مجازر سوريا: شهادة أحد الناجين حول بابا عمرو في آخر لحظات صمودها

فيفيان والت Vivienne Walt– 8 آذار/مارس 2012

مع نهاية اليوم الحادي والعشرين من شهر شباط/ فبراير, وصلت رسالة إلى قسم الصور لصحيفة التايم في نيويورك، لقد كانت من المصور الفرنسي وليام دانيالز William Daniels يقول فيها بأنه تمكن من تهريب نفسه إلى بؤرة الثورة السورية المستمرة منذ عام – تحديداً إلى حي باب عمرو المحاصر في مدينة حمص، حيث كان متحصناً مع بعض الناشطين المحليين، إلى جانب المراسلة الفرنسية إديث بوفيير Édith Bouvier والمصور الفرنسي ريمي أوشليك Rémi Ochlik والمراسل الإسباني خافيير اسبينوزا Javier Espinosa , فضلاً عن المراسلة الأمريكية ماري كولفين Marie  Colvin   المتخصصة بتغطية الحروب، والمصور البريطاني بول كونروي Paul Conroyاللذان وصلا إلى هناك قبل يوم واحد.

ولقد تسللوا جميعهم إلى البلاد بمساعدة ناشطيين سوريين قاموا بتهريبهم عبر الحدود، معرضين أنفسهم لخطير حقيقي، لاعتقادهم بأنه من الضروري جداً أن تطلع الصحف الغربية على حقيقة هذه الكارثة المتفاقمة.

وشملت هذه الرحلة التمدد عبر نفق يمتد لمسافة 2.5 كيلومتر يمر تحت مواقع اطلاق النار التابعة للجيش السوري. للحظة، شعر الصحفيين بالتشويق والمغامرة – كما يعترف دانيالز الآن –  إذ أنهم كانوا في خضم أحداث واحدة من أهم قصص الأخبار في العالم. ولكن المغامرة سرعان ما تحولت إلى ذعر، وبالنسبة لأولئك الذين استطاعوا النجاة بحياتهم,  فقد تبقى تلك الأيام التسعة تطاردهم لبقية حياتهم.

في الساعة 8:22 من صباح يوم الثاني والعشرين من شهر شباط/فبراير، فتح الجيش السوري النار على المنطقة التي يقيم  فيها الصحافيين. حيث يقول دانيالز البالغ من العمر 35 عاماً: “لقد بدأ القصف قريباً جداً، دوي انفجار تبعه آخر، و عند الإنفجار الثالث، أخبرنا السوريون الذين كانوا معنا “بضرورة الخروج”.

ركض كلاً من كولفين وأوشليك خارج مخبأهم المؤلف من غرفتين لالتقاط أحذيتهم عند المدخل كي يتمكنوا من الفرار.

وسط حالة الفوضى هذه، اتخذ دانيالز قراراً سريعاً ومختلفاً، حيث قرر الوقوف على الأقدام على يمين المدخل الخشبي للغرفة، و وضع جسده على الجدار الداخلي، إذ إن الفعل الإنعكاسي من شأنه أن ينقذه. في الوقت نفسه، قفز اسبينوزا إلى يمين المدخل.

في الليلة السابقة، قام كلٍ من دانيالز وكونري باستطلاع مكان إقامتهم – و هو عبارة عن مركز إعلامي ميداني يعتبر ملائماً لاحتوائه على شبكة الإنترنت – وقد استنتجا أن الباب الخشبي البسيط لن يتحمل أي انفجار. ولكن عندما وقع الانفجار، وجد كونري نفسه في ممر المدخل، جنباً إلى جنب مع بوفيير.

في تلك اللحظة، انفجرت قذيفة صاروخية في الجزء الأمامي من المبنى، مما أسفر عن مقتل كلاً من كولفين وأوشليك على الفور، وامتلأ الجو بالغبار. في خضم هذه الفوضى، سمع دانيالز صراخ بوفيير: “وليم, وليم! لا أستطيع التحرك”، حيث  كانت قدمها اليسرى ملتوية، فقام بسحبها من كتفيها، و كانت تعاني من نزيف حاد.

