السياسة الواقعية الروسية: داخل تجارة الأسلحة مع سوريا

بقلم: سايمون شوستر Simon Shuster / موسكو

نشرت في: 1 تموز/يوليو 2012

رئيس الوفد السوري في المعرض شبه السنوي للأسلحة الروسية وهو يجرب بندقية كلاشينكوف آلية مزودة بكاتم صوت، AK-104، في ميدان طيران خارج موسكو.
تصوير: يوري كوزرييف Yuri Kozryev / نور لمجلة تايم

 

“يعتبر هذا السلاح وسيلة ممتاز للقتال من المسافات القريبة”، يوضح تاجر السلاح الروسي وهو يمرر البندقية الآلية من نوع AK-104 والمزودة بكاتم صوت إلى المسؤول السوري، في حين يقوم الأخير بحمل البندقية والتصويب عبر الجناح C3 في معرض سوق الأسلحة النصف سنوية في روسيا. يرافق الوفد المؤلف من ثلاثة مسؤولين سوريين، قدموا من دمشق للقيام ببعض التسوق العسكري، ويعمل كمترجم لهم العقيد عصام إبراهيم السعدي، المحلق العسكري في السفارة السورية في موسكو. تعتبر هذه فرصة نادرة لهم، فمع غرق بلادهم في حرب أهلية، وفرض معظم دول العالم الحظر على بيع الأسلحة لسوريا، فإن المندوبين السوريين يستمتعون بهذا السوق في موسكو. حيث يقضون أكثر من ساعة وهم يتحدثون مع بائع الكلاشنكوف، السيد أندريه فيشنياكوف Andrei Vishnyakov، رئيس قسم التسويق لشركة “إزماش Izhmash “، الشركة التي اخترعت بندقية الـ AK-47.

بعدها أخذ الوفد بالتجول بين منصات العارضين في مطار جوكوفسكي الضخم القريب من موسكو، حيث اضطلعوا على الدبابات وقاذفات الصواريخ التي تعمل باللمس، وصواريخ كروز Cruise والمدفعيات الثقيلة، كل ذلك معروض تحت أشعة الشمس الصيفية وكأنها عدد كبير من السيارات الرياضية في معرض للبيع، جميع الأشياء المعروضة هي للبيع.

مرحبا بكم في المعرض الروسي الرئيسي للأسلحة. المنتدى ذو التسمية المضللة “منتدى تقنيات بناء الآلات” الذي افتتحه الرئيس بوتين عام 2010 كتجمع عسكري متنوع لطغاة العالم. فقد حضرت الأسبوع الماضي إلى المعرض وفود من إيران وزيمبابوي والبحرين وباكستان وأوغندا وكثير غيرها، لكن الوجود السوري كان الأكثر إثارة للجدل.
فمنذ أن أصبحت سوريا زبوناً للاتحاد السوفيتي، في الخمسينيات، وهي تشتري تقريباً كل أسلحتها من روسيا مما يجعلها أحد عملائها المميزين. وعلى مدى الأشهر 16 الماضية، استخدمت القوات السورية الموالية للرئيس بشار الأسد هذه الأسلحة لسحق الثورة في البلاد بوحشية، حيث يقدر عدد القتلى حالياً بـ 14000، بما في ذلك الآلاف من النساء والأطفال. وقد انضم بقية العالم العربي إلى الغرب في إدانة هذه المجازر، ولكن ذلك لم يمنع تدفق الأسلحة الروسية. في الواقع يبدو أن الكرملين على استعداد لتعريض علاقاته مع أوروبا والولايات المتحدة للخطر من أجل الدفاع عن الأسد والاستمرار في بيع الأسلحة له.

من الناحية الدبلوماسية، لا يوجد أي شيء يمكن للمسؤولين الغربيين المحبطين القيام به لإيقاف ذلك. فروسيا لديها مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، كما أنها استخدمت حق النقض (الفيتو) مراراً لمنع أي نقاش حول حظر دولي على الأسلحة ضد سوريا. حيث صرحت سوزان رايس Susan Rice، السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، في أيار أن مبيعات الأسلحة الروسية لسوريا هي أمر “مستهجن” ولكنه قانوني. إلا أن الضغوط الدبلوماسية والأخلاقية من الغرب، كالإدعاء بأن روسيا تساعد على قتل المدنيين، لم تغير عقول الكثيرين في موسكو. “هؤلاء الرجال هم الذين نسعى لتأييدهم ” صرح مسؤول من شركة تجارة الأسلحة روزوبورونكسبورت Rosoboronexport التابعة للحكومة الروسية لصحيفة التايم يوم الخميس، وذلك في الوقت الذي كان فيه المندوبون السوريون يشاهدون قاذفات الصواريخ التي يمكن تركيبها على شاحنات النقل.

