أدى أسلوب الأسد في التعامل مع الاضطرابات في سوريا إلى انقسامات بين أفراد طائفته

مع تتصاعد حدة النزاع السوري يميل بشار الأسد وأكثر من أي وقت مضى إلى قاعدته الدينية للحصول على الدعم. احتشد هؤلاء المؤيدون في دمشق عام 2002.

نيل ماك فاركهار NEIL MacFARQUHAR

9  يونيو/حزيران 2012

بيروت، لبنان — بعد أن قام جابر عبود، وهو خباز من بانياس في سوريا، بانتقاد بشار الأسد علناً لفشله بإحداث تغيير حقيقي، قاطعه جيرانه.

لكن السيد عبود ومعظم جماعته هم من العلويين، الطائفة الدينية نفسها التي ينتمي لها الرئيس. وعندما اندلعت الانتفاضة الشعبية، اعتقد الكثيرون أنه بسقوط عائلة الأسد فإن الطائفة ستلقى مصيراً أسود. لذا قاموا بتجميع صفوفهم وانقلبوا على السيد عبود وقاطعوا مخبز المعجنات الذي يملكه مما أدى لإجباره في النهاية على مغادرة المدينة.

وفي مقابلة معه عبر الهاتف من اللاذقية أخبرنا جابر عبود “لقد انقسم الحي- نصفنا مرفوضين وخانعين وما تبقى انقلبوا إلى وحوش. لقد أصبح الذهاب إلى هناك أمراً محبطاً ومحزناً، لقد تحولت قريتي إلى بلدة أشباح، مقسمة، والأمن منتشر في كل مكان.”

وبينما تتصاعد حدة النزاع السوري إلى مستويات جديدة من الصراع المذهبي، فإن الأسد يعتمد الآن وأكثر من أي وقت مضى على قاعدته الدينية للحصول على الدعم. فالنخبة العلوية المسيطرة على قوات الأمن ما تزال معه، وكذلك العديد من السوريين من الأقليات الأخرى.

لكن عدة مقابلات مع عشرات من العلويين تشير لانقسامات معقدة حتى داخل صفوف الطائفة. فبعض العلويين محبطون من عجز قوات الأمن عن سحق المعارضة، فيما يقول آخرون إن الأسد يخاطر بمستقبل العلويين حينما يدفعهم إلى حافة حرب أهلية مع المسلمين السنة.

حزب الأسد الحاكم، حزب البعث، يصرح بتبنيه لمبادئ اشتراكية عربية علمانية ولكن السنة، الذين يشكلون نحو 74 في المئة من السكان، أظهروا امتعاضهم مما يعتبرونه حكماً طائفياً من قبل العلويين الذين يعتبرون من المسلمين الشيعة ويشكلون 13 في المئة فقط من مجموع السكان.

يقول مواطنون مثل السيد عبود إنهم يشعرون كمن تقطعت بهم السبل. فهم منبوذون ضمن مجتمعهم العلوي، وفي الوقت نفسه يجدون أن الإسلاميين الذين يسيطرون على أجزاء من المعارضة المسلحة ينظرون إليهم بريبة قاتلة. وقد تم بالفعل قتل عدد قليل من العلويين المعارضين.

على الطرف الآخر، هناك العلويون الذين ينتقدون الأسد لأنه بحسب زعمهم متهاون جداً بالمقارنة مع والده وسلفه حافظ الأسد، الذي يعتقدون بأنه لو كان حياً لكان قد قضى على التهديدات.

وفي الوقت الذي يتساقط فيه الشباب العلويين بالمئات للدفاع عن النظام، تتعالى الأصوات في الجنازات وأماكن أخرى لتتساءل “لماذا لا يقوم النظام بما يكفي لحمايتنا؟” وفقاً للعلويين الذين قمنا بمقابلتهم.

كما كانت هناك أيضاً هتافات مناوئة للأسد في أحياء العلويين مثل الزهراء في حمص، مثل: “بشار أصبح سنياً!” (زوجة الأسد أسماء الأخرس من عائلة بارزة من المسلمين السنة من حمص).

لقد وصل التوتر المذهبي بين السنة والعلويين ذروة جديدة بعد موجة من عمليات القتل الجماعي، لا سيما بعد مجزرة الحولة التي وقعت في 25 آيار/مايو وذهب ضحيتها 108 قتيلاً من المسلمين السنة بينهم 49 طفلاً. وقد أكد ناجون من الحولة وعدد من سكان قرى مجاورة في منطقة القصير أن المهاجمين جاءوا من القرى العلوية المجاورة. وقالت الأمم المتحدة إن الشبهات تركزت على الميليشيات الموالية للنظام المعروفين باسم الشبيحة والذين ينتمي معظمهم إلى الطائفة العلوية.

