على المعارضة السورية الشجاعة -ولكن المنقسمة- إسقاط الأسد بنفسها

الرئيس بشار الأسد متحجر القلب ومرن, التدخل العسكري بقيادة الغرب في سوريا سيكون كارثة.

مهدي حسن

  11كانون الأول 2011

الدخان وراء الأبنية السكنية في المدينة السورية حمص الأسبوع الماضي بعد تفجير أحد أنابيب النفط- من قبل جماعات إرهابية وفق رواية السلطات. الصورة:سانا/ النشرة.

في ضوء الأحداث الجارية للربيع العربي, قد يقول البعض أنه عندما يتحول دفاع الديكتاتور عن نفسه إلى خداع وتضليل فإن ذلك علامة على أن أيامه أصبحت معدودة. ففي مقابلة أجرتها باربرا والترز (ABC) مع الديكتاتور السوري بشار الأسد, صاحب القهقهة والشخير, حاول أن ينكر أي مسؤولية عن الهجمات على شعبه بقوله: “إنها ليست قواتي, إنها قوات تابعة للحكومة وأنا لا أملكها, أنا رئيس”.

بالطبع إنه نوع من إنكار الأوامر العليا. فسوريا دولة بوليسية وفعلياً يعطي الأسد وحزبه البعثي أوامر بإطلاق النار. ووفقاً للأمم المتحدة, قتلت قوات الأمن السورية أكثر من 4000 شخص منذ اندلاع الاحتجاجات ضد النظام في آذار. (“هناك بعض الأخطاء اُرتكبت من قبل بعض المسؤولين” رد الأسد رافعاً كتفيه).

لقد فُسّرت مقابلته التلفزيونية هذه من قبل البعض على أنها دليل آخر على أن النظام السوري أصبح في موقف دفاعي. لكن هل  حقاً شارف الأسد على التنحي؟ أو على الإطاحة به؟ الطغاة الثلاثة الذين سقطوا منذ بداية الربيع العربي, أحدهم (القذافي) الذي فارق الحياة, والآخر (مبارك) في المحاكمة, أما الأخير (بن علي) فقد تم نفيه. يُقال إن الأسد قد رفض عروضاً لملاذ آمن في دول الخليج ومازال يُظهر عدم الرحمة للمتظاهرين. تجوب ميليشيات “الشبيحة” شوارع سوريا, وتقوم بإطلاق النار والتشويه والتعذيب. لقد شهد يوم الأحد مقتل تسعة أشخاص على الأقل في اشتباكات أثناء الدعوة للإضراب العام من قبل ناشطي المعارضة.

لذلك سيكون من الخطأ حذف قسوة الرئيس السوري, بغض النظر عن مدى خداعه الظاهر على شاشة التلفاز. كان نظامه مرناً بشكل ملحوظ, على الرغم من تحمل العقوبات المفروضة من قبل الولايات المتحدة خلال السنوات السبع الماضية. في عام 2005, عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري- حيث قُيل بأنها نُفذت بناءً على أوامر من الاستخبارات السورية – افترض العديد من المحللين الغربيين أن الأسد, الشاب المدلل وطبيب العيون الذي تلقى تعليمه في المملكة البريطانية, قد انتهى أمره. ومع ذلك لم ينج فقط، بل ظهر أقوى, وأكثر إصراراً وصراحة فيما يتعلق بالأمور الدبلوماسية في الشرق الأوسط (من الحرب الأهلية في العراق إلى الساحة السياسية المتكلسة للصراع العربي-الإسرائيلي).

تلعب سوريا, بطبيعة الحال, دوراً أساسياً في المنطقة: فالأمريكيون والإسرائيليون يريدون الخلاص من الأسد من أجل محاولة سحب سوريا خارج الفلك الإيراني، وبالتالي عزل نظام الولي الفقيه في طهران (وكذلك الميليشيات المسلحة تحت الرعاية السورية مثل حماس وحزب الله). ويدافع الروس عن سوريا من أجل حماية مصالحهم التجارية في دمشق ومنع أي تأثير جانبي لحرب أهلية في سوريا على الإقليم الداغستاني المضطرب التابع لروسيا.  كما انقلب الأتراك على حليفهم السابق الأسد بغية دعم دورهم الجديد كقوة إقليمية وكمحور دبلوماسي رئيسي: ورغبة عرب الخليج بدعم الأغلبية السُنية ضد نظام حكم الأقلية العلوية/الشيعية.

  صرح فلينت ليفيريت  Flynt Leverett, المحلل السابق لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي ووكالة الاستخبارات المركزية, قائلاً: “من غير الواضح أن حكومة الأسد ستنهار فعلاً… وعلاوة على ذلك, لم يُحدِد أحد أي سيناريو مقبول يُمكّن “المعارضة”, (أو أياً كان المسمى), من تسلّم زمام السلطة بالفعل”.

ليفيريت على حق بوضعه كلمة المعارضة بين قوسين. إذ أنه لا يوجد أي حركة, موحدة كانت أم متماسكة ضد الأسد. ربما تكون الأطياف المختلفة في المجتمع الديني, المذهبي والعرقي, انعكاساً للجماعات المعارضة المتنوعة والمقسمة في سوريا. لا يمكنهم الإتفاق على تكتيكات أو أهداف ذات مصداقية وشرعية متفاوتة من مجموعة إلى أخرى.