ترنح دانيالز في طريقه إلى المدخل بينما كان يحمل زميلته. وبينما كان ينظر إلى الأسفل، رأى صديقه أوشليك, ذو الثمانية والعشرون ربيعاً فقط، ملقاً على الأرض مفارقاً الحياة، ثم قال لاهثاً لبوفيير “إديث، ريمي لن يكون معنا بعد الآن”.

اختبأ الصحفيون والسوريون المتواجدون في المنزل لمدة 10 دقائق في الحمام – أكثر الأماكن أمنا ً- وهم ينزفون ويرتعشون، إلى أن وصلت سيارة لإخراجهم من هناك. سارع الناشطون السوريون الغاضبون لأخذهم إلى عيادات ميدانية متنقلة،حيث أعلن الطبيب، وهو منشق من جيش الرئيس بشار الأسد، بأن بوفيير بحاجة إلى عملية جراحية نتيجة كسرين في عظم الفخذ.

لقد كان من المستحيل إجراء هذه العملية في ظروف الحرب هذه التي يعاني منها حي باب عمرو المحاصر في حمص. كما كان من المستحيل أيضاً الفرار باستخدام النفق الذي جاؤوا منه، ذظراً لحالة بوفيير التي لم يكن باستطاعتها المشي، ونقلها بالسيارة يشكل خطورة كبيرة على سلامتها. وكان كونري مصاباً في بطنه بالإضافة إلى جرح كبير في الساق، ولكن من الممكن نقله بسهولة.

قام الطبيب بإعطاء بوفيير حقنة مورفين, وساعد الصحفيين بالعثور على ملجأ جديد، حيث كان عبارة عن غرفة ذات نافذة واحدة صغيرة محاطة بمنازل ذات ثلاثة طوابق، ولا يمكن رؤيتها من الشارع.

لقد كان إيجاد قوة ضاغطة يشكل ضرورة قصوى لتجنب الجلطات الدموية في ساق بوفيير. حيث ذكر دانيالز أنه “كان علينا إيجاد العديد من الأشياء لتثقيل ساقها إلى الأسفل. فأخذنا ستة أكياس من المحلول الملحي وقمنا بربطهم بقدمها”.

 لقد تم تخصيص اثنان من الناشطين المدربين على الإسعافات الأولية لرعاية كلاً من بوفيير وكونري بالتناوب كل 12 ساعة، ويقومون بحقن بوفيير بمسكن ألم وأخيراً توجيه دانيالز حول كيفية التعامل مع الحقن.

لقد كان كلاً من دانيالز و بوفيير و اسبينوزا وكونري محاصرين في ملجأهم الذي لا تدخله الشمس، لقد جلسوا يستمعون يوماً بعد يوم من الساعة 6 صباحاً حتى 6 مساءً إلى صوت الصواريخ والإنفجارات في الخارج، مع هدوء مؤقت فقط حينما يحين موعد صلاة الظهر. وكان أقرب مكان مزود بخدمة الانترنت يبعد حوالي 10 دقائق مشياً على الأقدام محفوف بالمخاطر في أنحاء بابا عمرو.

ولكن الصحفيين قاموا بتسجيل شريط فيديو، وسلموه إلى أحد الناشطين لرفعه على موقع اليوتيوب ونشرها في جميع أنحاء العالم، وأظهر التسجيل كلاً من دانيالز, كونري وبوفيير وهم يناشدون اللجنة الدولية للصليب الأحمر للقيام بإجلائهم.

 لقد بدوا متفائلين بشكل يدعو للاستغراب. قالت بوفيير ذات الشعر الأسود المجعد والإبتسامة العريضة ” كنا سعداء لمجرد قدوم الناس لرؤيتنا”، وأوضح دانيالز “بدت إديث متألقة لأن تلك هي شخصيتها، إنها تبتسم كثيراً وتحب التحدث إلى الناس”.

على الرغم من مظهرهم الهادئ, ومع كل ساعة تمر، كان مصيرهم يبدو عامضاً بشكل متزايد، فقد كان الجيش السوري يقترب، وأصوات الانفجارات تتعالى.

“كان هناك صوت أزيز أمامنا مباشرةً وفوق رؤوسنا، لقد كانت تدفعنا إلى الجنون إذ كنا قادرين على سماعها فوقنا كل الوقت، كل الوقت. لقد أردنا قتل هذه البعوضة الصغيرة وكنا نحلم باستخدام بخاخ لقتل البعوض.” كما يقول دانيال.