يبدو أن المندوبين السوريين أعجبوا بالمعرض إلى درجة كبيرة، حتى أنهم قاموا بالصعود إلى إحدى القاطرات لفحصها من الداخل والخارج قبل أن يقوموا بمصافحة التاجر الروسي بحرارة والانتقال إلى غيرها من المعروضات.  باستثناء العقيد السعدي الملحق بالسفارة السورية في موسكو فإن بقية المندوبين رفضوا الكشف عن أسمائهم أو الإجابة عن الأسئلة التي طرحتها مجلة التايم. الرجل الذي عرّفه العقيد السعدي على أنه رئيس الوفد يقول بأنه قدم من دمشق إلى موسكو خصيصاً لكي يحضر المعرض. “وهذا دليل على نية جدية للقيام بعملية شراء” يقول هيو غريفيثس Hugh Griffiths، الخبير في مجال الإتجار بالأسلحة في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI) والمتابع لسوق الأسلحة العالمية. لكنه من المستحيل معرفة ما إذا قام السوريين فعلاً بشراء أية أسلحة أم لا. فتلك الصفقات تم عقدها وراء الأبواب المغلقة. ولكن، في نهاية المطاف، إذا ثبت شراءهم للبنادق الهجومية أو العربات المدرعة التي أمضى المندوبون السوريون ساعات في دراستها وفحصها يوم الخميس، فإن هذه العملية تلقي ظلالاً من الشك على جدية موقف وزارة الخارجية الروسية الرسمي، الذي قال أن الأسلحة الدفاعية فقط، مثل الصواريخ المضادة للطائرات، هي التي يتم بيعها  لسوريا، وهي أسلحة لا يمكن استخدامها ضد المدنيين. فقدرات السلاح الفردي، الكلاشنكوف، كما وصفها فيشنياكوف، تسخر من إدعاء الوزارة.

الجهة المنظمة لمعرض الأسلحة الذي تضمن عرض “باليه بالدبابات” صُمم من قبل المسرح البولشوي، وهي إمبراطورية الأسلحة والتقنيات الروسية. يرأس الشركة سيرجي شيميزوف Sergei Chemezov، وهو صديق قديم لبوتين Putin من أيام الكي جي بي KGB (المخابرات السوفيتية السابقة).

في الثمانينيات عمل الرجلين كجواسيس في الكي جي بي في مدينة دريسدن الألمانية الشرقية، وبعد أن أصبح بوتين رئيساً في عام 2000 قام بنقل تدريجي لأكبر شركات روسيا المملوكة للدولة، كشركات بناء الآلات والأسلحة، إلى شركة شيميزوف. حيث تسيطر شركة التقنيات الروسية الآن على نحو 600 شركة وآلاف المصانع، كما وتنتج كل شيء بدءاً من السيارات والطائرات إلى المعدات العسكرية. ولكن جوهرة التاج هي شركة روزوبورونكسبورت Rosoboronexport، وهي الشركة الوحيدة في روسيا التي تستطيع بيع الأسلحة بصورة قانونية في الخارج. ففي العام الماضي، باعت الشركة أكثر من 11 مليار دولار من الأسلحة في جميع أنحاء العالم، مما يجعل روسيا ثاني أكبر تاجر للسلاح في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية. وفي عام 2011 كان لدى روسيا حوالي 4 مليارات دولار لعقود أسلحة مع سوريا، بما في ذلك مبيعات صواريخ أرض – جو من طراز Buk-M2E والمنظومات الصاروخية Pansir-S1 وطائرات ميج 29 القتالية MiG-29.

“هذا واحد من أسواقنا التقليدية” يقول أناتولي إيسايكين Anatoly Isaykin، المدير العام لروزوبورونكسبورت، الذي تحدث مع مجلة تايم TIME أثناء المعرض. يقول إيسايكين، والذي كان أيضاً ضابطاً في الكي جي بي قبل أن يصبح أكبر تاجر أسلحة في روسيا، أن المسألة السورية يتم تضخيمها أكثر مما يجب ربما كجزء من مؤامرة غربية لتسويد اسم شركته، حيث قال إيسايكين “في بقع ساخنة كهذه، تبذل الجهود لتقديم مؤسستنا، روزوبورونكسبورت، على أنها نوع من العبقري الشرير الذي يحاول صب الوقود على النار”. ثم أضاف، “أعتقد أن هذا جزء من اللعبة السياسية”. ويشرح قائلاً، أن كافة الجهود الغربية الرامية إلى منع روسيا من بيع الأسلحة لسوريا، لا تشكل شيئاً عدا عن كونها منافسة غير متكافئة. ثم أردف قائلاً “أنا أعني بالطبع، المنافسة بمفهومها العريض. فهي دائماً ما كانت موجودة وستظل كذلك. أي أنه، إن خسرت روسيا سوقاً فإن فسيكون لدى منافسيها فرصة للربح”.

