ما الذي يمكن فعله حيال سوريا؟

30 أيار/ مايو 2012

قامت مجلة الفورين بوليسي Foreign Policy  باستشارة خمسة من المفكرين المخضرمين حول الوضع في سوريا ، وما الذي ينبغي على العالم فعله حيال ذلك.

روبين ياسين كساب: سلحوا الثوار

رندا سليم: تحاوروا مع إيران

بلال ي. صعب: لا تقلدوا اليمن

أندرو ج. تابلر: اقطعوا شرايين حياة الأسد

أندرو إكسوم: قوموا بتقييد أسلحة الدمار الشامل

***

 

روبين ياسين كساب: سلحوا الثوار

هناك البعض، وربما العديد من السوريين الذين يمقتون حكومتهم وهم على علم تام بطبيعتها الخائنة، إلا أنهم يأملون أن تتوقف المظاهرات وأعمال الثوار من الجيش السوري الحر، وأن يتمكن نظام الرئيس بشار الأسد من استعادة زمام الأمور في أقرب وقت ممكن. هؤلاء، يأخذون هذا الموقف نتيجة التشاؤم الشديد، حيث يؤمنون أنه من المستحيل اجتثاث دولة الأمن والتعذيب ذات الجذور الطائفية المتأصلة، عدا عن اعتقادهم أن أعداد القتلى ستزداد كلما طال أمد الاضطرابات، وأن الاقتصاد سيستمر بالانهيار، إضافة إلى عدم تمكن أي شيء من تغيير النتيجة – ألا و هي انتصار الأسد الحتمي. ويذهب بعض السوريين إلى الاعتقاد أن النظام بحد ذاته، أو أحد فروعه، يعملون على تشجيع التظاهرات خلسةً كي يجدوا لأنفسهم “عذراً” لتلقين الجيل الناشئ درساً لن ينسى.

ليس بمقدوري الاتفاق مع هذه النظرة الانهزامية من حيث المبدأ – وذلك من منطلق رفضي الاستسلام لليأس، وإيماني بقدرة البشر على تغيير ظروفهم. أنا أفهم وجهة النظر الانهزامية تلك، وأفهم أني قد أتشارك فيها إن كنت أعيش في قلب الرعب الحاصل بدلاً من معيشتي في اسكتلندة. ولكن بغض النظر عن المبدأ، أعتقد أن الافتراض الكامن في المبدأ الانهزامي هذا، خاطئ. وأؤكد أن هذا النظام ما زال قادراً على القتل، وسيستمر أو  حتى يكثف من القتل، لكنه فقد السيطرة على البلاد و لن يتمكن من إعادتها.

لقد أكد مراقبو الأمم المتحدة، الذين تعرضوا للكثير من التشهير، ما تناقلته التقارير الإخبارية، أن مناطق شاسعة من الريف السورية والمدن المحيطة بها إما تخضع لسيطرة الجيش السوري الحر أو لا تخضع لسيطرة أحد. حيث تقدم قوات النظام على اختراق و معاقبة المناطق الخاضعة للثوار، لكن هذه القوات لا تجرؤ على البقاء هناك أطول من اللازم. وفي بعض الأحيان لا يستطيعون حتى الدخول إلى تلك المناطق. فحين حاول نظام الأسد مؤخراً استعادة السيطرة على مدينة الرستن، شرق البلاد، تصدى له الجيش السوري الحر فكبده خسائر تقدر بعدد من العربات المصفحة وقتل 23 جندياً، مما اضطر جيش النظام إلى الانسحاب.

نحن الآن لسنا في حقبة الثمانينيات، عندما نجح والد بشار، الرئيس حافظ الأسد، بسحق تمرد يقوده الإسلاميون. عندها، نجح النظام في عزل أعدائه في مدينة حماه، بينما كانت أعين العالم مسلطة على حرب أهلية مستعرة و صراع إقليمي على النفوذ في الجارة لبنان. كان ذلك قبل اليوتيوب (You Tube) و ظهور الصحافة التي يقودها المواطنون، و قبل نشوء جيل من مقاتلي التمرد استقى دروسه من جنوب لبنان و العراق.

اليوم، تواجه قوات النظام القنابل على قارعة الطريق، ابتداءاً من ريف جبل الزاوية شمالاً، إلى محافظة دير الزور شرقاً، إلى درعا جنوباً. ووفقاً لأكثر التقارير تفاؤلاً، فإن ثلث قوام الجيش النظامي قد انشق – معظمهم قد عاد إلى دياره، أو فر هارباً خارج البلاد بمنأى عن الأحداث، لكن عدة آلاف منهم قد التحقت بكتائب المعارضة. وبالنسبة للمنشقين، والمتطوعين المدنيين، الذين يقاتلون للثأر أو حماية الأحياء، فإن عودة السيطرة للنظام تعني الموت المحقق. هؤلاء الرجال الثائرين ليس أمامهم خيار آخر سوى الاستمرار في المقاومة.

