مبررات رفض التدخل العسكري في سوريا

* الدكتورة مروة أديب داوودي: محاضرة في مركز الشرق الأوسط بكلية سانت أنطوني بجامعة أكسفورد

 

مبررات رفض التدخل العسكري في سوريا

“بحفاظها على روحها واستقلاليتها ستبقى الثورة السورية عادلة، قوية وشرعية”

زار مراقبو الجامعة العربية عدة مدن في سوريا “لمراقبة الوضع”، لكن القمع تواصل

برينستون، نيوجيرسي –

 

إذا ألقينا نظرة على عام 2011 لوجدنا أثر الربيع العربي ما يزال قائماً. في تونس ومصر والبحرين واليمن وليبيا وسوريا هبّت الجماهير مبشّرة بسعي الشعوب في كافة أنحاء العالم لنَيل الحقوق السياسية وتحقيق العدالة الاجتماعية. فالعالم العربي الذي وسَمه المستشرقون الجدد ذات يوم بالراكد على المستويين السياسي والاقتصادي قد رسم خريطة الحراك الإقليمي والدولي للعام الفائت.

 

من مدريد وصولا الى حركة “احتلوا وول ستريت” Occupy Wall Street عبر أنحاء الولايات المتحدة كافة، شكّلت الشجاعة والتصميم اللتيْن أبداهما المحتجون في العواصم العربية مصدر إلهام قوي. فبعد عشرة أشهر من اندلاع الانتفاضات الشعبية، لا تزال الثورة في سوريا تكافح من أجل تحقيق أهدافها. لقد غدت الأزمة دولية. وفيما بعثات حقوق الإنسان العربية “تراقب” الوضع، يستمر القمع كالمعتاد.

 

كشفت أشرطة الفيديو التي تم تهريبها بواسطة فئة وليدة من “المواطنين الصحفيين” لقطة محزنة وفي غاية الرمزية لجثة طفل في الخامسة من عمره، تم وضع صورته جنبا إلى جنب مع شعار الجامعة العربية. ففي هذه المرحلة تحوم الشكوك حول قدرة المنظمة على فرض سيطرة فاعلة وتحقيق التغيير.

 

تتعالى بشكل متزايد الأصوات المطالبة بالتدخل الأجنبي والحل العسكري. في 20 كانون الأول 2011، طالبت قيادة المجلس الوطني السوري (SNC) بإنشاء “مناطق آمنة للمدنيين وإقامة ممرات انسانية لإيصال الإغاثة والاحتياجات الإنسانية والطبية وغيرها”، فضلا عن “التدخل الفوري لوقف المجازر”.

 

في هذا الصدد، كرر المجلس الوطني السوري نداءات الجيش السوري الحر السابقة المطالبة بإقامة منطقة حظر جوي، علاوة على بضع دعوات خرجت في الشارع من هنا وهناك. وصلت المحنة التي يعاني منها المتظاهرون المدنيون إلى حدًّ لا يطاق. وهذا يثير تساؤلات حول الكيفية التي سيتحقق بواسطتها تغيير دائم في سوريا.

 

يمهد التدخل الأجنبي الطريق لخيار استراتيجي خطير ينبغي على حركات المعارضة داخل وخارج سوريا أن تعيه جيدا. سنجادل هنا بضرورة خوض النضال نحو التغيير من داخل سوريا وبتحقيق الانتقال إلتى الديمقراطية بشكلٍ سلمي. هذا يعني أن التدخل العسكري الأجنبي ينبغي استبعاده تحت كل الظروف، أما بالنسبة للداخل فمقاومة النظام يجب أن تحافظ على سلميتها دونما سلاح.

 

من الممكن القول أن غالبية السوريين مرتعبون من تلك “الحلول” التي جرى تنفيذها في العراق وليبيا. لقد انسحبت القوات الاميركية من العراق في نهاية المطاف مخلّفة وراءها مئات الآلاف من الضحايا المدنيين العراقيين بالإضافة إلى مليون لاجئ و بلد يعاني الفوضى والحرب الأهلية. فالإطاحة بنظام صدام حسين نجحت لكن الشعب العراقي لا يزال يدفع تكلفة هذا التغيير.

