد المؤيدين له. في البث المباشر على التلفزيون الرسمي، بدا الحشد هائلاً; في الواقع، تسرب مقطع غير رسمي يُظهر أنه ربما كان في ساحة الأمويين مالا يزيد عن بضعة آلاف من الناس.

دمشق محاطة بقوات الفرقة الرابعة من الجيش، بقيادة ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري. المباني الحكومية محمية بواسطة الحواجز المضادة للانفجارات. الطرقات بالقرب من القصر الجمهوري ووزارة الدفاع مغلقة. في مقر أمن الدولة في كفرسوسة، الحراس الذين يحملون الرشاشات ينظرون خلف الحواجز الرملية.

هناك وقبل يومين من عيد الميلاد الكئيب،حدث تفجيران انتحاريان قُتل فيهما 44 شخصاً ونُسبا (بعد 20 دقيقة من حدوثهما) إلى تنظيم القاعدة- للتذكير فإن الرواية الرسمية تقول بأن سوريا تواجه”عصابات إرهابية مسلحة” فحسب، وأنه لا وجود لاحتجاجات شعبية واسعة والتي أصبحت رمزاً للربيع العربي.

في السادس من كانون الثاني/يناير، ضرب الإرهابيون مجدداً. بالقرب من الميدان، وهي معقل للمعارضة، بدا وكأنه هجومٌ انتحاري آخر على الأقل للوهلة الأولى، والذي أسفر عن مقتل26 شخصاً إلا أن التفاصيل ما تزال غامضة.

قال السكان المحليون بأن المنطقة طُوقت في ظروف غامضة بواسطة الشرطة في الليلة السابقة. وأشار العديد إلى الاستجابة السريعة واللافتة للنظر من قبل وسائل الإعلام السورية وخدمات الطوارئ. كما تجمع بسرعة حشد من المتظاهرين ليسوا من الحي أساساً، وهتفوا بالشعارات المؤيدة للأسد أمام الصحفيين المتواجدين في حافلات عند وزارة الإعلام. تشير الشكوك إلى أن الحدث تم تنظيمه على نحو يبدو وكأنه منطقي عوضاً عن القول بأنه نتيجة نظرية المؤامرة.

كان أبو محمد سائق سيارة الأجرة (السني والمُحدّث)، على يقين بأنها، “مسرحية، كل شيء كان ملفقاً، الفكرة هي لتخويف الناس في دمشق”. نادر صاحب متجر كان أكثر جرأة حيث قال: “الحكومة تعلم أن السوريين لا يصدقونها، إلا أنها تراهن على الناس الخائفة من كسر حاجز الصمت”.

المنسق العام لهيئة التنسيق الوطنية في سوريا حسن عبد العظيم، والتي كثيراً ما تواجه انتقادات كونها قريبة جداً من النظام، قال بأنه كان لديه “شكوكاً جدية” حول الرواية الرسمية.

في11 كانون الأول/ديسمبر، أثار مقتل الصحفي الفرنسي جيل جاكييه Gilles Jacquier بواسطة قذائف الهاون خلال زيارة قام بها إلى حمص بمرافقة الحكومة أثار المزيد من الأسئلة المقلقة التي لم تلق أي إجابة. هل كانت رسالة تحذير إلى وسائل الإعلام العالمية؟ ما هو استثنائي حول هذه الحوادث هو افتراض وجود العديد من السوريين الذين سيتعامل معهم النظام كتلك الازدواجية القاتلة. شخصية أخرى معارضة للأسد أضافت “لا أحد لديه أية أوهام، يظن الناس بأن النظام غير قادر على أي شيء. ليس هناك خطوط حمراء”.

يرى أنصار الرئيس الأمور بشكل مختلف للغاية. روّج النظام لنظرية المؤامرة الكبرى، والتي تقوم فيها الولايات المتحدة، الغرب، إسرائيل، العرب الرجعيين “العملاء” بقيادة قطر، بالقيام بمؤامرة ضد سوريا، يتم تكرارها بشكل يومي من قبل وسائل الإعلام الرسمية. والوسيلة الأكثر عدوانية هي قناة الدنيا الفضائية، والتي يمتلكها الصهر الغني لماهر الأسد. قبل كل شيء تكره “الدنيا” قناة الجزيرة المملوكة من قبل القطريين والمشجعة للثورات العربية، والتي اُتهمت بفبركة مظاهرات وهمية في استوديوهات على شكل المدن السورية. أشار الرئيس في خطابه إلى 60 قناة تلفزيونية كجزء من هذه المؤامرة.