“بدأنا نسمع مباشرة وللمرة الأولى من جيراننا السنّة أنه ينبغي لنا ترك دمشق والعودة إلى قرانا”، يقول أبو علي وكيل عقارات في الـ 50 من عمره، مضيفاً أنه يتوقع أن يغادر الكثيرون بمجرد انتهاء العام الدراسي خوفاً من هجمات انتقامية.

الخوف من الانتقام دفع بعض العلويين لإطلاق تحذيرات يائسة من أن مستقبلهم كطائفة قد أصبح على المحك. وقد أطلق آفاق أحمد، الذي انشق عن شعبة مخابرات القوات الجوية مما أكسبه مكانةً عالية بين الثوار لندرة المنشقين العلويين، نداءً مدته 10 دقائق على موقع اليوتيوب داعياً العلويين للتوقف عن ما سماه انتحاراً جماعي.

“هل يستحق آل الأسد أن يكونوا زعماء العلويين؟” يسأل السيد أحمد الذي يضيف “في مواجهة مثل هذه الجرائم، لم يعد بإمكاننا السكوت. يجب علينا أن نتمسك بمبادئنا الدينية والإنسانية لأنه خلافاً لذلك لن يرحمنا التاريخ”.

كثيراً ما يدعي المسؤولون في نظام الأسد أن أيديولوجة النظام علمانية مما ساهم بالحفاظ على الانسجام بين ما يطلقون عليه “فسيفساء مجيدة” من العديد من الأديان والجماعات العرقية والقبائل المتداخلة في سوريا. لكن منتقدي النظام يرون ذلك مجرد واجهة لسيطرة العلويين الذين عملوا على تغيير قرون من التمييز الشرس بحقهم الذي ينعكس في الجغرافيا السورية. فقد تعرض العلويون للسخرية والتحقير خلال حوالي 400 سنة من الحكم العثماني لأن المسلمين اعتبروهم غير مؤمنين وأجبروهم على دفع الجزية، فعمد العلويون إلى تطويق أنفسهم بالمناطق الجبلية الفقيرة المطلة على البحر الأبيض المتوسط.

ولدت الطائفة العلوية السرية في القرن التاسع، وتتضافر فيها التعاليم الدينية من مختلف الأديان. ولا يمكن اعتبارهم متعصبين. وعلى عكس المسلمين التقليديين، فإنهم يؤمنون بتناسخ الأرواح ولا يعتبرون صوم رمضان أو الحج إلى مكة المكرمة واجباً. يعبدون في المنزل أو في مقابر القديسين، ولا توجد لديهم مرجعيات دينية.

أثناء الانتداب الفرنسي على سوريا أنشأت فرنسا دولة علوية ساحلية منفصلة استمرت من عام 1920 حتى 1936.

بعد الاستقلال، انجذب العلويون إلى التطوع في الجيش وحزب البعث العلماني. الانقلاب الذي جاء بحافظ الأسد إلى السلطة في العام 1970 عزز سيطرتهم مما سبب صدمة للطبقة التقليدية الحاكمة السنية. لقد عمد حافظ الأسد إلى حشد العلويين في صفوف الشرطة السرية والجيش، مفتعلاً الخوف الكبير منهم لدرجة أن السوريون عندما يتكلمون عنهم علناً يسمونهم “الألمان”.

أسس الرئيس الراحل الوحدات الخاصة التي يسيطر عليها الآن ابنه ماهر، وهي القوة العسكرية الرئيسية التي تتولى قمع الانتفاضة في سوريا. ولم يظهر النظام أي تسامح تجاه منتقديه من العلويين، حيث اعتبرهم خونة، وحكم عليهم في كثير من الأحيان بضعف الأحكام التي تلقاها المسلمين السنة لدورهم في التنظيمات السياسية السرية. الآن مجرد مشاهدة القنوات الفضائية التي تنتقد النظام السوري، مثل قناة الجزيرة، يعتبر خيانة في المجتمعات العلوية.

عدم التسامح مع أي شكل من أشكال المعارضة بين صفوف العلويين أدى إلى غياب وجود حركة معارضة علوية منظمة. (هناك صفحة على موقع الفيسبوك “العلويين في الثورة السورية” والعديد من الشباب العلوي من سكان المدن يعملون ضمن صفوف حملة إحياء الاحتجاجات السلمية).