قبل عدة أسابيع، كان الوضع بالنسبة  لكتائب المقاومة مأساوياً. حين كانوا يفتقرون العدة والعتاد. إلا أن بصيص الأمل قد عاد في الآونة الأخيرة. حيث توضح التقارير الإخبارية، أن أعداد أكبر من الأسلحة المتطورة بدأت بالوصول إلى بعض قوات الثوار، بدليل الفعالية المتزايدة للجيش السوري الحر في تدمير دبابات النظام.

من السابق لأوانه التأكد، ولكن يبدو أن الوعود القطرية و السعودية لتسليح أو تمويل المعارضة بغية التسلح آخذة بالتحقق. وهناك تقارير مفادها أن الولايات المتحدة تساهم في “تنسيق” هذه العملية. فبعد 15 شهراً من القتل و الطائفية، أجد نفسي في موقع غير مألوف من الترحيب بالتدخل الغامض.

إن مخاطر حرب أهلية ممولة خارجياً كثيرة وواضحة. فالمملكة العربية السعودية و قطر ليستا دولتين ديموقراطيتين، “والمستثمرون” السعوديون والقطريون لن يستثمروا طواعيةً في الديموقراطية. في الغالب، فإن المستثمرين الخليجيين والإسلاميين سيقومون بتوجيه الأموال تجاه الجماعات التي تفهم الصراع بمنطلق طائفي بحت. أما الولايات المتحدة، فمن المتوقع، أن تبذل جهودها في زرع العملاء الذين يخدمون المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

أنا أشكك في قدرة أي قوة خارجية على فرض مرشحها في نهاية المطاف. حيث أن ميزان القوى حالياً في المنطقة يعيش حالة من تنازع شديد، بحيث لن يتمكن أي طرف من الظفر بنصر تام ضمن هذا السياق. ولكنه من المؤكد، أن قادة البلاد المستقبليين لن يكونوا مدنيين، و إنما أبطالاً عسكريين. وذلك لأنه من الحتمي ان الصراع الدائر لن ينقضي بالحوار، وإنما بالسلاح. والغنيمة للمنتصر.

لقد كان الدور المهيمن للعسكر واحداً من أسباب شقاء سوريا منذ تأسيس الدولة ما بعد الاستعمار. ولكن السبب الأكبر، ذو الصلة، كان لعنة الطائفية – التي تتمثل في وحش بات الآن طليقاً و خارجاً عن السيطرة، يتبختر بكل قباحته المجردة. وقد تمكن النظام من توجيه خطابه بشيء من الذكاء قبل الثورة عبر نشر طيف من المتحدثين و”المفكرين” المنتقين بعناية، وبذلك كان و لفترة طويلة قادراً على الظهور بمظهر المدافع عن علمانية سوريا ذات التوازن الاجتماعي الحساس. ودون السطح يكمن الواقع: سوريا هي عبارة عن واحدة من الأنظمة الشرقية ما بعد الاستعمار- لا تختلف في كونها نتاجاً لمعاهدة سايكس-بيكو عن حال هيكلية القوى الصهيونية. وكما عين الفرنسيون الطائفة المارونية لحكم لبنان، قاموا بخلق “جيش من الأقليات” ليحكم سوريا. فالنظام لم يكن أبداً علمانياً، وإنما طائفياً بصبغة علمانية. حيث يشغل العلويين، وبشكل كبير، الرتب العليا في أجهزة الأمن والاستخبارات، وأفرع الدولة المتنفذة التي تحتاج إلى موافقتها في كل شيء، من استئجار مبنىً إلى افتتاح كشك على قارعة الطريق. إلا أن العلويين غير المقربين من النظام، ما زالوا فقراء مهمشين، في حين أن أقرباء من يعملون في الأجهزة الأمنية لهم الحظوة في فرص العمل والفرص الأخرى. إن التوترات الاجتماعية الساكنة استعرت رحاها عندما بدأ النظام بتسليح عصابات من العلويين وإرسالهم إلى المدن السنية للقتل، والاغتصاب والإذلال. كما صرح شهود عيان من بلدة الحولة، أن من قام بنحر رقاب الأطفال أثناء المجزرة هم علويون من القرى المجاورة يرتدون الزّي العسكري.