يبدو أن الأكاذيب الكبيرة تُصدق. يقو لسائق أجرة علوي: “إن أمير قطر يهودي، إنه أسوأ من اليهود، لا توجد مظاهرات في سوريا،أو إنه يوجد مظاهرات،لكنها من قبل الناس الذين تم الدفع لهم فقط، ومن العصابات الإرهابية”. لذلك لا عجب أن كثيراً من السوريين يقومون بتوبيخ الصحفيين القلائل من الأجانب الذين يُسمح لهم بدخول البلاد،وحثهم على “قول الحقيقة كما هي في الواقع”.

يدعو الموالون للنظام والذين يتحدثون إلى وسائل الإعلام الدولية إلى دعم الإصلاح السياسي والحوار مع المعارضة السلمية: من مثل مستشارة الرئيس الأسد بثينة شعبان وجهاد مقدسي مدير قسم المعلومات في وزارة الخارجية، والذي يشارك في المناقشات مع مؤيدي الانتفاضة على ‘التويتر‘”. ويحذر مقدسي من أن إسقاط الرئيس، “سيفتح صندوق باندورا”.[صندوق باندورا يعود إلى أسطورة يونانية قديمة، والمقصود به هنا أن سقوط الأسد سيخلق الكثير من الشرور والمصائب والتي لا يمكن التخلص منها].

إلا أن قادة الأجهزة الأمنية السورية القوية، والذين لا يظهرون في المقابلات، يؤكدون على الخطر المحدق الممارس من قبل المتطرفين السلفيين أو تنظيم القاعدة -“المقاتلون الأجانب” أنفسهم والذين تستخدمهم المخابرات للمساعدة على العبور إلى العراق لمحاربة الأميركيين. تُستخدم صور الجثث المقطعة والمقطوعة الرأس أو الجثث التي أُخرجت أعينها كدليل على وحشية هؤلاء الإرهابيين. لا يكتفي أنصار المعارضة بالإدعاء بأن مثل هذه الصور هي صور مزورة فقط،بل إنهم يصرون على أن النظام يتحمل المسؤولية العظمى لأعمال العنف الحالية.

يقول أحد رجال الأعمال ذو العلاقات الجيدة واليائس في الوقت نفسه:”إن الحل الآن بالنسبة لرجال الأمن السوري يتمثل في القتل حتى ينتهي كل شيء، والانتظار إلى أن يطرأ بعض التغيير في موقف الغرب”.

يتهم أنصار الأسد أيضاً المعارضة بالسذاجة والتي نست ما حدث أوائل الثمانينات عندما عمّت موجة من الاغتيالات والتفجيرات من قبل جماعة الإخوان المسلمين وبلغت ذروتها في انتفاضة مدينة حماة، حيث قتلت القوات الحكومية ما لا يقل عن20,000 شخص. لكن ذلك كان قبل30عاماً: مثل هذه الوحشية “الحل الأمني” سيكون من الصعب تكراره في عصر”اليوتيوب”- كما أنه لا مجال لوضع حد للانتفاضة.

تظهر الطائفية رأسها القبيح، مع المعارضة أيضاً التي تلقي اللوم على النظام لإثارة التوترات بين العلويين، والذين يهيمنون على قوات الأمن، وبين الغالبية السنية.

فيظل المناخ الحالي، يتم ذلك بسهولة. مضر،شاب علوي لديه علاقات وثيقة،بينما يتحدث عن ابن عمه الجندي الذي قُتل وتم تشويهه، يشغل مقطع فيديو عالي الجودة لرجل كث اللحية وهو يقطع رأس ضحيته التي تصرخ بين يديه. في منطقة قريبة من المسجد الأموي، قالت امرأة علوية تزور صديقاً سنياً إنها لا تجرؤ على ركوب سيارة أجرة لأخذها إلى المنزل، لأن السائق السني قد يختطفها ويبيعها ليتم قتلها.

أصبح التذمر من القلق مسموعاً. في الربيع الماضي،حثت جماعة من العلويين المؤثرين في الأسد إلى الاعتذار عن القمع ومواصلة الإصلاحات الحقيقية بدلاً من الإصلاحات التجميلية. وحذر زعيم المعارضة المخضرم بقوله: “يشعر العلويون بأن مصيرهم مرتبط بالأسد، إنه لأمر خطير للغاية”.

تتصاعد الضغوط بشكل واضح. وتفيد تقارير رجال الأعمال العلويين بأنهم رشوا المخابرات لتجنب خروج موظفيهم لحضور المسيرات المؤيدة للنظام. فازت فدوى سليمان،الممثلة العلوية،بإعجاب كبير عندما خرجت دعماً للانتفاضة،إلا أن شقيقها نبذها واستنكر فعلتها على شاشة التلفاز.

