المفارقة السورية

كتبه آدم ديفيدسون Adam Davidson

22/5/2012

احتاج التونسيون شهراً واحداً فقط من المظاهرات لإسقاط بن علي، بينما أجبر مبارك على التنحي بعد 18 يوماً من الاجتجاجات في مصر. تطلب تغيير النظام في ليبيا فترةً أطول حيث انخرط الثوار هناك في مواجهات دامية مع نظام معمر القذافي لأكثر من ثمانية أشهر قبل أن يتغلبوا عليه. لكن سوريا – حيث بدأت الاحتجاجات في نفس الوقت تقريباً الذي بدأت فيه في ليبيا – لا تزال عالقة في حرب أهلية ضروس، وتبدو نهاية القتال بعيدة جداً.

ببساطة، ثمة سبب واحد لذلك وهو اقتصاد سوريا الذي صُمم لكل الظروف ولكن بطريقة  تمنع تشكيل ائتلاف واسع ضد نظام بشار الأسد. بطبيعة الحال هذه أخبار فظيعة بالنسبة لمعظم السوريين، ولكنها أيضاً تدعونا لإعادة النظر في بعض الأمور التي كنا نعتقد أننا نعرفها عن الثورات – وأهمها أنه يفترض  أن تكون البلدان ذات الاقتصاد المتنوع والتي تحتوي على طبقة وسطى متنامية أكثر قدرة على الإطاحة بالحكام المستبدين من دول مثل ليبيا أو العراق يعتمد اقتصادها اعتماداً كلياً على النفط.

 قبل زيارتي لسوريا في العامين 2003 و 2004، كنت أتوقع أنها مثل كوريا الشمالية مع وجود الأسواق العربية التقليدية. ولكن فوجئت بوجود أحياء فاحشة الثراء في كل من دمشق وحلب – وهما من المراكز التجارية الكبرى. العديد من السكان المحليين يمتلكون السيارات الرياضية، ويرتدون الساعات الفاخرة، ويأكلون في أفخم المطاعم مما جعلني أشعر وكأنني مفلس بالمقارنة معهم. كما التقيت الكثير من السوريين من المهندسين والأطباء وأصحاب المحال التجارية وحتى الفنانين الذين يعيشون في المدن الكبرى الذين كانوا قادرين على تأمين مستوى معيشي لائق. قد لا يكونون أغنياء، لكنهم يعيشون بوضعٍ أفضل ممن التقيتهم من سكان الدول المجاورة مثل الأردن ولبنان والعراق.

الاقتصاد السوري متنوع على غير عادة اقتصادات الشرق الأوسط، الزراعة، التي يشتغل بها تقريباً نصف سكان المناطق الريفية، تسهم بنحو 20 في المئة في الناتج المحلي الإجمالي. بينما يسهم النفط بخمس وعشرون بالمائة. وقبل اندلاع الأزمة كانت مدن سوريا الأثرية القديمة وساحلها الجميل مقصداً للسياح- مجملهم من العرب ولكن بينهم بعض الأوربيين والأميريكيين. وفي حين أنها لم تكن أبداً إحدى الدول الصناعية الكبرى، إلا أن لسوريا قطاعاً صناعياً متواضعاً ينتج الملابس والأغذية المعلبة، والمشروبات، ومؤخراً السيارات الرخيصة. وأخيراً، فإن البلاد تمتلك مخزوناً كبيراً من الفوسفات، وهو معدن يتزايد الطلب عليه في مجال صناعة الأسمدة.

عندما تولى حزب البعث  قيادة سوريا في عام 1963، عمد قادته إلى فرض سيطرة مركزية على الاقتصاد، كما فعل ستالين في روسيا أو ماو في الصين، لكنهم فشلوا.  فالأقلية العلوية ، والتي سيطرت في نهاية المطاف على قيادة الحزب، تتألف بغاليبيتها من مجموعة من سكان القرى الجبلية يعانون          من ضعف التعليم و “لا يعرفون  شيئا عن إدارة بلد أو اقتصاد”، حسب ما يقول جوشوا لانديس Joshua Landis وهو باحث بارز في الشأن السوري و أستاذ في جامعة أوكلاهوما.

و وفقاً لجوشوا لانديس فإن الحكومة الاستعمارية الفرنسية أعطت العلويين دوراً  في الجيش تحديداً لأنه ليست لديهم علاقات وطيدة مع الغالبية السنية في المدن الكبيرة: “لقد كانوا بسطاء لايملكون مجتمعاً تعددياً قابلاً للتطوير.”