كان النظام يُضيق الخِناق على بابا عمرو وقد صمم على سحق ما أصبح معقلاً للجيش الحر. وكان دانيال قد قرر عدم التخلي عن بوفييه. يقول دانيال أن باله كان مشغولاً كلياً باحتمال أنها قد قد تفقد ساقها “سيطرت عليّ ثلاث أفكار وقتها، وهي إنقاذ  ساق إيديث، وإحضار بعض متعلقات ريمي الشخصية لعائلته والخروج من هناك” كما يقول.

لم يكن ثمة طريق سهلة للخروج من هناك، ظروف المعيشة كانت تتدهور وكان الجيش السوري قد قام بتدمير خزانات المياه على الأسطح وهكذا إنقطعت المياه بعد أيام قليلة، كما أن الضوء الوحيد كان ضوء الشموع ومصابيح الكاز. قام الأهالي بتزويدنا بأغطية و وقود للتدفئة من شدة البرد القارس،  كان مخزون الطعام في تناقص حاد، ففي أحد الأيام كان كل ما حصلوا عليه هو صحن أرز.

كان سكان بابا عمرو ودودون إلى حد يفطر القلب، وكانوا يقومون بتزويد الصحفيين بالحلويات والسجائر حتى أنهم كانوا يبحثوا عن سجائر وينستون المستوردة ليقدموها لضيوفهم.

في تاريخ الرابع والعشرين من شهر شباط/فبراير، كان هناك هدنة لمدة ساعتين، ما أتاح الفرصة لدانيال وإسبينوزا لإسترجاع بعض مقتنياتهم من مخبئهم الأول والذي كان قد تعرض للقصف، وقد أخذ دانيال بعض البطاريات من حقيبة صديقه المتوفى ريمي أوشليك، كما أنه أخد محفظة أوشليك وكمبيوتره و جواز سفره وكميرا محطمة “بدا شكلها كزهرة الملفوف”، حسب وصف دانيال.

” كنت أنا وخافيير خائفين من أن هذا قد يغضب عائلته كثيراً ولكني كنت مدرك أن عليّ أن أحضر أغراض ريمي لعائلته ولصديقته”.

كانت الفرصة متاحة خلال فترة وقف إطلاق النار ليتمكن دانيال من إلتقاط صور  للدمار في حي بابا عمرو وكان قد ذهب لرؤية جثتي كولفين وأوشليك في مشرحة ميدانية قام الأهالي بتجهيزها في شقة مجاورة وقد كتب على جثامينهم بالعربي ” رجل” و “إمراة ” لتمييزهم  وقد قام دانييل بكتابة أسمائهم بأحرف كبيرة خشية أن تضيع الجثث في هذه الفوضى. بعد ثلاثة أيام قام العاملون بالمشفى بدفن الجثتين بعد أن نفذ الوقود اللازم لتشتغيل البرادات.

مع الوقت، عاد دانييل إلى بوفييه بعد وقف إطلاق النار ليجد هناك خمس سيارات إسعاف تابعة للهلال الأحمر الذي تديره الحكومة السورية قد توقفت قريباً من من مخبئهم.

” نحنا لسنا هنا من اجلكم, نحن هنا من أجل إجلاء الجرحى السوريين” كما قال أحدهم لدانييل “الصليب الأحمر خارج بابا عمرو على بعد 500 متر من هنا وتستطيعون التحدث إليهم”.

 إستعار دانيال لاسلكي سيارة الإسعاف وتحدث إلى ممثل الصليب الأحمر في سوريا مارين غاسر قائلاً ” أخرجونا من هنا ” وقد جاء الرد متقطعاً ” لا تقلق نحن نتفاوض من أجل الوصول إلى بابا عمرو وكل شيء سيكون على مايرام”.

