ســوريا والبحث عن الخطة ب “البديل” لما بعد سقوط النظام

إليس لابوت Elise Labott, مراسلة الـ (سي إن إن) للشؤون الخارجية.

31مارس/آذار 2012

 

إن سقف التوقعات منخفض بخصوص اجتماع أصدقاء سوريا في إسطنبول، حيث يجتمع ممثلون عن أكثر من 70 دولة ومنظمة دولية لمناقشة كيفية تسريع الإطاحة بالرئيس بشار الأسد. والسبب بسيط، وهو فقدان الجزء الأهم ألا وهو الخطة ب “البديل”.

لم تخف وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إحباطها من عدم قدرة المجلس الوطني السوري على تقديم رؤية لمرحلة ما بعد الأسد يُجمع عليها جميع السوريين. وقد صرحت كلينتون هذا الأسبوع بأن الولايات المتحدة ستدفعهم وبقوة إلى تقديم رؤية أو تصور كهذا لمؤتمر إستنبول.

لم تكن الوحيدة في ذلك، فقد عبّر العديد من موظفي الإدارة الأمريكية الكبار عن المجلس الوطني السوري بكلمتين “إنه فوضى”.

قد يكون وصف الدبلوماسيين العرب والأوربيين أكثر دبلوماسية، إلا أنه ليس أقل انتقاداً لافتقاد المجلس الوطني السوري إلى القيادة، بالإضافة إلى افتقاره إلى المهارات التنظيمية والأفكار. “الجميع قادة، وذلك بالاعتماد على مع من تتحدث في أي يوم محدد”، يقول أحد مسؤولي الإدارة الأمريكية الكبار. “من الصعب أن تفكر بما نستطيع أن نفعله لنمضي قدماً عندما لا يكون هناك بديل جدير بالثقة”.

دروس وعِبر من العراق

الأهم من ذلك أن المجلس الوطني والمشكل بغالبيته من سوريين بالمنفى، لم يبرهن على أنه يحظى بدعم الداخل السوري. يرى المسؤولون الأمريكيون أوجه شبه لحرب العراق، حيث اعتمدت الولايات المتحدة وبشكل كبير وقتها على المؤتمر الوطني العراقي- مجموعة من المنفيين بإدارة رجل الأعمال أحمد الجلبي- والذي تبين في نهاية المطاف بأنه فاسد وغير جدير بالثقة. عندما سقطت بغداد وحُلّ حزب البعث، تبيّن أن هذه المجموعة لا تملك قاعدة داخل العراق لتعتمد عليها وتُركت إدارة البلاد إلى الولايات المتحدة.

تأمل الولايات المتحدة بأن يتمكن هؤلاء المغتربون تحقيق ذلك. “يخبرونك بأنهم قادرون على ذلك، إلا أن أفعالهم وخلافاتهم تقول عكس ذلك”، يقول جوشوا لانديز Joshua Landisمن جامعة أوكلاهوما- مختص بالشؤون السورية ويكتب بمدونة Syria Comment وهو موقع إخباري يعنى بالسياسة السورية. ويقول لانديز متابعاً “تخشى إدارة الرئيس أوباما من تلاشي المجلس الوطني، أو أن يتم تجاوزه من قبل أطراف فاعلة داخل سوريا وممن على تواصل أفضل مع القوات على الأرض”. لا تريد إدارة أوباما أن يتم توريطها أو استدراجها على نفس الطريق الذي سلكته إدارة الرئيس بوش عندما دعمت المؤتمر الوطني العراقي لتكتشف بعدها أنها لم تحصل على دعم أغلبية المجتمع العراقي.

وقد صرح رضوان زيادة- عضو في المجلس الوطني والمدير التنفيذي للمركز السوري للدراسات السياسية والإستراتيجية في واشنطن- بأن النقد الموجه إلى المجموعة بخصوص افتقادها إلى الرؤية هو نقد غير عادل بالنظر إلى تعقيدات القضية. “نستطيع أن نقدم خطة عامة، ولكن كيف لنا أن نقدم خطة مفصلة ؟”، متسائلاً. “ذلك يعتمد على اللاعبين الأساسيين الذين سينبثقون عن ذلك الأمر، والذين لا نعرفهم بعد. لا نعرف كيف سيسقط النظام”.

التخطيط لليوم التالي لسقوط النظام

ليس هناك عجز في عدد مشاريع التخطيط  لسوريا ما بعد الأسد، فخلال العام الماضي قدمت وزارة الخارجية الأمريكية تمويلاً معقولاً لمبادرة يديرها المعهد الأمريكي للسلام والمسماة بعنوان “اليوم التالي”. تعكف دوائر المشروع على تطوير جملة من التوصيات بخصوص القطاعات الأساسية مثل كيفية إعادة تحفيز الاقتصاد، وترسيخ الأمن، وسيادة القانون وكتابة دستور جديد.