ضمن هذا السياق، فإن الشعار الشعبي للثورة – “الشعب السوري واحد” – لا يبدو إلا كشعار أجوف. فقد بدأ الشرخ بالظهور، وبات الوقت متأخراً لنهاية سعيدة، فالحرب الأهلية هنا، وكلما طال الجمود كانت الصدمة أكبر وأعمق. لهذا فأنا أساند تسليح الجيش السوري الحر، حتى نتمكن من الانتهاء من الأمر (إسقاط النظام) في أقرب وقت ممكن.

إن النظام ينشر الدبابات، ومنظومات الصواريخ، والحوّامات الحربية المقاتلة، ويتم مساندته و إمداده من قبل إيران وروسيا. ويملك السوريون الحق في الدفاع عن أنفسهم، والحق في امتلاك ما يعينهم على ذلك. إن معظم البلاد، وبالأخص المناطق السنية، بات في وضع أسوا من غزة. ومع ذلك يقاتل السوريون – ليس من أجل إيديولوجيتهم و إنما من أجل البقاء. ولن يتوقفوا عن النضال، وسينتصرون في آخر المطاف، لكن ساحة نصرهم ستكون مرارة بلدٍ معدم منقسم على نفسه. وفي مرحلة تسبق النصر، ستتيقن قطاعات بارزة عسكرية ومن ضمن المجتمع العلوي أنه لا أمل لهم بالنصر، وأنهم سيضطرون إلى إما الهرب أو الانضمام للثورة. وأتمنى أن يحصل ذلك خلال سنة أو أقرب من الآن، و ليس خلال عقد من الزمان.  إن تسليح ثوار سوريا هو السبيل الوحيد لتحقيق تلك النتيجة.

روبين ياسين كساب هو مؤلف رواية الطريق من دمشق The Road From Damascus ويشارك في تحرير مجلة مسلم ناقد Critical Muslim. يعمل حالياً على تأليف روايته الثانية. ويتواصل عبر مدونته  www.qunfuz.com

راند سليم :” حاوروا إيران ”

إن مجزرة الحولة التي ارتكبتها القوات المسلحة السورية وميليشيات موالية و راح ضحيتها أكثر من مئة مدني بدم بارد، لا تدع مجالاً للشك بخصوص نوايا نظام الرئيس بشار الأسد وهي : النجاة بأي ثمن وبأي طريقة ممكنة، حيث أن الأسد لا يملك خطة بديلة.

وفي حين لاتزال الولايات المتحدة وحلفائها الغربيون متمسكون وبشكل علني على إتباع الطرق الدبلوماسية والعقوبات والضغط لإجبار الأسد على التنحي عن السلطة، فإن الأسد يجابه هذا كله بتصعيد العنف، والأمور ستتجه نحو الأسوأ طالما بقي الأسد في السلطة، وسيكون هناك العديد من المجازر أيضاً. مادام الأسد ونخبته العسكرية يعتقدون أن بإمكانهم كسب هذه المعركة فإنهم لن يتوانوا عن ذلك كما أن الإنشقاقات ضمن الرتب العليا ستبقى محدودة وذلك لأسباب تتعلق بالخوف أو بالإخلاص للنظام. إن تدفق السلاح الروسي و الدعم الإيراني مالياً وعسكرياً سيعزز من هذه المعادلة لرجالات النظام.

يستعد الأسد لقتال طويل الأمد، وبينما يستمر الصراع، فإن التبعات الاقليمية للأزمة السورية تصبح عامل تعقيد بشكل متزايد وذلك في ضوء الإحتقان الطائفي الشيعي-السني والذي وصل بالفعل إلى نقطة الغليان في لبنان المجاور لسوريا.

كما أن المعارضة السورية تتحول إلى العسكرة بشكل متزايد، وسوف تشكل خطراً حقيقياً مع مرور الوقت، حيث تقوم المملكة العربية السعودية وقطر بتزويد المعارضة السورية بالسلاح والذي يتم نقله عبر تركيا. كما تلعب الولايات المتحدة دوراً تنسيقاً في هذه العملية، وذلك وفقاً لتقارير إخبارية صدرت مؤخراً، حيث تقوم الولايات المتحدة بالتحري عن جماعات المتمردين وذلك للحيلولة دون وقوع هذه الأسلحة في الأيدي الخطأ.

ولكن يجب علينا أن لا نتوقع أن تدفق الأسلحة سوف يغير من قواعد اللعبة. فالأسلحة التي تم شحنها للجيش السوري الحر لا تشكل أي تحدٍ حقيقي لترسانة النظام العسكرية كما أنها لا تشكل قوة ردع حقيقية ولن تكون قادرة على إغراء كبارة القادة العسكريين بأن يعيدوا حساباتهم بشأن تبعات دعمهم للأسد. كل ماهنالك أن هذه الأسلحة ستسهم في إطالة أمد الصراع.