يشعر المسيحيون، الموالون تقليدياً، بالقلق أيضاً،لاسيما فيما يتعلق بالعنصر السلفي للانتفاضة،وتقوم الكنائس بحشد كبير للرأي العام تأييداً للأسد. بالنسبة للبعض،فقد بدا أن تعيين داوود راجحة،المنتمي لطائفة الروم الأرثوذكس، رئيساً لأركان الجيش،نعمة مختلطة، ربما في محاولة لضمان دعم المجتمع المحلي.

مؤشر آخر على تعميق الأزمة السورية وهو أن الدولة على الأرجح لم تعد تعمل بشكل صحيح. هذا هو “الانهيار بالحركة البطيئة”،على حد تعبير أحد الخبراء. قادة الأجهزة الأمنية متورطة بالرشاوى التي تُدفع مقابل الإفراج عن المعتقلين. ويقدر بأن نصف الأسلحة التي حصل المتمردون عليها قدتم بيعها من قبل أفراد الجيش وموظفي الجمارك، في حين يغض الطرف عن تلك التي دخلت عبر شحنات من لبنان. شائعات مستمرة من مختلف فروع الشرطة السرية حول إطلاق النار على بعضهم البعض في عمليات السرية. وقد قال مسؤولون إنه تم إتلاف وثائق غير مقيدة دُوّن فيها المدفوعات والمُجازة من قبل مكالمة هاتفية من القصر الرئاسي.

تعمقت أيضاً محنة الاقتصاد السوري في الأسابيع القليلة الماضية. انقطاع التيار الكهربائي لساعات عدة في اليوم هي الآن روتينية.تعتمد المحلات التجارية في أغلى شوارع دمشق على المولدات الكهربائية الموجودة على الرصيف. وإلى حد ما يوجد نقص في سد حاجة البنزين، وذلك بسبب استخدامه المكثف من قبل قوات الأمن. ارتفعت أسعار التدفئة وزيت الطعام بشكل حاد.

توضح النكتة التالية هذا الأثر: يشتري أبو فلان الدجاج للعشاء. يسأل زوجته أن تقوم بشوائه،لكنها تقول: “آسفة،لا يوجد غاز”. فيجيب: “معلش”،دعينا ننتفه ونضعه في فرن الميكروويف. “آسفة،ليس هناك كهرباء أيضاً”،تجيب زوجته.عند هذه النقطة، يأتي الدجاج بمعجزة فينقنق: الله،سوريا،بشار،وبس! (“هذا كل ما تحتاج إليه!”).

مكونات هذه الطرفة مستوحاة من ليبيا،حيث تمثل خط الدعاية في أن الناس بحاجة لشيء بعيد عن الله والوطن والذي كان الزعيم الليبي معمر القذافي– إلى أن تم الإطاحة به وقتله. من الصعوبة بمكان أن يكون ذلك فأل خير للأسد.

وقد كان الرئيس محل سخرية عندما أثنى ومدح نوعية زيت زيتون وقمح سوريا – في إشارة إلى الاعتماد على الذات. إلى الآن حتى لو تذمر الناس العاديون،فإن توقعات الاقتصاد الضخمة قاتمة. انهارت الاستثمارات الأجنبية والسياحية. الفنادق خاوية. منعت العقوبات الأمريكية أكثر التعاملات المالية الدولية. توقف الاتحاد الأوروبي عن شراء النفط. لم يعد بالإمكان استخدام بطاقات الائتمان. وظلت قيمة الليرة السورية في هبوط حاد.

يدرك النظام المخاطر،إلا أن حيز المناورة المتاح له آخذ في التناقص: احتج رجال الأعمال السنّة عندما حُظرت واردات الرفاهية، في تشرين الثاني/نوفمبر. وتم إلغاء هذا الإجراء بعد أيام قليلة.

ليس من المستغرب،إذن، أن لكل هذا ضرائبه: في تقرير الأطباء هناك زيادة في النوبات القلبية،وارتفاع في ضغط الدم وغيرها من الأعراض المرتبطة بالتوتر. يقوم الصيادلة بتجارة نشطة لعقاقير مضادة للاكتئاب. قبل عامين قدمت الحكومة مشروع حظر التدخين،إلا أن المكاتب الحكومية والمقاهي والمطاعم لا تزال مليئة بسُحب الدخان. كما يشرب الناس كثيراً. “يقول الأطباء اذهب وشاهد بعض الأفلام المصرية السخيفة – أي شيء ماعدا الأخبار”،كما قال أحد الأصدقاء ضاحكاً.

