في قلب الانهيار الاقتصادي السوري

في قلب الانهيار الاقتصادي السوري

بدأ الاقتصاد السوري بالتداعي تحت تأثير العقوبات وثمانية أشهر من الاحتجاجات، ولكن هذا لا يعني بأن كبار رجال الأعمال سيتخلون عن النظام.

ستيفن ستار STEPHEN STARR

15 تشرين الثاني 2011

دمشق، سوريا – هنالك مصحف على سماعات سوني البالغ ارتفاعها 4 أقدام في مكتب وسام الحديث بدمشق، إنها الساعة التاسعة صباحاً، يبدو وسام –وهو رجل أعمال متين البنية–مضطرباً، لقد وصل متأخراً بعض الشيء عن موعد هذه المقابلة وهو يمسح قطرات العرق من على جبهته قبل أن يجلس بجانب خزانة تبرز منها كتب من تأليف بيل غيتسBill Gates ووارن بوفيتWarren Buffett . تتمتع شركة وسام بحقوق استيراد منتجات سوني في سوريا، ولكن من غير المرجح أن يبيع العديد من السماعات أو شاشات التلفاز المسطحة في المستقبل القريب.

قال وسام: إن “النشاط الاقتصادي قد تعافى قليلاً ولكنه مازال منخفضاً بحوالي 40%” منذ آذار الماضي عندما بدأت الاحتجاجات، “أعتقد أنه بإمكان الشركات الاستمرار لمدة 6 أشهر أو حتى ربما 12 شهراً، ولكن سيكون من المستحيل الاستمرار أطول من ذلك”.

وسام –كما الكثيرين من أمثاله– بين نارين، فهو يعترف بأن أفعال النظام قد أضرّت بقطاع الأعمال في البلد ولكنه يشعر بالعجز عن القيام بأي شيء حول ذلك، يقول وسام مشيراً إلى السلطات: “هم يشعرون بأنهم محاصرون، من غير الممكن تحريكهم”.

من غير المرجح أن ينضم كبار رجال الأعمال في سوريا –وهم الذين لديهم الكثير ليخسروه كما أنهم خائفين جداً من الجهاز الأمني للنظام– إلى ثورة البلاد المتواصلة في المستقبل القريب، حتى رجال الأعمال الذين قابلناهم من أجل هذه المقالة شحبت وجوههم لدى علمهم بأن ملاحظاتهم حول الحالة المزرية للاقتصاد السوري سيتم نشرها مما دفعهم فوراً إلى طلب عدم كشف أسمائهم من أجل أن يعبروا عن أنفسهم بحرية. بغض النظر عن تصريحات الحكومة الوردية حول حالة مواردها المالية فمما لا شك فيه أن اقتصاد البلاد في وضعٍ يرثى له.

الاقتصاد السوري بخير طبقاً للخطاب الرسمي، ففي مقابلة تعود إلى شهر آب صرح أديب ميالة محافظ البنك المركزي بأن احتياطات النقد الأجنبي مازالت كبيرة بحدود 18 مليار دولار تقريباً، وهو الرقم نفسه الذي ذكره في بداية الصيف. الرئيس بشار الأسد من جهته كان أكثر صراحةً إلى حدٍّ ما عندما أكد في حزيران بأن “الخطر الأكبر الذي سيواجهنا في المرحلة القادمة هو ضعف أو انهيار الاقتصاد السوري”.

ولكن لا يمكن تكذيب الحقائق على الأرض، فقد توقع صندوق النقد الدولي في أيلول بأن اقتصاد سوريا سينكمش بحوالي 2% هذا العام، السياحة –والتي تشكل حوالي 12% من الناتج القومي الإجمالي– قد توقفت بشكلٍ كامل، كما طلبت السلطات من الموظفين في القطاع العام الضخم والمحمّل بالأعباء أن “يتبرعوا” بمبلغ 500 ليرة سورية (حوالي 10 دولار) من رواتبهم الشهرية للمساعدة في تعزيز موارد الدولة المالية. الودائع في بنوك سوريا الخاصة انخفضت بمقدار يصل إلى 18% في الربع الثالث من هذا العام بحسب الأرقام المعلنة من قبل سوق دمشق للأوراق المالية على الرغم من أن معدلات الفائدة العالية من المفترض أن تعزز موارد البنوك المالية.