 

ليبيا في حالة اضطراب فيما لا تزال غنائم الحرب تشكل مصدراً للصراع بين القوى الداخلية والخارجية. من المطلوب أيضا إمعان النظر في بعض الجهات الدولية الداعية إلى تدخل أجنبي. فعلى الرغم من عدم استعداد منظمة حلف شمال الأطلسي الناتو NATO لتكرار السيناريو الليبي، وتركيز حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية حاليا على السياسة الداخلية، تنشط مراكز الدراسات Think-Tanks التابعة للمحافظين الجدد داخل الولايات المتحدة ذات التاريخ الطويل في تأييد الحرب بالدعوة إلى الاحتفاظ بخيار التدخل العسكري قيد البحث.

 

الجغرافيا السياسية والمصالح

 

في 14 كانون الأول 2011، نشر تقرير صادر عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى–وهو أحد مراكز الدراسات المتخصصة في السياسة الخارجية التابعة للمحافظين الجدد– “تقييماً للتدخل العسكري في سوريا”. كاتبو التقرير، وهم زميل زائر من سلاح الجو الأميركي إضافة إلى اثنين من المتخصصين في الشؤون العسكرية والأمنية، يحددون المخاطر والتحديات المختلفة التي قد تنتج من جراء العمليات، السرية منها والعلنية، و يقيمون الرد الإيراني.

 

في 21 كانون الأول 2011، وصلت رسالة مفتوحة إلى الرئيس أوباما توصي بتبنّي “عقوبات خانقة ومتعددة الأطراف على الحكومة السورية” بما يؤدي إلى “رفع قدرات التجمعات السورية المعادية للنظام والتي تتفق أهدافها السياسية مع مصالح الأمن القومي الأميركي”، وأخيراً “العمل مع تركيا وغيرها من الشركاء لإقامة ملاذات آمنة في سوريا، فضلا عن مناطق محظورة على القوى الأمنية لنظام الأسد من أجل حماية المدنيين “.

 

تمت صياغة الرسالة من قبل مبادرة السياسة الخارجية Foreign Policy Initiative، مركز دراسات آخر مقره واشنطن، كان قد دعا على الدوام لدور أمريكي أكبر في شأن الأزمة السورية. من المثير للاهتمام أنه في 8 تشرين الثاني 2011، أصدرت المؤسسة ذاتها ورقة مشتركة مع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات Foundation for the Defense of Democracies حددت بموجبها “خيارات السياسة العامة للولايات المتحدة والدول ذات التوجه المشترك من أجل تعزيز المساعدات للمعارضة المناهضة للنظام”.

 

تسعى هذه الورقة إلى فرض “عقوبات قاسية” على الحكومة السورية وتقديم المساعدة للجماعات المعارضة وكذلك فرض مناطق حظر طيران في سوريا. مبادرة السياسة الخارجية هذه Foreign Policy Initiative هي وريث لما عرف بالقرن الأمريكي الجديد New American Century، وهي ذات المجموعة التي دافعت بنجاح عن حرب العراق، وتضم عددا من كبار مثقفي المحافظين الجدد المعروفين مثل روبرت كاغان Robert Kagan، وليام كريستول William Kristol، دان سينور Dan Senor ودوغلاس فيث Douglas Feith الوكيل السابق لوزير الدفاع للشؤون السياسية في إدارة بوش والعقل المدبر للحرب على الإرهاب والسجون العسكرية الامريكية في العراق وأيضا العلاقات المتميزة للإدارة مع الأحزاب اليمينية في إسرائيل.

 

وقّع هذا الأخير على العريضة التي قُدمت إلى الرئيس أوباما، كما وقع عليها كل من طوني بدران Tony Bedran من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات Foundation for the Defense of Democracies و بول بريمر Paul Bremer، الدبلوماسي المسؤول عن الإشراف على احتلال العراق بعد غزوه عام 2003، و النائب إليوت انغل Eliot Engel الراعي السابق لقانون محاسبة سوريا عام 2003… بالإضافة إلى عدد قليل من المغتربين السوريين المقيمين في الولايات المتحدة. يبدو أن مجلس الأمن القومي الأميركي

US National Security Council قد تلقى تعليمات مسبقة للبحث في الخيارات المختلفة لتدخل اميركي في سوريا. وذلك يشمل، بالإضافة للممرات الإنسانية، إنشاء مناطق آمنة عبر عمل عسكري.