إن المشاركين والذين يضمون سوريين في المنفى، وخبراء تقنيين غربيين، التقوا عدة مرات في أوروبا. وعلى الرغم من أن المجلس الوطني السوري ليس تابعاً لمشروع معهد السلام الأمريكي، لأن القيادة كانت قلقة من المشاركة بمشروع ممول من قبل الولايات المتحدة، فإن أعضاء كثيرين من الجماعة هم مشاركون بمن فيهم زيادة والذي يقول عنه بأنه: “خطوة مهمة” للتخطيط لعملية الانتقال.

ولكن سرعان ما تخلت الخارجية الأمريكية عن المشروع. فقد رأى مسؤولون أمريكيون، بمن فيهم السفير الأمريكي في سوريا والذي خدم بالعراق، أن هناك شبهاً غريباً للمستقبل حول مشروع العراق. على مدى عام كامل كانت قد بدأته الخارجية الأمريكية عام 2002 قبل حرب العراق، وقد جمع هذا المشروع أكثر من مئتي مشارك عراقي بينهم محامين ومهندسين ورجال أعمال وخبراء آخرين ضمن 17 مجموعة تعمل على دراسة مواضيع تتراوح بين إنشاء نظام قضائي جديد وإعادة هيكلة الجيش وتجديد الاقتصاد.

كانت ورقة بحث مستقبل العراق والتي تألفت من 13 فصلاً هي الأخرى ضحية الخلاف مع المجلس الوطني العراقي، وتم تجاهلها إلى حد بعيد خلال التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب، على الرغم من أنها تنبأت بالعديد من المشاكل التي أدت إلى تورط الولايات المتحدة بالعراق لسنوات طويلة.

“تستطيع أن تجد الأشخاص أنفسهم كي ينفذوا نفس المشروع للكونغو أو زيمبابوي”، يقول أيمن عبد النور والذي عمل كمستشار للأسد من العام 1997 وحتى العام 2004، حين اختلف مع النظام وغادر البلد, ويستكمل عبد النور قائلاً: “من سيقوم بتطبيق هذه الخطة بالنهاية؟”.

وكان عبد النور والذي اعتذر عن المشاركة بمشروع معهد السلام الأمريكي قد قال بأن: التخطيط التقني لمرحلة سوريا ما بعد الأسد يجب أن يضم كثير من السوريين من الداخل، والذين يديرون البلد بدل من الاعتماد على تدريبات فكرية من القمة إلى القاعدة.

يرى عبد النور أن العيوب في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع المجلس الوطني السوري تشبه إلى حد بعيد طريقة تواصلها مع المعارضة السورية سابقاً. “المجلس الوطني هو غطاء مهم, ولكنه ليس سوى مكتب استقبال وعلينا أن نستخدمه كنقطة بداية”. هؤلاء الأشخاص كانوا خارج سوريا لسنوات طويلة ولا يعرفون الوضع على الأرض وهذه إحدى المشاكل الأساسية التي نواجهها.

أسامة المنجد, عضو بالمجلس الوطني السوري والذي ساهم بمشروع المعهد الأمريكي للسلام, قال بأن: أغلبية المواطنين لا يستطيعون التحدث حول الغد، وذلك لأنهم قلقين حيال اليوم، وهم الآن في وسط المعمعة، وغير قادرين على رؤية الصورة بشكل أوسع في هذه المرحلة. ليس هناك رغبة لدى أي شخص في خضم ما يجري التوقف عند السياسة السليمة عندما يكونوا مستهدفين”.

 

الوصول إلى الداخل السوري

ومما دفع السوريون على أرض الواقع إلى إعادة التفكير في خطط الولايات المتحدة, إدراكهم أن الأزمة ستستمر لبعض الوقت دون وجود خطة بديلة قابلة للتطبيق في سوريا، وأن هذا يؤدي إلى تأخير سقوط بشار الأسد.
ومن المرجح أن يخرج رئيس سوريا القادم من ميدان المعركة. لأن نظام الأسد لن يسقط إلا بالقوة. وعلى ذلك فإن “هذا السوري الذي سيخرج بعد منافسة شرسة بين زعماء المعارضة داخل سوريا, سيكون قد حاز على ولاء واسع وعلى علاقات خارجية ورؤية إستراتيجية “، كما يقول الكاتب لانديز Landis.