أول انضمام لعلوي إلى اللجنة التنفيذية للمجلس الوطني السوري، جماعة المعارضة الرئيسية في المنفى، حصل فقط في نيسان/أبريل الماضي. بينما لم يتحمس آخرون لمثل هذه الخطوة بسبب هيمنة المسلمين السنة على المجلس ولخوفهم على عائلاتهم في الوطن.

في بانياس بمحاذاة الساحل السوري الممتد لمسافة حوالي 100 كيلومتر في سوريا على البحر الأبيض المتوسط، نستطيع فهم تردد العلويين بالانضمام للثورة من خلال رؤية ما حل بالسيد عبود من جماعته.

فقد أخبرنا السيد عبود (57 عاماً)، مدرب كرة القدم السابق، أنه قد تم إلقاء القبض عليه ثلاث مرات وتعرض للضرب المبرح. وأن اثنين من أبنائه الثلاثة تلقوا تهديدات بالقتل، أما جيرانه فقد حاولوا مراراً إضرام النار في منزله، كما أن أصدقاء طفولته يتجنبونه حتى شقيقاته الثلاث قاطعنه.

أسوأ المواجهات بين السنة والعلويين حتى تاريخ بدء الانتفاضة السورية حدثت بين الإخوان المسلمين والنظام منذ نحو 30 عاماً. في أحد أشهر هجماتهم قام متطرفون مسلمون باستهداف وإعدام طلابٍ عسكريين علويين في مدينة حلب بينما تركوا الطلاب من الطوائف الأخرى بدون أن يؤذوهم. العلويون لم ينسوا تلك الحادثة أبداً.

في دمشق في الثمانينات من القرن الماضي، تم تشكيل تجمعات جديدة للعلويين لتحيط بالعاصمة السورية، وقد أطلق عليها أهل دمشق الأصليين بسخرية صفة “المستوطنات”. سلام، 28 عاماً، وهو رجل أعمال نشأ في إحدى هذه المناطق أخبرنا في مقابلة عبر سكايب أن النظام عمد في وقت مبكر من الانتفاضة إلى توزيع بنادق على سكان هذه المناطق. “قالوا لنا إن السنة سيقتلونكم، لقد عمدوا إلى إخافتنا. وبالطبع البعض من ضيقي الأفق بيننا صدقوهم، وللأسف العديد منهم قبل هذه الأسلحة “.

المتعاطفون مع المعارضة من العلويين في المدن الصغيرة يميلون إلى الصمت لأنهم قلة. وبحسب وجدي مصطفى، ناشط علوي منذ فترة طويلة يعيش الآن في المنفى في ولاية كاليفورنيا، “إن الناس (العلويين) سيقتلونهم”، مضيفاً أنهم يخشون الالتجاء للسنة مخافة أن يقتلوا بسبب طائفتهم.

هناك أحاديث كثيرة أنه في حال انهيار النظام فإن العلويين قد ينسحبون مرة أخرى إلى الجبال. بينما يتكهن آخرون أن يكون الهدف من عمليات القتل الجماعي التي ترتكبها الميليشيات العلوية هو تعزيز سيطرتهم على مناطق معينة في أنحاء البلاد يستطيعون الدفاع عنها لفترات طويلة عند بدء الصراع مع السنة. ومع ذلك وفي وسط عقلية الحصار التي تسيطر على العلويين، يشرق بصيص من الأمل بين الحين والآخر.

ريم، 28 عاماً، ذات الشعر الأسود المموج الطويل، تساعد بتنظيم المظاهرات المناهضة للأسد في دمشق. أخبرتنا ريم أنه عندما بدأت الانتفاضة لم يكن بإمكانها إظهار وجهها في قريتها الواقعة قرب طرطوس. في نهاية المطاف عندما ذهبت إلى هناك استقبلها جيرانها من الموالين للأسد بصيحات الاستهجان.

لكن ريم تضيف أنه في زيارتها الأخيرة للقرية لم يسيء أحد لنشاطها “لقد بدأوا يفهمون حقيقة أن ما يجري في سوريا ليس مجرد أزمة، وإنما هو ثورة شعبية ضد الديكتاتورية لا ضد النظام العلوي.” ووصفت لنا ريم صدمة شباب قريتها عندما حكت لهم كيف يقف الشباب العلويين والسنة والدروز معاً في الاحتجاجات المناهضة للنظام في دمشق.

“يشعرون بالدهشة عندما يسمعون عن امرأة علوية بدون حجاب، ترتدي الجينز الضيق يمكن أن تتظاهر جنباً إلى جنب مع امرأة سنية مغطاة بالسواد (محجبة)”.

المصدر

Assad’s Response to Syria Unrest Leaves His Own Sect Divided

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s