هكذا سمح حافظ الأسد، والد الرئيس الحالي، لحفنة من الأثرياء ورجال الأعمال السنة والمسيحيين  أن يستمروا بتشغيل مصانعهم، ومحالهم  التجارية ومطاعمهم. ومع مجيء ابنه بشار إلى السلطة في العام 2000، قام بتحرير اقتصاد البلاد أكثر قليلاً، مما أعطى رجال الأعمال الذين لم تكن لديهم صلات مع النظام فرصة لبدء مشاريعهم الخاصة (على شرط أن يعطوا قسماً من أرباحهم للحكومة). البعض منهم افتتح فنادق فخمة أومصانع صغيرة، والبعض الآخر استورد بضائع مثل معدات المشافي أو قطع غيار السيارات. وبحسب أحد التجار السوريين فإن أي شيء أميركي الصنع كان يحظى بشعبية خاصة.

في عام 2001، سعى بشار لعضوية منظمة التجارة العالمية (التي لا تزال معلقة)، وبعد ذلك بثلاث سنوات، أصبح  لسوريا بنوكها الخاصة لأول مرة. هناك أيضاً سوقاً متواضعاً للأوراق المالية حيث يمكن للسوريون الأثرياء شراء أسهم في بضع عشرات من الشركات ومعظمها من البنوك أو شركات التأمين.

هذا الانفتاح الاستثماري في المدن تزامن مع موجة جفاف استمرت لعدة سنوات، مما جعل الظروف البائسة للمزارعين في سوريا أكثر سوءاً، مما دفع بأولئك الذين لم يتمكنوا من تغطية  نفقاتهم من عملهم في الحقول إلى الانتقال إلى الأحياء الفقيرة في الضواحي المزدحمة أو إلى مدن صغيرة  أكثر فقراً. الثورة بدأت في هذه المناطق حيث تحصل معظم أعمال العنف حالياً.

من الخارج، من الصعب أن نرى كيف يقوم بشار الأسد بإحكام قبضته على البلاد. ففي مصر وتونس تخلت قيادات الجيش عن قادتهم السياسيين عندما رأوا التحالف الذي جمع الطبقة الوسطى في المدن إلى جانب الأثرياء ينضمون إلى المتظاهرين الفقراء في المناطق الريفية.

ولكن في سوريا، فالجيش أكثر ولاءً لزعمائه السياسيين. وعلى الرغم من أن النخبة في المدن السورية  قد لاتكون من المعجبين بنظام الأسد، وعلى الرغم من أنهم يدركون أن الحياة ستكون أفضل في سوريا حين يختفي التضييق على الحريات ويتوقف دعم الجماعات السياسية المتطرفة في لبنان، إلا أنهم يخشون ما سيحصل في فترة الفوضى التي ستلي الثورة.

وبحسب  جوشوا لانديس فإنهم ” ينظرون لسكان الريف ويفكرون ماذا لو انتصرهؤلاء؟ هل سيحترمون الرأسمالية؟ هل سيسمحون لنا بالحفاظ على ثرواتنا؟ أم تراهم سيأخذون منا كل ما نملك بحجة اننا تعاونّا مع النظام خلال الأربعين سنة الماضية؟ انهم لا يعرفون.”

كيفما نظرنا للوضع السوري فإن المستقبل القريب يبدو قاتماً. فالصراع في سوريا تحركه المصالح والمحفزات، بين طرف ليس لديه شيء ليخسره، يقابل طرف يمكن ان يخسر كل شيء، وبعد عام من الآن من الممكن أن يستفحل العنف أكثر في سوريا.

ولكن من الصعب أن نتصور أن ينتهي هذا الصراع باستعادة نظام الأسد السيطرة على البلاد. ما سيأتي بعد ذلك قد يكون قاتماً جداً، ولكن هناك بصيصٌ من الأمل على المدى الطويل. وللمفارقة فإن الشعب السوري محظوظ لأن بلده ليست غنية بالنفط. فالدول الغنية بالثروات النفطية من الصعب ان تتحول لدول ديمقراطية، لأن من يسيطر على مضخات النفط هو من يملك القوة. البلدان ذات الاقتصادات المتنوعة والتي تحتوي على طبقة وسطى تسعى للاستثمار فرصهم أعلى بالتحول لدولة ديمقراطية.

تبدو سوريا اليوم كما بدت بريطانيا ومعظم الدول الأوروبية منذ بضعة قرون. وأيضا كما بدت كوريا الجنوبية واليابان وتايوان، وأكثر من ذلك، الصين كما تبدو مؤخراً، حيث هناك نخبة صغيرة جداً نافذة اقتصادياً ، بينما القسم الأكبر من الشعب هم من سكان الأرياف المعدمين، بالإضافة إلى وجود طبقة وسطى صغيرة, ذات أهمية كبيرة, استمرت في النمو ضمن هذا الوضع على مدى فترة طويلة, وقد بدأت تدفع البلاد باتجاه مزيد من الديمقراطية والمساواة.

على الرغم من ما يبدو عليه الوضع حاليا, فإن سوريا مؤهلة بشكل كبير لكي تصبح مثلاً يحتذى به في الشرط الأوسط.

المصدر

The Syria Paradox

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s