يشغل يحيى منصب نائب الرئيس والمدير التنفيذي لشركة رئيسية لصناعة الألمنيوم، كما ينتمي إلى عائلة اقتصادية تمتلك العديد من وكالات السيارات، “قبل الأزمة كنا نبيع 12 إلى 15 سيارة في اليوم، أما اليوم فإننا نبيع سيارتين أو ثلاث”.

ولكن على الرغم من أن يحيى ينتقد النظام بشكلٍ علني فهو ينفي بأن طبقة التجار في سوريا مستعدة للتحرك ضد الأسد، عندما سُئل إن كان سيدعم المجلس الوطني السوري –وهو تجمع يدّعي أنه يمثل الحركة الاحتجاجية– أجاب يحيى بنعم، “ولكن ذلك خطير جداً، فهناك العديد من الجواسيس داخل المعارضة”.

استجابت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للعنف المتصاعد بفرض عقوبات جديدة على سوريا، عُزلت سوريا بشكلٍ فعلي عن النظام المالي العالمي، فلم يعد من الممكن الوصول إلى الأموال المودعة في البنوك الأجنبية من خلال البنوك السورية، هذا يعني بأن الأجانب المقيمين في سوريا الذين يأملون بالحصول على مبالغ نقدية من آلات الصرف المحلية سيصابون بخيبة أمل، كما أن العقوبات دفعت شركات بطاقات الائتمان إلى الخروج من سوريا مما حرم رجال الأعمال من وسيلة أساسية لإنجاز التحويلات المالية، فلم يعد بالإمكان بعد الآن العثور على الألبسة التركية ذات الشعبية الكبيرة والتي أغرقت السوق السوري في السابق. أحد رجال الأعمال الذين يستوردون مولدات من تركيا اشتكى من أنه لم يعد قادراً على الحصول على خطابات اعتماد من البنوك الأجنبية، “لا أحد يريد أن يتعامل معنا بعد الآن”.

ينوّه وسام –وهو نائب رئيس تجمع رئيسي لشركات مقره في دمشق ذي مصالح في قطاعات صناعة الأدوية والاستيراد والمصارف والفنادق والإعلام وصرافة العملات الأجنبية في سوريا– إلى أن هذه العقوبات قد أبقت العديد من الشركات خارج البلاد، “لم تتمكن بلاك بيري BlackBerry من دخول السوق السورية لأنها –كشركة كندية– لا ترغب بأن تسير في اتجاه معاكس لموقف أمريكا المتقدم القاضي بمعاقبة سوريا” كما يقول وسام.

كما يبين وسام أن تحركات الغرب الاقتصادية ستؤثر من دون شك على جميع السوريين وليس قلة قليلة فقط، بحسب وسام “من المفترض بأن تؤثر العقوبات على أفراد بعينهم ولكننا نعلم بأنها لن تكون كذلك”.

ولكن في حين أن العقوبات قد أضرّت بلا شك بمستقبل الاقتصاد السوري فإن أضراراً أخرى قد تسبب بها النظام نفسه، ففي شهر أيلول فرضت الحكومة حظراً على الواردات ذات التعرفة الجمركية التي تزيد تعرفتها الجمركية عن 5% مما تسبب في حالة الاختزان، وارتفاع حاد في أسعار السلع المنزلية. الطبيعة الاعتباطية للمنتجات المشمولة تحت الحظر زادت أيضاً من شعور مجتمع الأعمال بالحنق، فسمك سياف البحر كان معفى من الحظر في البداية ولكنه مُنع بعد ذلك، بينما سُمح باستيراد السمك ذي الأسنان من أستراليا والقطب الجنوبي. الأسرجة ومقاعد الدراجات الهوائية أيضاً أعفيت من الحظر، كما تم منع استيراد السيارات، بالإضافة إلى ذلك فقد توجّب التخلص من المواد الغذائية القابلة للفساد على الطريق أو على الحدود، رجال الأعمال وسكان البلد بشكلٍ عام حكّوا رؤوسهم متعجّبين مما يحصل.

