أوهام طاغيةٍ محاصر

ديفيد بلير David Blair

12\1\2012

تبدو على بشار الأسد كافة الأعراض الأساسية لمتلازمة وهم الدكتاتورية

هل هو نفسه يصدق ذلك؟ عندما تكرّم الرئيس بشار الأسد على العالم بطرح أفكاره بشأن الأزمة السورية يوم الثلاثاء، أظهر أداؤه الأخرق والهزيل ما يجعله دكتاتوراً بغيضاً ومثيراً للشفقة في الآن ذاته.

ففي معظم أوقات السنة تظاهر مئات الآلاف من السوريين ضد حكمه متحدين رصاص قوات الأمن الوحشية. كيف شرح الأسد أسباب الاحتجاجات؟ قال إن الاحتجاجات جزء من “مؤامرة خارجية” و هي حقيقة “واضحة للجميع” – أو على الأقل واضحة له.

تخضع سوريا الآن لعقوبات الجامعة العربية و الاتحاد الأوربي و تعاني من اقتصاد متعثر (عندما يتفق الاتحاد الأوربي و الجامعة العربية ضدك فهذا يعني أن هناك مشكلة حقيقية). وقد أعرب الأسد أن الوقت مناسب “للتركيز على الصناعات المتوسطة و الصغيرة”. كما وعد جمهوره في دمشق بأن حكومته “ستخلق فرص عمل” قبل أن يضيف قائلاً ” يجب أن يكون لدينا عدالة اجتماعية”.

الأسد الحاصل على شهادة في الطب قد يمثل مثالاً نموذجياً لحالة معينة و لندعوها –متلازمة وهم الدكتاتورية- وهي حالة يعاني منها فئة قليلة من البشر، تلك التي تقود أنظمة استبدادية. ومن أبرز السمات اللافتة لهذه الحالة العقلية هي اتساقها. فالموضوعات التي طرحت في خطاب الأسد طرحت مراراً وتكراراً في كل مرة أُجبر فيها الحكام الطغاة على مواجهة غضب شعوبهم.

اللازمة الأولى والأكثر شيوعاً هي ترديد أن كل الاضطرابات مدبرة من جهات خارجية. فالدكتاتور مبرمج نفسياً ليعتقد بأنه ينعم بحب شعبه الكبير له. وإذا ما توقف يوماً عن التشبث بذلك التطمين الأساسي فإن نظامه سيكون بحق مشروع إجرامي مكرس للنهب و المحافظة على البقاء. لهذا يجب الحفاظ على ذلك الإحساس المريح بالشعبية الطاغية وتعديل الحقائق بما يتناسب معه.

شهد العقيد معمر القذافي مئات الآلاف من الليبين وهم ينتزعون منه السيطرة على مدن بأكملها بينما كانوا يخطّون العبارات القذرة على صورة لوجهه قبل أن يعلن على التلفاز “إن شعبي يحبني!” و أضاف بحركة مميزة بأن “الأجانب” هم السبب الأكيد للتمرد ولتحريض الليبين ضد قائدهم باتباع طريقة جديدة وهي إضافة مواد مخدرة لقهوتهم.

عندما واجه روبرت موغابي أول حزب معارض بارز في تاريخ زمبابوي كانت فكرته الأولية هي إلقاء اللوم على بريطانيا لنشوء هذا الحزب. و ليضيف لمسة خاصة اختار أن يلقي باللوم على توني بلير. ومن زاوية بعيدة من أدغال زيمبابوي أعلن موغابي حين فاز حليف له بانتخابات فرعية هامشية “لقد هزمنا بلير!”.

حتى قائد النظام الثيوقراطي، الذي يعتقد بأنه يقوم بمهمة إلهية لممارسة الحكم، لجأ إلى ترديد اللازمة المريحة. فبالمثل أعلن آية الله خامنئي ، القائد الأعلى في إيران ، بعد أن شهد مسيرة مليونية في طهران تندد بالانتخابات المزورة عام 2009 بأن “الأعداء الخارجيين” هم وراء كل شيء.