مضت دقائق، عرضت سيارات الإسعاف السورية أن تخرج دانيال والبقية خارج بابا عمرو ولكن كان عليهم أن يمروا أولاً عبر قوات الأمن وهذا مايعني أن يذهبوا بأقدامهم للاعتقال. على اللاسلكي، أكد غوسر لدانيال أن إحدى سيارات الإسعاف سوف تبقى معهم في حين عادت سيارة أخرى تحمل ممثل الصليب الأحمر، عندها قال أحد المساعدين الطبيين السوريين بشكل مفاجئ ” لدينا أوامر تقضي أن علينا أن نغادر الأن” وقد ناشدهم دانيال بشكل يائس ” لا يمكنكم أن تتركونا هكذا”.

“سوف نقلكم لاحقاُ، علينا أن نغادر الأن” قال أحدهم وهو يغادرهم.

بعد قليل قامت قوات الأمن بإطلاق عدة صواريخ وقد بدا أنهم كانوا يستهدفون مخبأ الصحفيين بشكل مباشر.

“هنا صاروخ وهنا آخر” يقول دانييل وهو يشير إلى خريطة رسمت يدوياُ بينما يروي قصة ما حدث. لقد كُشِف الصحفيين وأصبحوا الأن أهدافاً سهلة المنال.

بعدما لقي كلاً من كولفين وأوشليك مصرعهما في الإنفجار الذي استهدفهما، يعتقد دانيال الآن أن الجيش السوري أستهدفهم بشكل مقصود. لقد توالت الإنفجارات لساعات خلال الليل وحتى الصباح.

” لقد كنا خائفين حقاً” يستطرد دانيال قائلاً وهو يتنفس الصعداء. على الرغم من المخاطرة بأنهم قد يعتقلوا أو ما هو أسوأ من ذلك فقد تلقوا تعليمات من السلطات الفرنسية تقول بأن عليهم بأن يغادروا بأسرع وقت ” لقد قررنا أن نغادر مع أول سيارة إسعاف تصل إلينا ولكن أياً منها لم يصل”.

في صبيحة يوم الأحد 25 فبراير/شباط، كان الجيش السوري قد وصل إلى أطراف حي بابا عمرو وكان على وشك أن يحطم خطوط الدفاع. كان الوقت يمضي بسرعة وقد قرر الرفاق الأربعة الهروب بالطريقة ذاتها التي جاؤوا بها من خلال نفق يمتد لأكثر من 2.5 ميل. قاموا بتثيت بوفييه إلى حمالة وقام أربعة سوريين بالتناوب على حملها ثنائياً. ولكن النفق والذي كان عبارة عن قناة لجر المياه لم يكن عالياً وكان عليهم أن يمشوا منحنيين حاملين معهم أمتعتهم الثقيلة وقد تعثروا كثيراً وهم يمشون خلف كونروي وإسبينوزا والذين كانوا بالمقدمة مع مجموعة من الناشطين السوريين. كثيرون ركبوا على دراجات نارية وهي الوسيلة التي تستخدمها المعارضة لنقل الإمدادات للمناطق المحاصرة ولنقل المصابين خارجها. وفجأة كان هناك إنفجارات، لقد هاجم الجيش نهاية النفق البعيدة وقد فرّ الناس وهم يصرخون.

في الظلام وجد دانيال نفسه وحيداُ مع بوفييه متعبين وخائفين. أخيراُ اقترب أحد الثوار منهم وهو يتمتم ” لا مشكلة لا مشكلة ” ثم وضع  بندقيته على جسد بوفييه و ركض, في البداية أعتقدنا أنه ذهب ليحضر المساعدة ولكن تبين بعد ذلك أنه هرب.

في العتمة الموحشة توسلت بوفيبه لصديقها قائلة علينا أن نتحرك من هنا. كان دانيال يعتقد أن بوفييه ثقيلة جدًا. حاول جاهداُ أن يحافظ على هدوئه وحاول أن يسحب الحمالة ولكنه لم يستطع تحريكها وعندها سمع صوت دراجة نارية ورأى ضوءاً خافتاً فركض باتجاهها طالباً المساعدة ثم قام هو وسائق الدراجة بوضع بوفييه على الدراجة النارية بعد تحريرها من الحمالة، وجلس دانيال خلفها وانطلقوا عبر الظلام عائدين الى حصار بابا عمرو وقد سقطوا عدة مرات وفي أحد المرات ارتطم رأس بوفييه بقوة بسقف النفق.