كما أن الظروف الدولية لا ترسل أي إشارات أمل. روسيا وإيران, حلفاء الأسد الرئيسيين ليسوا مستعدين بعد للتخلي عن النظام السوري حيث لا يعتقدوا أن حكم الأسد يواجه خطر حقيقي.

وعلى الرغم من أن الغرب يبالغ في تقدير النفوذ الروسي على القيادة السورية، فإنه يتجاهل وبشكل متعمد النفوذ الإيراني في سوريا حيث لا يزال المرشد الأعلى أية الله علي خامنئي وحتى الأن يقف وبقوة خلف الأسد.

فقد قامت القيادة الإيرانية وعلى مر السنين بإقامة واحتضان اتصالات وعلاقات داخل الطائفة العلوية في سوريا وبالأخص مع شخصيات علوية قيادية في مجالات الأمن والمخابرات وهذا ما يساعدهم على تكوين فكرة عما يجري ضمن هذا المجتمع.

ليس واضح بعد فيما إذا كانت إيران مستعدة للمساهمة في صفقة لإزاحة الأسد، ولكن حقيقة أن أحد مسؤولي الحرس الثوري الإيراني قد أعترف علناً بوجود قوات النخبة الإيرانية في سوريا قد يكون الغرض منه ولو جزئياً هو إرسال رسالة بأن أي تدخل عسكري بقيادة الناتو سيكون مكلفاً كما أنها إشارة للمجتمع الدولي بأن أي صفقة حول سوريا في المستقبل يجب أن تكون بمشاركة إيرانية.

خلال المحادثات والتي جرت مؤخراً في بغداد بين القوى العظمى وإيران، رفضت الولايات المتحدة إقتراحاً إيرانياً لإضافة سوريا والبحرين لجدول المباحثات على الرغم من أنه من المفيد متابعة هذا الإقتراح في جولة المباحثات القادمة في موسكو.

مراراً وتكراراً أكد المسؤولون الإيرانيون على الحاجة لحل سياسي للأزمة السورية كما حاولت إيران التواصل مع جماعات مختلفة في المعارضة السورية وبينما لايزال المجتمع الغربي يبحث عن حل سياسي في سوريا فمن الممكن أن لدى إيران بعض الأفكار حول كيفية تحقيق ذلك.

راند سليم : باحث مساعد في مؤسسة أمريكا الجديدة وباحث في معهد الشرق الأوسط.

 

 

 بلال صعب: لا تعيدوا التجربة اليمنية

 في محاولة لحل الأزمة السورية، يبدو أن الولايات المتحدة وروسيا تناقشان حلاً دبلوماسياً، يشبه نقل السلطة السياسية الذي عملت عليه الولايات المتحدة في اليمن، والذي يضمن رحيل الرئيس بشار الأسد وعائلته وربما بعض مساعديه المقربين ولكن دون المساس بنظامه. فلنوفر على واشنطن وموسكو عناء التفكير بهذا الخيار، المعروف في الدوائر الدبلوماسية بالـ”الحل اليمني”: إنها فكرة سيئة جداً لن تؤدي إلّا إلى زيادة الأمر سوءاً.

أولاً، هذا الاقتراح، ولو أنه يحتوي على تعديلات وشروط تضمن مستقبلاً ديمقراطياً لسوريا، كان يمكن تنفيذه في الأسابيع الأولى من الثورة، ولكن أصبح الوقت متأخراً بعد 14 شهراً وأكثر من 13000 قتيل. سفك الدماء أصبح مبالغاً به، ويجب أن يُحاسب الأسد. أي نظرية تقول أنه ليس مسئولاً أو أنه لم يأمر بحملة القمع الهمجية تلك هي كلام فارغ. الأسد هو رأس النظام السوري – وكما نعلم – إنه وبعض أفراد عائلته المسئولون عن جميع القرارات الهامة بما فيها إدارة الحملة على الثورة.

ثانياً، يجب استشارة الشعب السوري أولاً بشكل رئيسي. هناك فرق بين أن نوقف المجزرة ونساعد الشعب السوري وأن نوقفها دون إعطاء أي اعتبار لتطلعات الشعب السوري على المدى البعيد. من قال أن الشعب السوري سيقبل ببقاء نظام إجرامي ارتكب بحقهم يومياً مجازر فظيعة؟ بالطبع، أن يعرف الشعب السوري كيف يحقق أهدافه المتمثلة بالحرية، والأمان، والرخاء تحدّ صعب. المتحدثون باسم الشعب السوري – المعارضة السورية – بالكاد متفقون أو متحدون. قد لا يكون هناك اتفاق أو إجماع بين السوريين حول طريقة التحرك. مع ذلك، هناك فكرة خاطئة بين القوى الأجنبية بأن يضعوا خطة لمستقبل شعب يريدون إنقاذه دون أن يقبل بخطتهم.

