مجموعة نادرة من الصور للصراع الدائر في سوريا

آن برنارد  Anne Barnard– نيويورك تايمز

13 حزيران / يونيو 2012

في واحدة من الصور التي التقطها روبرت كينغ Robert King  من القصيرفي سوريا، يظهر رجل أشيب يرتدي الزي الطبي الأزرق ويحمل طفلاً باكياً تتدلى منه أنابيب التغذية الوريدية (الصورة 11). وراءهم، على سرير مغطى ببطانيات مبعثرة، يرقد ثلاثة أطفال ملفوفين بالضمادات، الأغطية البلاستيكية تغطي النافذة ورف الكتب، كما لو أن الغرفة في قسم الحجر الصحي، أو كما لو أن صاحبها يحاول حماية الأثاث رغبةً منه بالتشبث بمظاهر الحياة الطبيعية. في صورة أخرى (رقم 13)، يرقد الجرحى، أحدهم يرتدي الزي العسكري، متلاصقين على الأرائك.

التقطت هذه الصور في مستشفى ميداني يديره الثوار السوريين – بحسب المصور السيد كينغ، فإن المشفى في حقيقتها هي مجرد شقة يعمل فيها فريق من دون جرّاح مدرّب،  يبذلون قصارى جهدهم لمعالجة المصابين بطلقات نارية وجروح بسبب الشظايا. اثنان فقط من أعضاء الفريق من الأطباء، أحدهم مختص بأمراض الجهاز الهضمي، أما بقية المساعدين فهم ممن دفعت بهم الظروف الصعبة إلى وظائف تتجاوز مستوى مهاراتهم، “وكأننا في القرن الثامن عشر” يصرح السيد كينغ.

من بين هذه الصور التي تعتبر مجموعة نادرة من الصور الملتقطة داخل سوريا في الأشهر القليلة الماضية، فإن القلة التي التقطها المصور في الهواء الطلق تظهر مقاتل يزحف على الارض، ومشاهد من جنازة تجتاحها الفوضى والشوارع المهجورة تقريبا التي تصطف على جوانبها المباني المتضررة.

الشعور بالضيق المكاني الذي يشع من الصور يبلور المشكلة التي تواجه الصحفيين والمصورين الذين يحاولون تغطية الصراع في سوريا: الصور التي تخرج إلى العالم الخارجي هي أشبه بالرؤية من خلال الثقب. الحكومة تسمح لقلة من الصحفيين الأجانب بالدخول للبلاد حيث يتم تقييد تحركاتهم بشدة. أما أولئك الذين يدخلون البلاد دون الحصول على إذن رسمي فعليهم أن يبقوا متخفيين، مما يجعلهم غير قادرين على تكوين صورة شاملة عن الوضع في سوريا. وكان هذا هو الحال بالنسبة للمصور روبرت كينغ(43 عاما) وهو مصور من ولاية ممفيس Memphis الأمريكية ويعمل لصالح موقع  بولاريس ، الذي قضى الكثير من وقته بحكم الضرورة داخل مشفى ميداني.

وقد أخبرنا السيد كينغ  في مقابلة أجراها معنا من بيروت أن القصير، الواقعة بالقرب من الحدود اللبنانية في محافظة حمص الثائرة، تحت ضغط مستمر من قوات النظام. وفي بعض الأيام قد يصل عدد يترواح بين الـ 20 والـ 30 جريحاً من الثوار المقاتلين إلى المشفى نتيجة معارك ضارية مع الجيش السوري، أما فيما تبقى من الأيام، فالجرحى بمعظمهم من المدنيين العزل.

يقول السيد كينغ أنه رأى مؤخراً ستة أطفال جلبوا للمشفى الميداني مصابين بأعيرة نارية وشظايا. وقال انه ماتزال هناك كهرباء وماء في المدينة ولكن السكان يعتمدون بشكل كبير على المواد الغذائية المعلبة المهربة من لبنان بمساعدة لجان التنسيق المحلية، وهي شبكة من المجالس التي شكلها الثوار.