مرة أخرى وجدو نفسهم في مخبأهم ذو الغرفة الواحدة وقد حذرهم الناشطون بأن الجيش سيشن هجوماُ عند الفجر،  وماهو اسوأ من ذلك هو أن حالة ساق بوفييه كانت تتدهور. هذه المرة قال الطبيب أنها بحاجة لعملية للحفاظ على قدمها والتي كانت قد لفت بالجبس قبل عدة أيام ثم قام بزرع مسمار معدني في ركبتها وبعدها نام الأثنان بشكل متقطع خلال الليل وهم يستمعون إلى أصوات الإنفجارات قريباً منهم.

في هذه الأثناء، تمكنت كونري من عبور الحدود إلى لبنان كما قام إسبينوزا أيضا مثل كونري بالهروب عبر النفق واستطاع الوصول إلى لبنان بعد عدة أيام. ولكن حوالي ثلاثة عشر ناشط سوري ربما يكونوا قد لقوا حتفهم في الهجوم على النفق.

بعد أن عادوا إلى مخبأهم لم يعد لدى دانيال وبوفييه أية خيارات. مع شروق شمس يوم 27 شباط/فيراير قام أحد الناشطين السورين بوضع خطة هرب أخرى لهم تقضي بأن تتنكر بوفييه بزي إسلامي وتحاول الخروج عبر الطريق الخلفي لبابا عمرو وهي خطة لم تكن مضمونة أيضاً فقد قال الناشط بأن صديقه كان قد قتل قبل يوم في ذلك الطريق ومع ذلك فقد قرر دانيال وبوفييه المحاولة. ركبوا سيارة مع مقاتلين من الجيش السوري الحر وانطلقوا عبر الطريق وقد عبروا مناطق يسيطر عليها الجيش السوري ” لا أستطيع أن أعطي التفاصيل ولكنها كانت مجازفة خطيرة جداً جداً ” يقول دانيال ” لقد كنا خائفين جداً ” .

عندما توقفوا في بيت آمن طغت عليهم رائحة الطعام الشهي. هناك استحموا وحصلوا على ملابس نظيفة كما أراد الجميع أن يتصوروا مع بوفييه والتي أصبحت مشهوة في سوريا بسبب مقاطع الفيديو على اليوتيوب. ” لقد كانت مثل أيقونة الثورة” يقول دانيال ضاحكاً.

لقد كانت لحظة سعيدة لأول مرة بعد خمسة أيام. بعد يومين أخبرهم مرافقيهم من عناصر الجيش السوري الحر أن الطريق آمنة ليتابعوا المسير وقد أمضوا ليلتهم الثانية في بيت آمن آخر أيضاً قبل أن يعبروا الحدود إلى لبنان عن طريق ممرات التهريب في وقت متأخر من يوم الخميس وقد أضطروا أن يمضوا ليلتهم الأخيرة في سوريا بانتظار انتهاء العاصفة الثلجية. لقد استغرقت رحلتهم أربعة أيام ليسافروا 25 ميل وبعدها تم نقلهم بواسطة سياة إسعاف إلى المشفى الفرنسي في بيروت وفي الطريق قاموا بتشتغيل موبايلاتهم وأرسلوا رسائل الفرح إلى أصدقائهم. ” لقد نجونا ” يقول دانيال وهو يضع رأسه بين يديه ويبكي كما لو أنه يعيش التجربة كلها في هذه اللحظات.

في المساء التالي- بعد تسعة أيام على مقتل كولفين وأوشليك، وصل دانيال وبوفييه مطار فيلاكوبلي العسكري Villacoublay في باريس على متن طائرة فالكون حكومية فرنسية. وقد أشاد الرئيس الفرنسي ساركوزي وهو يتحدث للمراسلين بالصحفية بوفييه وبشهامة مرافقها دانيال الذي لم يتخلى عنها للحظة على الرغم من أنه لم يكن مصاب وكان يستطيع الهرب لوحده.

بعدها بدقائق قليلة خرج دانيال من الطائرة وهو يبتسم ويلوح بيده مرتدياً سترة خضراء وقبعة سوداء ثم خرجت بوفييه محمولة على نقالة وهذه المرة بواسطة ممرضين فرنسيين. لم يسمع دانيال كلمات الرئيس ساركوزي وقد علم بها بعد ذلك بواسطة رسائل نصية من أصدقائه فقد كان مشغولاً بالتفكير كيف يمكن أن يوصل كاميرة أوشليك المحطمة لصديقته. وفي نهاية أخرى أستلم مسؤولي الصليب الأحمر جثماني كولفين وأوشليك من بابا عمرو وقاموا بإعادتهم إلى الولايات المتحدة وفرنسا ليدفنوا هناك.