 

من الواضح أن الهدف على المدى الطويل هو هدف استراتيجي: ترويض سوريا كلاعب إقليمي رئيسي عن طريق اغتنام هذه اللحظة من تزعزع الاستقرار الداخلي بغية تشكيل الروابط الجيوسياسية للبلاد. على المحك في الوقت الراهن تجري لعبة أكبر بين تحالف مصالح أميركي- سعودي-إسرائيلي واسع من جهة ومثلث إيران وحزب الله وحماس من جهة أخرى. وفي هذا الميزان يكمن أيضا مستقبل سوريا.

 

في لقاء مفاجئ مع صحيفة واشنطن بوست يوم 1 كانون الأول 2011، يبدو أن رئيس المجلس الوطني السوري، برهان غليون، قد انخرط في هذه اللعبة عبر التزامه بقطع العلاقات مع ايران وحزب الله وحماس اذا ما تأمن له منصب سياسي في المستقبل. خيّب زعيم حزب الله الشيخ حسن نصر الله من خلال تجديد دعمه للنظام السوري في فترة القمع الوحشي وبشكل مرير آمال العديد من الناشطين السوريين الذين لا يرون من تناقض بين مقاومة نظام قاس في سوريا ودعم حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية.

 

يُعرف عن السوريين في العالم العربي شعورهم الوطني العالي وحساسيتهم خصوصا لمصير إخوانهم الفلسطينيين. فإعادة مرتفعات الجولان التي تحتلها اسرائيل إلى السيادة السورية لا تزال تشكل أولوية لأية حكومة تسعى إلى اكتساب الشرعية الداخلية. المجلس الوطني السوري يبدو أنه استشعر نبض الانتقادات التي تلت تصريحات غليون. فخرج البيان الختامي للمجلس الذي صدر بعد مؤتمره الأول المنعقد في تونس يوم 19 كانون الأول 2011 ليؤكد أن “سوريا الجديدة سوف تستعيد سيادتها الوطنية على هضبة الجولان المحتلة، وستدعم الحقوق الكاملة والمشروعة للشعب الفلسطيني”.

 

أهون الشرين

 

بالتأكيد، يكلف عدم التدخل الشئ الكثير. تقدر الأمم المتحدة أعداد من سقطوا من الضحايا المدنيين بأكثر من 5500 إضافة إلى الآلاف من حالات الاختفاء. لقد كان القمع الذي مارسه النظام شرسا متعدد الألوان ويهدف إلى استعادة غلالة الخوف التي تمكن السوريون بكل شجاعة من تمزيقها.

 

على الرغم من انشقاق بضعة آلاف وانضمامهم للجيش السوري الحر إلا أن النظام لا يزال يحكم سيطرته على الجيش وقوات الأمن. ومن أجل ردع أية انشقاقات في المستقبل، فقد عُثر على جثث تعرضت للتعذيب أو أعيدت إلى أُسرها. عنف النظام المتزايد بدأ يتسبب أيضا في انهيار المؤسسات والسلطات العامة. فانخفاض الدخل من مبيعات النفط والقطاع العام، وتجميد التجارة مع تركيا والاتحاد الأوروبي أخذ يؤثر على الأهالي بدلا من تأثيره على النظام.

 

تعاني معظم المناطق من انعدام التدفئة بعدما ندر الوقود أو حتى فُقد. ارتفعت الأسعار بشكلٍ هائل فيما يجري قطع الكهرباء يومياً لمدة ست ساعات في المحاور الرئيسية كمدينة حلب. أظهر المحتجون وعيا في الحفاظ على جبهة موحدة تتجاوز الانقسامات الطائفية، بيد أن مقاومة النظام انتقلت في بعض أجزاء من البلاد من حالة التمرد السلمي إلى العصيان المسلح. يشتبه في مقتل 600 من الجنود في الاشتباكات. خطر الحرب الأهلية أصبح يلوح في الافق. السوريون اليوم يقتلون بعضهم البعض في حوادث متفرقة على شبهة زيهم الرسمي وولاءاتهم وانتماءاتهم الدينية.