الآن،أصبح لدى العديد منهم تجربة مباشرة عن جهاز القمع الذي تمارسه الدولة، ووصف لتفاصيل عن سجون تحت الأرض،وعن الضرب والتعذيب.فمن المعروف أن مستشاري الأمن الإيراني مع خبراتهم الشريرة في متناول اليد فيما يتعلق بالرصد والاتصالات وشرطة مكافحة الشغب. تشعر دمشق، وكأنها طهران في عام2009 خلال احتجاجات حدثت على أثر تزوير الانتخابات الرئاسية.

قال الخبير الاقتصادي رجا عبد الكريم بامتعاض:”إن الناس الذين يتعرضون للاعتقال الآن لم يكن لديهم صفحات على الفيسبوك”. وأضاف “إنهم لا يهتمون بالصحفيين والممثلين والكتاب. والأثر الذي تتركه المظاهرات والقتل أكبر بكثير من ما يقتبسه أي شخص من أمثالي.”

وصف أبو أحمد باكياً،رجل في منتصف العمر والذي أُقيل من وظيفته الحكومية،كيف كان يجري مع زوجته وأطفاله في جنازة في الميدان والتي كانت مسرحا لتفجير انتحاري مشكوك فيه، عندما بدأ الشبيحة بإطلاق النار.

تدور تقارير وسائل إعلام الدولة فقط على الشهداء بين أفراد الأمن أو مؤيدي النظام. تعود الجثث إلى العائلات محمولة، عليها آثار تعذيب لا لبس فيه. “ولعل أسوأ انتهاك لحقوق الإنسان والتي ارتكبها النظام ضد الشعب السوري تتمثل في أن لا وقت لإحياء ذكرى لكل شهيد، لا وقت للحزن”.كما ذكرت رزان غزاوي المدونة على موقع التويتر.

عناصر من المعارضة المناهضة للأسد غير مرتاحة “لعسكرة” ما قد بدأ على شكل انتفاضة سلمية مستوحاة من الثورات في تونس ومصر وليبيا. ما هو متوقع هو أن العنف سيشتد كما أن الجيش السوري الحر، المتكون إلى حد كبير من المنشقين، مازال ينمو. “إذا أطلقت النار على الناس لمدة شهور، يجب أن لا تدهشوا عندما يبدأون بإطلاق النار مرة أخرى”،كما لاحظ دبلوماسي غربي.

عموماً،فإن الانقسامات في سوريا تبدو وكأنها عميقة. “وبالنسبة للأشهر العشر الماضية،فإن ملايين الناس احتلت منطقة وسطى”،كما يقول بدر، وهو محاضر. ويضيف: “إلا أن الأسد يتركنا دون خيار”. نكتة أخرى تجعل الأًمر واضحاً: قيل للمواطنين أنه لا يحق لهم ارتداء ملابس رمادية – يسمح للأسود أو الأبيض فقط.

لا يمكن لأحد التنبؤ بدقة إلى متى ستستمر الانتفاضة. من جهة المعارضة، فإن تفاؤل الإرادة مقترن بإدراك أن ميزان القوى ليس في صالحها على المدى القصير وليس من المرجح أن تتغير بسرعة – باستثناء النموذج الليبي في التدخل العسكري الأجنبي، الذي يريده أو يتوقعه قليل من الناس. “الغد في أيدينا أو لن يكون لدينا غد”،كما كتب أحد المؤيدين للثورة على التويتر.

قال لؤي حسين،وهو كاتب علوي مستقل،بأن الحل السياسي فقط يمكن أن يسقط النظام. “الأزمة في طريق مسدود”. وأضاف: “كل الدلائل تشير إلى أننا نتجه لحرب أهلية مفتوحة. لا يزال الأسد يلقى الكثير من الدعم. المسألة لا تتعلق بالقمع فحسب”.

يتخذ الخبير الاقتصادي عبد الكريم نظرة أبعد، حيث يقول: “ليس لدي أدنى شك بأن النظام سيسقط.المشكلة في الأمد الطويل الذي سيتطلب ذلك السقوط، ستزداد قوة الإسلاميين وسيكسب الأرض أولئك الذين يروجون للعنف. إنها مسألة وقت وتكلفة: الوقت يقصر والتكلفة تزداد”.

منى غانم، في حركة بناء الدولة السورية، وهي إحدى المنظمات غير الحكومية المستقلة القليلة جداً، تتفق تماماً مع هذا التحليل السوداوي،”نحن سعداء بأن هناك تغيير”،كما تقول. “كنا نظن أن التغيير لن يأتي أبداً إلى سوريا. لكن ما نخشاه هو التكاليف”.

تم تغيير الأسماء في هذا المقال.

المصدر

http://www.guardian.co.uk/world/2012/jan/16/syria-collapse-damascus-change

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s