أكبر نقطة توتر تكمن بين كل من نشطاء المعارضة الخارجية وبين المتظاهرين على الأرض السورية.  “كان هناك عشرات المؤتمرات والبيانات في العديد من المدن دون أية نتيجة”، كما صرح أحد المتظاهرين لصحيفة الإيكونومست Economist خلال شهر أيلول. “وفي الوقت نفسه نستمر بالخروج إلى الشارع ونواجه الرصاص”.

هناك توتر آخر رئيسي بين المجلس الوطني السوري (SNC)- الذي تشكل في شهر آب من مجموعات معارضة عديدة, بما في ذلك جماعة الأخوان المسلمين وحزب تيار المستقبل الكردي, وبقيادة الأكاديمي السوري المقيم في باريس برهان غليون- وبين الجيش السوري الحر (FSA) المؤلف من ما يقارب 15,000 منشق من القوات المسلحة.

صرح غليون، والذي يحظى بشعبية في واشنطن, لصحيفة الوول ستريت Wall Street في وقت سابق من هذا الشهر أن سوريا ما بعد الأسد سوف تعمل على قطع علاقاتها العسكرية مع إيران وتقليص دعمها لحماس وحزب الله.  ولا يزال المجلس الوطني السوري يصر على وجوب عدم لجوء المعارضة السورية إلى العنف أو الانتقال إلى المقاومة المسلحة. ومع ذلك فقد شنّ الجيش السوري الحر هجمات على الجنود السوريين وعلى مراكز لحزب البعث. وأوضح عبد الستار مكسور مقصور, المنسق في الجيش السوري الحر, لصحيفة نيويورك تايمز New York Times الأسبوع السابق قائلاً: “لا تعجبنا إستراتيجية المجلس الوطني السوري, إننا نؤيد عملاً عسكرياً هجومياً أكثر”.

بالإضافة إلى وجود التوترات الطائفية والعرقية. وقد بذلت المعارضة جهدها للتقليل من حقيقة كونها تضم إلى حد كبير أفراداً من الغالبية العربية السنية، وترفض الادعاءات بأنها توجه احتجاجات غضبها تجاه الأقلية العلوية/ الشيعية التي تحكم البلاد.

في تموز, نشرت مجموعة الأزمات الدولية, المستقلة, ومقرها بروكسل, تقريراً يدعي بأن المعارضة “قامت بتعديل بعض الشعارات الثورية (المناوئة للعلويين) والتي كانت تُردد في الشوارع”، وذلك من خلال تسجيلات فيديو للمحتجين التي تُنشر بشكل دوري على الإنترنت. وفي آب, خلال اجتماع شخصيات المعارضة في تركيا, تم انسحاب المعارضة الكردية عندما أعلنت جماعات المعارضة الأخرى عن رغبتهم في الاحتفاظ بكلمة “العربية” ضمن الجمهورية السورية.

ومنذ يوم الجمعة, ركّز المجلس الوطني السوري على مهمة واحدة ألا وهي تحذير الحكومات الغربية والصحفيين الغربيين من خطة القوات السورية لارتكاب مجازر في المدينة الغربية حمص.

وهناك تقارير عدة تُظهر أن أجهزة المخابرات الغربية تعمل على تدريب الجيش السوري الحر. وما يثير القلق, أنه إذا نظر المرء إلى الماضي منذ عام 1999 في حالة كوسوفو إلى ليبيا هذا العام, فمن شأن ذلك أن يدل على بداية الانزلاق نحو الحرب.

ولكن أي تدخل عسكري غربي في سوريا سيكون كارثة. إذ أنه, على خلاف ليبيا, لا يوجد أي احتمال لصدور قرار من مجلس الأمن الدولي, كما لم يكن هناك دعوة من الجامعة العربية – أو من مجموعات المعارضة السورية في الداخل- لأي تدخل عسكري.

وقد صرح حسن عبد العظيم, أحد الأعضاء القياديين في لجنة التنسيق الوطني, والتي تعتبر مظلة ناشطين المعارضة السلميين داخل سوريا: “نرفض التدخل الأجنبي- ونرى أنه خطير كخطر الاستبداد. كلاهما مرفوض”.

من الناحية اللوجستية, فإن فرض منطقة حظر جوي ليس بذي قيمة في سوريا, إذ تقوم قوى الأمن والميليشيات التابعة للأسد بعمليات على نطاق ضيق، ومن شارع إلى آخر ضد المدنيين العزل, بدلاً من شنّ الجيش هجمات واسعة أو قصف جوي.

ولذلك فإن النهج الغربي في سوريا يجب أن يكون على الطريقة الأبقراطية. أولاً, لا ضرر ولا ضرار. إن المزيد من العقوبات يمكن أن تنجح في الضغط على نظام الأسد الشبيه بالمافيا, إلا أن إرسال الطائرات الأمريكية والبريطانية لقصف ضواحي مدينتيّ دمشق وحلب لن يقدم حماية تُذكر إلى أرواح المدنيين كما لن تدعم المعارضة.

إن الشباب السوريين -الشجعان, العزل والمثاليين- يتعرضون للقتل من قبل قوات الأسد ومع ذلك فإن الواقع الأليم يتمثل في عدم تمكن الغرب من القيام بالكثير لمساعدتهم: لا يمكننا السيطرة على الأحداث في سوريا كما لا يمكننا وضع نهاية سريعة للأزمة. إذا كان للإنتفاضة الشعبية ضد البعثيين أن تنجح, فإن على السوريين, من جميع الأطراف والطوائف والأعراق, أن يحققوا ذلك بمفردهم. تقول الحقيقة المحزنة، ليس من واجبنا الإطاحة بالأسد.

المصدر

Syria’s brave but divided opposition will have to take down Assad on their own
Mehdi Hasan
guardian.co.uk

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s