 

استمدت الانتفاضة السورية زخمها وقوتها على مدى الشهور الماضية من قدرتها على الحشد السلمي والمطالبة بأحقيتها بهذه الانتفاضة. المقاومة المسلحة يمكن لها أن تغذي الخطاب الرسمي حول وجود تمرد تتم إدارته من الخارج. فإذا ما اضطرت الدولة إلى الإذعان للقبول بمنطقة حظر طيران أو ملاذات آمنة يفرضها الخارج فإن قسماً من الأهالي التي نأت بنفسها حتى الآن عن الصراع سيقف إلى جانب النظام بدافع من العزة واللحمة الوطنية.

 

لذلك فإن الإستراتيجية المثلى هي في الحفاظ على الدعاوى المحلية المباشرة التي من شأنها أن تحفظ مكانة الإنتفاضة وشرعيتها. تحدد أدبيات المقاومة السلمية مجموعة من الاستراتيجيات الدفاعية التي يمكن استخدامها على نحو فعال : المقاطعات والإضرابات والمسيرات والعصيان المدني والفضح العلني لممارسات العنف وكذلك توفير مواقع آمنة داخل وخارج البلاد (دونما الحاجة إلى اللجوء إلى آليات إنفاذ عسكرية لازمة لإقامة مناطق حظر طيران).

 

يمكن استلهام العبر من حركة غاندي في الهند، وحملات التحرير التي قادها مانديلا في جنوب أفريقيا، وحركات حقوق الإنسان في غواتيمالا والأرجنتين وأمريكا اللاتينية ، كما والجوانب غير العنيفة من الإنتفاضة الفلسطينية. بدلا من الخشية من كلفة التغيير سيدرك السوريون الذين لم يحددوا موقفهم بعد كلفة مناهضة التغيير، بعبارة أخرى: زيادة العزلة الإقليمية والدولية، والفوضى السياسية والصعوبات الإقتصادية الداخلية.

 

بعض من هذه الاستراتيجيات قد جرى بالفعل تطبيقه بنجاح في سوريا: حيث بدأ يوم 11 كانون الأول إضراب عام لقي استجابة على نطاق واسع، كما نجحت دعوات العصيان المدني في إضعاف الإقبال على الإنتخابات التشريعية المحلية. في الآونة الأخيرة دفع إضراب عام في ضاحية دوما الواقعة خارج دمشق السلطات إلى إجبار أصحاب المحلات التجارية على فتحها بالقوة.

 

بالتوازي مع ذلك، سيتم فرض المزيد من بعثات حقوق الإنسان لتقصي الحقائق على النظام من أجل الحفاظ على المراقبة الدولية ومنع وقوع المزيد من القمع. مع مرور الوقت، ستؤثر العقوبات التي تستهدف الدوائر المقربة للسلطة، عوضا عن استهدافها الإقتصاد القومي للبلاد، على الخيارات المتوفرة للنظام.

 

بحفاظها على روحها واستقلاليتها، فإن الثورة السورية سوف تبقى عادلة وقوية وشرعية. بذلك فقط تتمكن من كسب قلوب جميع السوريين و عقولهم، وعلى هذا النحو فقط يمكنها أن تؤدي إلى انتقال حقيقي وسلمي نحو الديمقراطية.

 

 

 

الدكتورة مروة أديب داوودي هي محاضر في كلية سانت أنطوني، جامعة أكسفورد (المملكة المتحدة)

St Antony’s College, the University of Oxford (UK)

في الوقت الحاضر هي باحث زائر في كلية وودرو ويلسون للشؤون العامة والدولية في جامعة برينستون (الولايات المتحدة).

Princeton University’s Woodrow Wilson School of Public and International Affairs (USA)

 

 

 

* الآراء الواردة في هذه المقالة تخص المؤلف ولا تعكس بالضرورة سياسة الجزيرة التحريرية.

 

 

المصدر:

Aljazeera International

The case against military intervention in Syria

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s