لدى إدراكها للخطأ الذي ارتكبته، قامت الحكومة برفع الحظر بعد أقل من أسبوعين من فرضه، وفي محاولة لتعزيز إيراداتها قامت الحكومة بإدخال زيادة بنسبة 10% على ضريبة استيراد السيارات في شهر تشرين الأول بعيد إلغائها، شنّ محمد –وهو نائب رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لمجموعة من الشركات العاملة في تجارة التجزئة، الصادرات الزراعية، والتسويق– هجوماً عنيفاً على قرار حظر الاستيراد واصفاً إياه بأنه “أحمق جداً، ليس له أي معنى، لقد تم اتخاذه من دون أي إعلان مسبق، أو خطة، أو بحث”.

يعتقد محمد بأن قرار الحظر قد فُرض من قبل ميالة –محافظ البنك المركزي– والذي يحمله المسؤولية للاستنزاف الهائل لاحتياطات الدولة من العملة الأجنبية، ذكر محمد بأن “السوريين كانوا لشهور عدة قادرين على سحب ما يصل إلى 10 آلاف دولار شهرياً، هذا الأمر أجهز على احتياطات الدولة من الدولار، لقد كان قراراً غبياً، فمن الطبيعي جداً أن يقوم كل شخص يمتلك مالاً بتحويله إلى دولارات”.

على الرغم من أن علاقة نظام الأسد مع النخبة الاقتصادية في دمشق وحلب كانت ومنذ زمن بعيد إحدى دعامات قوته، كانت طبقة التجار –وفقاً لمحمد– خائفة جداً من التعبير عن رفضها لقرار الحظر، “كان من الواجب على غرفة تجارة دمشق أن تستقيل” بحسب محمد، “لقد كانوا أجبن من أن يذهبوا إلى الرئيس ويسألوه لماذا تم اتخاذ هذا القرار من دون استشارة مجتمع الأعمال”.

هو يظن بأن النظام قد تراجع عن قرار حظر الاستيراد لأنه أدرك أن البلدان الأخرى ستتوقف بالمقابل وبكل بساطة عن شراء البضائع السورية ، وليس لأن مجتمع الأعمال قد مارس نفوذه للضغط على النظام.

الديناميكية نفسها تنطبق فيما يبدو على حلب أيضاً –المدينة الأكثر سكاناً في سوريا– والتي تجنبت إلى حدٍّ كبير المشاركة في الاحتجاجات الجماهيرية التي انتشرت في أجزاء أخرى من البلاد. “لقد زرت حلب مؤخراً، ورجال الأعمال هناك مؤيدون تماماً للنظام، جميع الأشخاص الذين التقيت بهم بدون استثناء”، يقول عبد الله وهو المدير التنفيذي لشركة لصناعة الحديد و الزجاج، “مجتمع الأعمال في مدنٍ ومناطقٍ أخرى من البلاد يرون أن رجال أعمال حلب قد خانوهم، و هذا ما قد يسبّب مشاكل في المستقبل”.

في الشارع كان على السوريين شدّ الأحزمة، سعر السجائر على سبيل المثال ارتفع بنسبة 40 إلى 50%، أما بالنسبة للمازوت –والذي يُستخدم كوقود لوسائل المواصلات كما أنه سيستخدم كوقود لتدفئة 22 مليون مواطن سوري هذا الشتاء– فإنه يباع بحسب بعض التقارير بضعف سعره الرسمي.