“لن تذهب المكاسب وقتها إلى خريجي هارفارد  أو إلى شخص ما في المعهد الأمريكي للسلام. لا يوجد حزب سياسي أمريكي يقوم بذلك. سيقدمون المكاسب لهؤلاء الذين عملوا لهم وللأشخاص الذين سينتصرون”.
في محاولة لاستخلاص العبر من تجربة العراق فقد استنتج السفير فورد وآخرون إلى أن من في المنفى الآن لن يكونوا قادرين على الحفاظ على فعالية عجلة الاقتصاد، أو القدرة على تشغيل الكهرباء، وإصلاح الدمار في ‘اليوم التالي‘”.”
وبدون التخلي عن المجلس الوطني السوري بشكل كامل، يقول أحد كبار المسؤولين بأن إدارة أوباما قد بدأت في الأشهر الأخيرة برمي شباكها على سوريين قادرين على إدارة سوريا بعد سقوط الأسد. حيث لا يمكن للولايات المتحدة أن تضع كل الكرات في سلة المجلس الوطني السوري.

واقترح أوباما نفسه هذا التحول في وقت سابق من هذا الأسبوع في كوريا الجنوبية بعد اجتماعه مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وقال إن الولايات المتحدة ستبدأ في مساعدة مجموعات المعارضة داخل سوريا. وقال مسؤولون إن المساعدات لن تكون أسلحة، بل إنها ستشمل تأمين معدات اتصالات تساعد قادة المعارضة على أرض الواقع على التواصل بشكل أفضل مع بعضها البعض، ومع العالم الخارجي.

بينما في سوريا، أوجد فورد شبكة من قنوات الاتصال مع المعارضة على أرض الواقع بما أن السفارة مغلقة، وأنه غادر البلاد منذ فبراير/ شباط، ولكنه يعتمد الآن على تكنولوجيا الاتصالات مثل “سكايب” وغيرها للوصول إلى من هم في الداخل. وقد اختتم لتوه جولة في عدة مدن أمريكية للتواصل مع مغتربين سوريين ممن لهم علاقات داخل سوريا.

فريد هوف  Fred Hoff منسق الإدارة الأمريكية لشؤون سوريا بدأ العمل على تمهيد الطريق من خلال مقابلة سوريين حول العالم، ممن على تواصل مع  طبقة “التكنوقراط”, الطبقة ذات التخصصات العالية داخل سوريا، أو الذين غادروا البلد مؤخراً والذين لديهم الخبرة الفعلية والسلطة لحمل الراية خلال عملية الانتقال. من الممكن أن يكون أي شخص من وزير مالية سابق والذي في استطاعته العمل على برنامج لمنع حدوث عمليات نهب، إلى موظف في وزارة الصحة، أو حتى مسؤول عسكري سابق بإمكانه أن يقدّم أفكاراً حول آلية نزع السلاح من الميليشيات.

فورد وهوف يحاولان مضاعفة تواصلهم مع الجماعات المسيحية، ومع مؤسسات الأعمال التجارية، ومع المجالس الثورية داخل سوريا والتي تقوم بتنظيم المقاومة السلمية وتقديم الخدمات للناس، حيث بدأت تصبح وبشكل متزايد الممثل الفعلي للمعارضة السورية.

عمار عبد الحميد الناشط السوري والباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، يحاول أن يردم الهوة بين من هم بالمنفى وبين السوريين على الأرض من خلال جمع مجموعات صغيرة من الخبراء السوريين لوضع أفكار بخصوص عملية الانتقال، ومن ثم يمرر هذه الأفكار إلى جماعات المعارضة السورية على الأرض داخل سوريا، والتي تحاول الولايات المتحدة أن تصل إليها. “ليس لدينا أجندة سياسية ولسنا بصدد طرح خطة. كل ما هنالك أننا نحاول أن نرفع الوعي العام لتسليط الضوء على القضايا التي سنواجهها بعد سقوط الأسد, هناك حاجة لحوار شعبي عام، ونحاول أن نمكن السوريين من القيام بذلك”.

ملهم دروبي, عضو في المجلس الوطني السوري، والعضو في المجلس التنفيذي للإخوان المسلمين، كانت له مشاركة في كل من مشروع معهد السلام الأمريكي ومشروع عبد الحميد. يعتقد الدروبي أن المعارضة على الأرض سوف تقدم بالنهاية البديل الذي تطالب به كل من الولايات المتحدة وآخرون. ولكنه يستدرك قائلاً إن هناك حاجة لمزيد من الدعم للانتفاضة، وأن هذا الدعم هو ما سيقرر من يخلف الأسد، وكم سيكون مدى تأثير المجتمع الدولي على هذا الشخص.

“يجب على بشار الأسد أن يعرف أن العالم هو العمل والتجارة، وهذا ما يعرفه السوريون أيضاً، وأنه كلما طالت مدة الأزمة كلما أصبحت المنطقة أقل استقراراً، وستصبح الحالة أسوأ في المستقبل، أو أن المجتمع الدولي لن يوافق على من سيأتي لأن هذا الشخص سيقول ‘ارفعوا أيديكم. هذه مملكتي‘”.

المصدر

The hunt for ‘plan B’ – planning for ‘the day after’ in Syria

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s