كما يصرح ألكسندر جولتس Alexander Golts، وهو خبير عسكري في موسكو، أن وجهة النظر المانوية هذه عن العالم هي التي تدفع روسيا لتسليح الأسد. حيث يقول، “إن الدافع الأساسي هو الفكر وليس المال. إنه فكر السياسة الواقعية للحرب الباردة، حيث يكون لديك طرفان يجلسان إلى طاولة شطرنج ويحركان القطع، وبوتين مازال يرى العالم هكذا”. أما بالنسبة للسوريين، فلديهم الكثير من الأسباب للاستمرار في شراء الأسلحة الروسية، حتى وإن لم يكونوا بحاجة لها، كما يقول جريفيثس Griffiths: “إنهم يحاولون بشكل بائس أن يحافظوا على بقاء روسيا شريكة لهم عن طريق توجيه الأموال للروس والبناء على تلك العلاقة”.

ويبدو أن الروس متلهفون لكي يشاركوا في اللعبة، والسبب في ذلك يعود إلى المال وإلى المكاسب الجيوسياسية أيضاُ على حد سواء. فخلال ثورات الربيع العربي، التي يراها الكثير في موسكو على أنها مؤامرة تقودها الولايات المتحدة لتقسيم الشرق الأوسط، تزايد غضب بوتين من التدخل الغربي في المنطقة. ففي عام 2010، عندما افتتح بوتين أول سوق أسلحة على الإطلاق في مطار زوكوفسكي Zhukovsky، طار الرئيس اليمني علي عبدالله صالح لحضور الافتتاح، وقد اصطحبه بوتين شخصياً في جولة حول المعرض. وعندما مروا من جانب دبابة تي-90، والصحفيون في إثرهم، التفت بوتين إلى صالح وقال “هذا ما يجب أن تشتريه”. حيث يقترح جولتس أن بوتين لم يقل ذلك بغية مكسب مادي، ولكن القصد منه كان توطيد النفوذ الروسي في اليمن. فصفقة الأسلحة هي ليست مجرد عملية بيع وشراء بسيطة، فهي تستلزم من البائع والشاري أن يحافظا على علاقات ثابتة حتى يتم تركيب الأسلحة وصيانتها وإصلاحها. وعادة ما يزود البائع الذخيرة والتدريب دون مقابل لسنوات. “وهذا رابط جدّي”، كما يقول جولتس.

إن الرابط بين روسيا واليمن كان قد وضع في موضع خطر بسبب ثورات الربيع العربي التي اندلعت في اليمن بعد عام من جولة بوتين مع صالح في سوق الأسلحة عام 2010. هذه الثورة سرعان ما أصبحت عنيفة، وتخلى صالح عن السلطة بعد إصابته في هجوم صاروخي للثوار في حزيران 2011، مما كلف بوتين واحداً من حلفائه – ناهيك عن بلدٍ لطالما لعب على الروابط ومصادر القلق الأمريكية في شبه الجزيرة العربية أيضاً. وبعدها بعدة أشهر، قُتل الدكتاتور معمر القذافي، والذي كان أيضاً زبوناً لتجار الأسلحة الروس، على أيدي الثوار المدعومين بغارات القصف من قبل الناتو NATO. بوتين استشاط غضباً، بالذات بعد ظهور صور جثة القذافي المضرجة بالدماء في وسائل الإعلام. حيث رد بشكل حازم في مؤتمر صحفي عقد في الدنمارك ملمحاً إلى دور الناتو في الثورة الليبية قائلاً: “من أعطاهم الحق لفعل ذلك؟”. ثم أضاف، “ما كان عليهم التدخل في هذا الصراع المسلح؟ هل هناك نقص في الأنظمة الفاسدة في العالم؟ هل سنتدخل في كل صراع محلي؟ …يجب أن ندع الناس يحلوا مشاكلهم بأنفسهم”.

بعد الحرب في ليبيا، اتخذت روسيا موقفاً حازماً، حيث بدأت بمنع جميع محاولات الأمم المتحدة لإجبار الأسد على اتخاذ نفس الطريق الذي سلكه قبله القذافي وصالح، ففي حين عملت الدول الأجنبية على تسليح الثوار في سوريا، استمرت روسيا في إمداد الأسد بالسلاح. حيث يقول إيسايكين من روزوبورونكسبورت: “لن تؤثر أي من هذه الأحداث على علاقاتنا مع الأسواق التقليدية بأية طريقة”. وبالنظر إلى الحشد الذي يحضر معرض سوق الأسلحة – الممتلئ بالرجال العسكريين من آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط – فإن روسيا لا تزال تمتلك الكثير من العملاء الأوفياء في جميع أنحاء العالم. وبينما قامت الدبابات الروسية بأداء عرض الباليه على أرضية ميدان مفتعلة يوم الخميس، كان الوفود الأجانب يراقبون كرعاة فن حرب سعداء. وفي مساء ذلك اليوم، بعد يومين طويلين من التسوق، اتجه الوفد السوري باتجاه مكان ركن السيارات محملين بأكياس مليئة بالمنشورات الدعائية والفيديوهات الترويجية للمعدات العسكرية الروسية الثقيلة. ومن دون شك، كانوا يتخيلون إلى أي حد ستكون هذه المعدات مفيدة في ديارهم.

المصدر

مجلة تايم

Russian Realpolitik: Inside the Arms Trade with Syria

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s