بينما يأخذ الحصار مفعوله يُجبر النظام على زيادة إنفاقه ليحافظ على عجلة الاقتصاد سارية، فبحسب صحيفة الوطن اليومية المؤيدة للنظام زادت الحكومة ميزانيتها للعام 2012 بنسبة 15% إلى 26,5 مليار دولار.

ولكن مع هبوط عائدات النفط بشكلٍ حاد فمن أين سيأتي المال؟ لقد طلبت الدولة من شركة جلف ساندز بتروليوم (Gulf Sands Petroleum) العاملة في مجال النفط خفض الإنتاج نظراً لعدم توفر إمكانية التخزين. كما حاولت سوريا في شهر أيلول أن تقايض النفط الخام بالوقود من خلال استدراج عروض من دون أن تنجح في ذلك، هذا الشهر سيوقف الإتحاد الأوربي استيراد النفط السوري الخام نتيجةً لقرار اُتخذ في شهر أيلول، قبل الحظر كانت سوريا تصدر نحو نصف إنتاجها من النفط الخام حيث يشكل الاتحاد الأوروبي السوق الأكبر لها.

تتناقص العملة الأجنبية باستمرار في سوريا فيما يحاول كل من رجال الأعمال وعامة الشعب أن يحصلوا على عملات مضمونة القيمة كالدولار أو اليورو، اعترف عبد الله –مصنّع الحديد والزجاج– بأنه قد حاول شراء مبلغ 100,000 دولار من السوق السوداء قبل عدة أسابيع ولكنه لم يستطع، يقول محمد “بكل بساطة إنها غير موجودة”.

فسّر عبد الله ذلك بأن الواردات التي تزيد ضريبتها عن 1% يجب أن تدفع بالعملة الصعبة للبنك المركزي، وأن رجال الأعمال يلجؤون للسوق السوداء لتمويل هذه النفقات، يقول عبد الله “ندفع 53 ليرة سورية للدولار [في السوق السوداء]، وهذا السعر بازدياد”، فيما يقف السعر الرسمي عند 49 ليرة سورية للدولار الواحد.

أخبرني العديد من رجال الأعمال أنه على الرغم من تراجع ثرواتهم، إلا أن شركاتهم قد حافظت على بقائها وتمكنت من تجنب عمليات تسريح واسعة، يقول وسام إن شركته تجنبت تسريح أي شخص بدافع “الواجب الوطني”.

قد يلعب تردد بعض أصحاب الأعمال من تسريح العمال دوراً في التخفيف من الاحتجاجات، ولكن قلة منهم متفائلة بالمستقبل، يقول محمد “لن أخرج وأتظاهر، لدي شهادة وأستطيع مغادرة البلاد، إلا أن الموظفين هنا قد يفعلوا ذلك إذا فقدوا وظائفهم”.

مع آلاف العاطلين عن العمل منذ بداية الاضطرابات في آذار الماضي، العديد من المطاعم في دمشق –لاسيما تلك التي يتردد عليها السوريون من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط– فارغة الآن. ما زالت متاجر الألبسة في كافة أرجاء العاصمة مستمرة بتنزيلات الموسم الصيفي رغم مضي الجزء الأكبر من فصل الخريف. يشتكي سائقو سيارات الأجرة من الشوارع الفارغة. الخوف من المستقبل واضح للعيان، من الجلي أن الخوف من الأجهزة الأمنية هو ما يستحوذ على تفكير رجال الأعمال، “هناك الكثير جداً من الخوف لدى أي صاحب عمل مما يمنعه من أن يقف ضد الحكومة” يقول يحيى، “باستطاعة عناصر الأمن الوصول لأي شخصٍ يريدونه، لا يهم حجم مجتمع الأعمال وقوته، لا توجد ضوابط، [التحول ضد النظام] لن يحصل أبداً بكل بساطة”.

المصدر

Inside Syria’s Economic Implosion

Foreign Policy

http://www.foreignpolicy.com/articles/2011/11/15/inside_syrias_economic_implosion?page=0%2C0

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s