ثالثاً، الخطة التي يفكرون بها لا أخلاقية. على الدبلوماسية أن تسعى لإيقاف العنف في سوريا، ولكن بالتأكيد ليس على حساب العدالة. إن التاريخ يقول أن الدبلوماسية تكون بأقصى فعاليتها عندما تكون عادلة ونابعة من الأخلاق. من حق الشعب السوري، مثل نظيره المصري، أن يرى حاكمه المستبد يقف أمامه ويُعاقب على جرائمه. فبدون عدالة، لا يمكن أن يكون هناك مصالحة، وبالتالي فإن أي نظام سياسي يحفظ نظام الأسد بعد رحيله هو وصفة لنزاع مستمر. لكي يحظى الشعب السوري بفرصة ليتعافى، يجب على جميع الطوائف ومنظمات المجتمع المدني أن تتحد ليبنوا معاً مستقبلاً أفضل.

إن الحفاظ على نظام قمعي أقلّي تعني أن  يحافظ العلويون على سيطرتهم السياسية على الآخرين، ذلك خيار يضمن عنفاً طائفياً متزايداً وإقصاءً أكثر للطائفة السنية التي تمثل أغلبية المجتمع السوري. قام الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح بشخصنة الدولة في بلاده، إلّا أن الأسد ليس هو المشكلة الوحيدة في سوريا. إنه النظام الفاشي الأمني الذي بناه البعثيون في عام 1963 وغيره حافظ الأسد والد بشار في 1970. إن سوريا بحاجة لقادة جدد، ولكنها أيضاً بحاجة إلى نظام جديد وهوية جديدة ودور جديد في المجتمع الدولي.

رابعاً، هل اتصل أحد ما ببشار وسأله إذا كان يريد أن يتعاون؟ أخذاً بعين الاعتبار التحالف بين دمشق وموسكو، قد يعتقد المرء أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصل بنظيره السوري وسأله عن شعوره نحو أن يحزم حقائب عائلته مقابل حياته. حتى لو فعل الرئيس الروسي ذلك، هناك سبب لأن نعتقد أن الأسد سيرفض هذا العرض وهو بسيط: إنه يعتقد أنه ينتصر. سوف يواجه نظامه تهديداً أمنياً وسياسياً، ولكن رغم استلام الثوار لكم أكبر من الأسلحة المتطورة مؤخراً من الدول المجاورة، إلّا أن موازين القوى لا تزال تميل في صالح النظام.

يمكن للمرء أن يتفهم لماذا تريد روسيا الحل اليمني لسوريا. موسكو ليست بحاجة الأسد ليحافظ على مصالحها الاستراتيجية  في سوريا والشرق الأوسط. جل ما تريده هو حكومة سورية تسمح لها أن تستخدم ميناء طرطوس للدخول إلى البحر المتوسط، وتشتري الأسلحة الروسية، وتبقي على العلاقات التجارية. يمكن التخلص من الأسد طالما يبقي خلفاؤه على مسار العلاقات مع روسيا.

كيف يمكن للولايات المتحدة حتى بأن تفكر بهذه الاستراتيجية للخروج من الأزمة، حيث أنها لا تحل أسباب الانتفاضة ولا تحاسب أحداً كمسؤول عن حملة القمع؟ إن مستوى الخطورة في سوريا أعلى من أن تذهب بحلول رخيصة، خاصةً عندما تكون الحلول المطروحة تجعل الأمور أسوأ وتقود إلى نفس العواقب الغير مرغوبة التي حذرت منها شخصيات رسمية أمريكية: حرب أهلية واسعة تبتلع أجزاءً من الشرق الأوسط، وأكثر من ذلك ازدياد الأصولية الإسلامية في المجتمع السوري التي قد تفتح أبواباً للقاعدة، وجواً عنفيّاُ وفوضوياً عاماً قد يؤدي إلى خسارة أسلحة كيماوية – يُعتقد أن النظام السوري يمتلكها – أو حتى استخدامها وربما الأمرين معاً.