وصف السيد كينغ للحملة التي تقوم بها الحكومة يذكرنا بما ورد في تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش يوثق القصف العشوائي لمنازل المدنيين والحقول الزراعية وإطلاق النار على المارة، فضلاً عن قصص عن اللاجئين الفارين إلى لبنان من القصير في مارس/اذار.

على ما يبدو، وبحسب السيد كينغ فإن قوات النظام بذلت قصارى جهدها لدفع سكان المنطقة على الرحيل، لكنه لم يستطع متابعة أي من الأسر أو الجرحى اللذين تركوا منازلهم ليرى أين انتهى بهم المطاف. واشار انه نظراً للقيود على تحركاته فإنه من المستحيل عليه معرفة مدى انتشار مثل هذه الأساليب، لكن ما صعقه حقاً هو أن القتال العنيف الذي كان يحدث في مدينة صغيرة نسبياً يسكنها حوالي  40000 مواطن، بالإضافة لاستهداف الأطفال مراراً وتكراراً.

كما أضاف السيد كينغ أن المقاتلين الذين التقى بهم بدوا مهتمين بشكل رئيسي بإسقاط الأسد لا بإستبدال النظام بنظام ذو صبغة دينية، ولكنه توقع بأن الأمور ستتغير اذا ما انخرط المتطرفون بالصراع في سوريا: “سيرحبون بأي مساعدة يتلقونها من أي طرف، لا ألومهم على ذلك لأن نظام الأسد قتل أطفالهم، وفجر كنائسهم ومساجدهم، إنهم يذلونهم. “

التحدي الشديد الذي يمثله الصراع في سوريا هو ماجذب السيد كينغ الذي غطى الصراعات في البوسنة ورواندا والشيشان وغيرها، بالإضافة لقلقه من النقص المستمر في التغطية الإعلامية لما يحصل في سوريا. في ليبيا ومصر، وقال:

 “كان لديك عدد من وكالات الأنباء أ. ب.، رويترز، جيتي والعديد غيرها يصورون كل شيء عن كثب. أما سوريا لايوجد فيها أي وكالة تقوم بتغطية مايحصل “.

كلما طالت مدة مكوثه هناك، كلما ازداد إحباطه لأن مايجري في سوريا بدأ يبتعد عن احتلال صدارة الإعلام. بعض ممن ينشرون صوره عادةً اشتكوا من دموية الصور: فتاة صغيرة خرجت أحشاؤها من جسدها نتيجة جرح عميق في منطقة البطن، وطفل رضيع تحولت يده لكتلة مشوهة حمراء.

“كيف يمكنني محو الدم من الصور؟… إنه على قدمي. إنه على يدي. إنه على ملابسي. “

وتتجلى مشكلة التأطير في الصور الملتقطة في صورتين: الأولى تركز بشدة على وجه صبي صغير قلق ، جبهته تمتلئ ببقايا الدم الجاف. والثانية، على نطاق أوسع قليلاً، تكشف عن نتوء على كتفه: جرح سطحي على ما يبدو، لكنه يبدو قاسياً جداً لدرجة ان من يرى الصورة يحتاج بضعة ثوان قبل إدراك مايراه.

في أحدى الصور التي تظهر رضيع مصاب بشظايا، ركز المصور على باطن القدمين، التي ذكرته كما أخبرنا بأقدام ابنه وابنته. حيث نرى في الصورة أصابع الطفل الرضيع غارقة بالدم كأنها حبوب بازلاء حمراء صغيرة.

” لن أي من يرى صوري وسيلة لتجنب الوحشية والعنف”،  يقول السيد كينغ “إذا كان المنظر عنيفاً فسأصوره كما هو، أنا لست هنا للالتقاط  صور فنية.”

المصدر

A Rare View of Conflict in Syria

Lens: New York Times Blogs

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s