إذا كانت القوى الخارجية هي سبب كل الاضطرابات عندها يجب أن تكون أهدافهم هي أبعد من إسقاط قائد معين. وعندها لابد أن يكونوا يتآمرون ضد البلد بحد ذاته. و بذلك فإن الدكتاتور المنعزل يطمئن نفسه باستخدام المصدر التالي من التطمين: إن مصالحه و مصالح الأمة يجب أن تكون واحدة ومتطابقة. التمييز بين الدولة والقائد غير موجود في الحقيقة: فهو الدولة والدولة هو.

و بذلك و صف الأسد اضطرابات السنة الماضية “بالتحدي لسوريا” و أن هدفه هو “الشعب السوري” و “كلنا واحد” في مواجهة هذا الهجوم الضاري. وفي وقوفه أمام جمهوره من المتملقين متعجرفاً رتيباً ينظر بعيون جوفاء، أظهر الأسد أنه قد أبعد أية أفكارٍ مزعجة من عقله. فهو لن يتقبل أبداً الحقيقة الغير مرغوبة والتي تتمثل بأن التحدي هو ضده شخصياً وأن سبب إراقة الدماء هو الصراع بين عصابة الأسد وغالبية الشعب.

هل صدق حقاً هذا الخليط من الوهم وهذا التفكير المتناقض معتقداً أنه تحليلٌ واقعي للأزمة السورية؟ الجواب هو نعم بالتأكيد لأن هذا هو جزء من عقلية الدكتاتور والبديل –أي التعامل مع الحقيقة الصعبة– قد يصل إلى الاستسلام و الخزي.

جميعنا نواسي أنفسنا أحياناً بأفكار غير مؤذية يكون لها تأثير ضئيل على العالم الحقيقي إلا أن أوهام الدكتاتور مؤذية بشكل كبير لأن الأسد يعتقد أن كل الاحتجاجات ضد حكمه هي نتيجة القوى الأجنبية الحاقدة، و بناء عليه فإنه يعتبر أن أي سوري يشارك في المظاهرات خائناً وأن أولئك الذين يتظاهرون ضده يستحقون أقسى معاملة. وأن الطرق المتبعة في مقاومة غزوٍ خارجي يمكن أن تستخدم بصورة مبررة ضد هذا التهديد الداخلي.

بسبب ذلك تقع تلك الفظائع الرهيبة التي ترتكبها قوات الأسد والموثقة لدى الأمم المتحدة. فموجات الوهم تشع من القائد نحو الخارج: فإذا كان يعتقد أنه يقاتل عصابة من الخائنين المأجورين فسيعتقد بذلك الكثيرون ممن يخدمونه. حتى عملاء الاستخبارات السوريين الذين عذبوا صبية صغار سيقنعون أنفسهم بأن هذا كان عقوبة مُستحقة للخيانة.

لابد أن الأسد يعتقد في أعماقه أن السوريين أدوات لعب بأيدي الأجانب لا حول لها ولا قوة، وأنهم أناس متدني القيمة بحيث يمكن شراؤهم و غسيل أدمغتهم و تجييشهم ضد بلدهم. إن نوع وهمه بشكل خاص مهين للشعب الذي يحكمه. فبينما يقتل السوريين للبقاء في السلطة إنه يهين ذكاءهم أيضاً. وبفعل هذا يجعل الأسد نفسه عرضة ليس فقط للكراهية بل و للازدراء أيضاً.

ديفيد بلير: كبير المراسلين الأجانب بصحيفة الديلي تيليغراف البريطانية. 

 

المصدر

Delusions of a trapped tyrant

One response to “أوهام طاغيةٍ محاصر

  1. هذه نفس اعراض التي مرت بطاغيتنا في ليبيا _ وهم كبير يعيش فيه اعد له من المستفيدين والمتنفعين والمرتزقه فيبقي في حاله خارج الواقع _ وهي حاله مستعصيه ومزمنه ومن الصعب الخروج منها الا في اللحظات الاخيره او يكون في الرمق الاخير فيصحوا ولكن بعد فوات الاوان _ فليساعدكم الله

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s