حققت مهمة كوفي عنان المدعومة من الأمم المتحدة هدفها بفضح النظام السوري أمام العالم. لكن ذلك كان أكثر ما يتوقعه أي أحد لهذه المهمة بشكل واقعي. على الولايات المتحدة الآن أن تسعى لمحادثات صارمة وصفقات مع روسيا لإيجاد حلول تحترم آمال مصالح الشعب السوري – لا حلّاً قصير المدى يخون الشعب السوري ويقوّض المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

لقد حان الوقت لمفاوضات حقيقية وجديّة في روسيا ليس فقط في شأن سوريا ولكن في عدة أمور في الشرق الأوسط التي فيها مصالح للبلدين. لكن البديل اليمني ليس الحل.

بلال صعب، زميل زائر في معهد مونتري للدراسات الدولية

 

 

أندرو ج. تابلر: اقطعوا شرايين الحياة للأسد

إن مجزرة الأسبوع الماضي في بلدة الحولة السورية، التي راح ضحيتها أكثر من 100 مدني، دعت إلى التشكيك في حكمة واشنطن التقليدية، التي تقتضي بأن التدخل سيجعل الأمور أسوأ على الأرض. فتجاهل الرئيس بشار الأسد في مطلع شهر نيسان، للمهل التي حددتها الأمم المتحدة لسحب القوات من المناطق المأهولة وتطبيق إيقاف إطلاق النار، ساهم في إضعاف ما بقي له من مصداقية.

رغم ذلك، فبدون الدور القيادي للولايات المتحدة، ليس هنالك أمل بدعم الدول العديدة ذات المصالح في سوريا، لحل التفاوض. والسبيل الوحيد لقبول روسيا بالمساعدة على إجبار نظام الأسد بالتنحي “كما طالب البيت الأبيض”، هو تيقن موسكو أن النظام (نظام الأسد) بات في مراحله الأخيرة وأن مصالح روسيا في الشرق الأوسط باتت على المحك، وأن أي تدخل تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، عاجلاً و ليس آجلاً، سيساعد في تسريع هذه العملية. ولكن السؤال كيف ومتى. فأكثر من العزلة الدبلوماسية القائمة، ولائحة العقوبات على صادرات النفط السوري وغيرها من العقوبات على شخصيات و كيانات نظام الأسد، يمكن تطبيق عدد من التدابير التي بمقدورها في المدى القريب إضعاف قبضة الأسد على السلطة. هذه التدابير مفصّلة هاهنا بالترتيب من أقلها مباشرة إلى أكثرها:

1. تقديم المزيد من الدعم للمعارضة السورية في الداخل: تقوم إدارة أوباما بتزويد المعارضة السلمية في سوريا بمساعدات غير مميتة. هذه المساعدات يمكن أن تمتد لتشمل كافة قوى المعارضة ، بما في ذلك تزويدهم بالمعلومات الاستخباراتية الهامة عن أمن النظام و تشكيلاته العسكرية المتوجهة إلى المدن و القرى. حيث إن العمل مع هذه الجماعات سيعطي الولايات المتحدة الفرصة لفهمهم بشكل أكبر، وتقدير إمكانياتهم، و بناء أواصر الثقة، وقد تتطور إلى تخصيص مساعدات عسكرية حسب ما يحتاجه الصراع.

2. تشجيع الأكراد و القبائل العربية شرقي سوريا على مساندة الثورة: عمد نظام الأسد إلى تقسيم فرقه العسكرية الأكثر موثوقية إلى ألوية بينما يستمر في لعبة “اجتز الخلد” المميتة مع المعارضة السورية. ومن سبل استنزاف قوات الأسد والتعجيل بزوالها هو توسيع رقعة الثورة السورية إلى شرقي سوريا، التي تقع تحت سيطرة الأكراد و القبائل العربية. فهم يقبعون في مناطق سوريا المنتجة للنفط والغاز. حيث أن عمليات تخريب خطوط الأنابيب و غيرها من المنشآت ستحد بشدة من قدرة النظام على المناورة. ومن خلال المناقشات المبدئية مع شخصيات تمثل هذه المجتمعات (الأكراد والقبائل العربية)، أعربوا عن اهتمامهم بتوطيد علاقتهم بالجيش السوري الحر، الذي مازال ناشطاً شرقي سوريا. آن الأوان لاتخاذ الخطوة التالية.