ولكن دانيال سيبقى قلقاُ، فقبل مهمته في بابا عمرو، كانت أخطر مهمة عايشها في ليبيا خلال الثورة في العام الماضي حيث إنفجرت قذيفة هاون على بعد مئة قدم منه ومن صديقه وزميله ريمي أوشليك.

“حوصرت في بابا عمرو لأيام بعد مقتل أوشليك ” يقول دانيال بأنه عاهد نفسه على أن تكون هذه حربه الأخيرة.

” كنت جالساً هناك مع ريمي الميت وماري الميتة وباول وإديث الجرحى، لقد شعرت بأني وفي حال خروجي من هنا فسوف أتوقف عن عملي هذا ” ثم وبعد أن يتوقف للحظة يعترف بأنه ربما يغير رأيه”.

ولكن وقبل كل شيء فإن ما يقلق دانيال هو أن المعاناة المروعة التي كان هو شاهداً عليها قد تضيع في زحمة التغطية الإعلامية للصحفيين الغربيين الستة. وهو يقول بأنه يشعر بانزعاج شديد وهو يرى أن محنتهم قد استحوذت على اهتمام العالم بينما هناك المئات من سكان حمص تم قتلهم خلال أربعة أسابيع من الحصار ومن الممكن أن يكون الأشخاص الذين تركوهم خلفهم قد ذبحوا على يد الجيش الذي كان يتقدم باتجاهم.

كل شخص قابله دانيال في بابا عمرو فقد شخصاً عزيزاً، أسمائهم المنسية ستنضم إلى قافلة من حوالي 8000 شخص قضوا في الصراع في سوريا وبينما كان أهالي بابا عمرو يعاملون الصحفيين بعناية فائقة، شاهد دانيال وإسبينوزا كيف كان حوالي 150 مدنيا متكدسين بقبو واحد مع الحد الأدنى من الطعام والشراب، يكافحون من أجل البقاء والنجاة من الحصار.

“القصة الحقيقية هي ليست قصتنا .. إنها قصة الشعب السوري” يقول دانيال.

“يجب أن تكتب ذلك، فما عايشناه لم يكن سوى عشرة بالمائة مما عايشه سكان بابا عمرو”

يمكن ان لا يعرفوا أبدأ ماهو الجزاء  الذي سيلاقيه هؤلاء الذين اعتنوا بهم في بابا عمرو، أو ساعدوهم على الخروج من سوريا. أما بالنسبة للناشطين السوريين الذين لقوا حتفهم خلال العملية المرتبكة لإنقاذ الصحفيين الغربيين فعلى الأرجح أن أحداً لن يعرف أسمائهم قبل وقت طويل لأن الكشف عن أسمائهم قد يعرض أشخاص عزيزين عليهم مازالوا في سوريا للخطر.

المصدر

Out of Syria’s Carnage: A Survivor’s Testimony of Bab Amr’s Last Stand


2 responses to “مجازر سوريا: شهادة أحد الناجين حول بابا عمرو في آخر لحظات صمودها

  1. قال الله تعالى : (( وإن إستنصروكم في الدين فعليكم النصر ))
    كم مرة سمعنا وينكم يا مسلمين بحرقة وألم وقولبنا تعتصر ألما فما الحيلة لنا يا ألله فما نجسر أن نقول وقد قال الله وقد قالوا فأين نذهب بهذه الكلمات ولسنا من أهل الإستجابة لهذه النداءات فأرجو أن لانكون من قيل فيهم :
    لقد أسمعت لو ناديت حيا *****ولكن لاحياة لمن تنادي
    أطفال ونساء يقتلون وهتكت أعراضهم وطفلات حوامل وشيوخ ةوعجائز يطلق عليهم النار بدم بارد ولكن :
    رب وامعتصماه إنطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم *** لامست أسماعهم ولم تلامس نخوة المعتصم .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s