3. مساعدة الدول المجاورة لسوريا على تأمين مناطق آمنة ضمن أراضيها: تشير الإحصائيات الرسمية، أن الحدود السورية المشتركة مع كل من تركيا و لبنان و الأردن تحتوي على 70,000 شخص مهجّر، ومما لا شك فيه أن الإحصائيات غير الرسمية تشير إلى أعداد أكبر بكثير. حيث بإمكان واشنطن مساعدة هذه الدول الثلاث على إنشاء مناطق آمنة واقعياً، تكون بمثابة نواةُ لتدريب و تجهيز جميع جوانب المعارضة السورية، بما فيها الجانب العسكري. وهذا احتمال مشروع بالنسبة لتركيا والأردن (مع دعم الولايات المتحدة)، إلا أنه تحوم الشكوك حول جدواه في لبنان نظراً لنفوذ حزب الله. كما يمكن توظيف المناطق السنية و الكردية في العراق كمناطق عازلة مستقبلاً.

4. المساعدة على تأسيس مناطق عازلة ضمن سوريا: فور تأسيس المناطق الآمنة ومناطق الانطلاق في تركيا والأردن، من الممكن توسيع هذه المناطق لتمتد إلى الأراضي السورية من أجل حماية المدنيين و تمكين المعارضة السورية من العمل بحرية ضمن الأراضي السورية. تركيا بدورها، بدأت بالفعل بوضع خطط طوارئ تفصيلية لتأسيس منطقة أو مناطق مماثلة، كوسيلة للتعامل مع تدفق اللاجئين، ولمنع المسلحين الأكراد، الذين يتحلون بدعم نظام الأسد، من الدخول إلى تركيا و تنفيذ هجمات عليها. إن تأسيس مناطق كهذه يتطلب التزاما عسكرياً طويل الأمد من تركيا وحلفائها، ولن يكون تحمل هذا ممكناً دون مساعدة الولايات المتحدة.

5. فرض مناطق حظر أسلحة قبالة الساحل السوري: إن إيران وروسيا يمدان علناً النظام السوري بالأسلحة، وهذا ما يجب إيقافه. بإمكان الولايات المتحدة وحلفائها فرض منطقة حظر أسلحة بحرية على طول الساحل السوري على غرار الدوريات الدولية التي تعترض شحنات الأسلحة المتجهة إلى لبنان، والتي ستؤول لحزب الله. إلا أن هذا الخيار يتطلب قراراً من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة – وهو ما قد تعترض عليه روسيا غالباً باستخدام حق الفيتو (Veto). وهناك طريقة ممكنة حول ذلك عبر فرض حظر بحري و/أو جوي على سوريا بدعم شرعي من الجامعة العربية، على غرار الشرعية التي أضفتها منظمة الدول الأمريكية على إجراء مماثل خلال أزمة الصواريخ الكوبية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو، ما الذي سيحدث إن تصدت روسيا و إيران له.

فيما يتطور الصراع في سوريا بشكل مأساوي، قد تضطر واشنطن إلى تنفيذ ضربات جوية دقيقة أو إجراءات مماثلة لمنع قوات النظام من استهداف المدنيين. وفي حال نجاح هذه الضربات بإسقاط النظام، فإن على واشنطن وحلفائها تجهيز قيادة بديلة من ضمن المعارضة السورية المشتتة. إن الصراع هو الثابت الوحيد في سوريا في المستقبل المنظور. لكن ليس بالضرورة أن يولد هذا الصراع حرباً أهليةً شاملة، حيث اجتمعت المعارضة على الأرض على أمر واحد، ألا وهو رحيل الأسد بأي ثمن. والسؤال هو كيفية تحقيق ذلك.

أندرو ج. تابلر هو أحد كبار الزملاء في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى و مؤلف في عرين الأسد: رواية شاهد على صراع واشنطن مع سوريا.

 أندرو اكسوم  Andrew Exum: تقييد أسلحة الدمار الشامل

ليس هناك ما يدعو لتوقع حل سريع للصراع السوري. ففي الوقت الحالي,  تتمتع قوات الحكومة السورية بميزة هائلة سواء من حيث القوة البشرية أوالمعدات, السبب الذي يدعو النظام لعدم أخد احتمال سقوطه بعين الاعتبار.  إن الأقلية العلوية- التي تخشى من فقدان قوتها السياسية والعسكرية- لديها دوافع قوية للقيام بدور المفسد في أي تسوية سياسية محتملة.

وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة عاجزة. إذ يتوجب على إدارة أوباما الضغط من أجل التوصل إلى حل للصراع, وتحقيق المزيد من الحرية والعدالة للشعب السوري دون أن تغرق سوريا في حرب أهلية. والعمل مع مجلس الأمن الدولي وأصدقاء سوريا, وفريق الاتصال الذي أُنشئ لمساعدة المعارضة السورية. يجب على الولايات المتحدة أن تستمر في نشر أعمال النظام الوحشية, ومحاولة لتوطيد لاحتواء وتماسك المعارضة السورية, وممارسة الضغوط الدولية على رؤوس النظام للترويج لعملية الانتقال السياسي عن طريق التفاوض بين المعارضة والحكومة السورية.

ففي الوقت الذي تقوم فيه وزارة الدفاع الأمريكية بإعداد خطة طوارئ عسكرية, بدون معارضة سورية متماسكة, و دون تفويض دولي, واستراتيجية قابلة للتطبيق لتحقيق النجاح, ينبغي على الولايات المتحدة ألا تتسرع في اتخاذ خطوة كهذة، ففي ظل الظروف الراهنة, فإن التدخل العسكري في سوريا, كما قال مارك لينش Marc Lynch في مجلة السياسة الخارجية Foreign Policy بأنها “تحدث تغييراً ولكنها لا تضع حد لديناميكية الصراع الطويل, وتقوم بتوريط الولايات المتحدة بشكل مباشر في تمرد دموي وحرب أهلية”.

بينما تقوم الولايات المتحدة بالعمل على تسهيل العملية الانتقالية, عليها أن تدرك حدود نفوذها على الجهات السورية الفاعلة, والاستعداد لاحتمال نشوب نزاع طويل في سوريا, والعمل على التخفيف من أثار تلك الحرب على مصالح الولايات المتحدة. وهذا يعني احتواء الصراع والحيلولة دون وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان أثناء سعيها إلى حل سياسي. في الوقت نفسه, ينبغي على الولايات المتحدة مواجهة الجهود التي تبذلها الدول الأخرى, بما فيها تلك الموجودة في تحالف مجموعة أصدقاء سوريا (كالمملكة العربية السعودية) التي تعمل على تمكين عملائها بتزويدهم بالأسلحة المتطورة أو استغلال الوضع بطريقة تخدم مصالحها الطائفية أو الوطنية الضيقة.

إن على الولايات المتحدة الشعور بالقلق إزاء نتيجتين محتملتين بما يخص الصراع في سوريا: الإرهاب وانتشار الأسلحة الكيماوية والبيولوجية. إن أعمال العنف التي جرت عام 2007 بين قوات الأمن اللبنانية وجماعة فتح الإسلام الإرهابية والتي كانت بقيادة قادة ميليشيات أُفرج عنهم من قبل السلطات السورية والذي أسفر بدوره عن تهجير ما يقارب 30,000 لاجئ فلسطيني, يمكن أن يكون مؤشراً لنوع العنف الذي قد يمتد من سوريا.  وللتخفيف من امتداد العنف الإرهابي الطائفي إلى لبنان وبقية الدول المجاورة, يجب على الولايات المتحدة تقديم المساعدة الأمنية والدعم الاستخباراتي للدول المجاورة لسوريا كما فعلت عام 2007 بما يتعلق بالأسلحة والتجهيزات بالإضافة إلى الدعم الاستخباراتي. حيث إن الولايات المتحدة على علاقة ممتازة مع أجهزة الأمن في كل من البلدان المجاورة, الأمر الذي سيكون بمثابة رصيد قيّم في حالات الطوارئ.

إن انتشار الأسلحة الكيماوية أوالبيولوجية هو أمر أكثر صعوبة للحد من أثاره. إذ ليس من مصلحة أي من الدول المجاورة لسوريا في عبور هذه الأسلحة لحدودها. ولكن سهولة تهريب الأشخاص والأسلحة أثناء الصراع في كل من سوريا والعراق تثير نقطة هامة عن سهولة اختراق الحدود السورية المشتركة مع كل من لبنان والعراق. وقد حافظت كلا الدولتان على علاقاتها مع نظام الأسد, وينبغي على كل منهما الضغط على النظام لحماية مخزونات الأسلحة الكيميائية والبيولوجية التي يقتنيها. لذا يجب على الولايات المتحدة التعاون مع الأجهزة الأمنية في البلدان المجاورة, وفي الوقت نفسه, لوضع خطة تهدف لوقف انتقال هذه الأسلحة خارج سوريا. إذ أن آخر شيء تحتاجه هذه المنطقة القابلة للإشتعال هو أسلحة دمار شامل خارج السيطرة.

أندرو اكسوم Bruce Jentleson, زميل أول في مركز الأمن الأمريكي الجديد. هذا التعليق هو جزء من تقرير حرر من قبل بروس جينتلسون Melissa Dalton ,ميليسا دالتون  Melissa Dalton, و ج. دانا ستاستر J. Dana Stuster, والذي سينشر خلال شهر يونيو/ تموز.

 المصدر:

مجلة السياسة الخارجية – فورن بوليسي (إف بي)

 ?What the hell should we do about Syria

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s