حول سوريا: حيث اليسار على حق واليمين على باطل.

الجزيرة الانكليزية 28 شباط/فبراير 2012

حول سوريا: حيث اليسار على حق واليمين على باطل.

كلا الطرفين اليمين واليسار في سوريا يناديان بمفهوم الدولانية، متعطشان للسلطة ويتطلعان للسيطرة على جهاز الدولة.

حميد دباشي Hamid Dabashi

صورة: السوريون –كالعرب الآخرين- لم يعودوا يخافوا حكامهم

نيويورك – عندما بدأت الحركة الخضراء في إيران في شهر حزيران/يونيو عام 2009 ثار ضدها جناح متمرد من اليسار (بالمفهوم العام جداً لليسار) وشجب ثورة الحقوق المدنية واعتبرها مؤامرة سعودية-أمريكية لتفكيك الجمهورية الإسلامية واسترضاء إسرائيل وتمهيد الطريق لامبريالية الليبراليين الجدد. حيث وصفها أحد منتقدي الحركة الخضراء بعبارته الشهيرة آنذاك: “أنا مع الثورات التي تغضب إسرائيل فقط، فإذا كانت إسرائيل سعيدة بثورة ما فلن أكون سعيداً”.

بعد مرور عامين على الحركة الخضراء وعام على الربيع العربي يواجه ذات الجزء من اليسار مأزقاً أشد في محاولته لتشكيل موقف معقول إزاء الدراما الدموية في سوريا.

تتمثل المعضلة التي يواجهها هذا الجزء من اليسار في سوريا في فشله الجذري في قراءة الربيع العربي بشكل عام، فكما أدانوا الحركة الخضراء لأن الولايات المتحدة خصصت بضعة ملايين من الدولارات لـ “تغيير النظام” في إيران فإن ذلك المبلغ يعد ضئيلاً بالنسبة للأموال التي استثمرتها الولايات المتحدة في الجيش المصري، كما أن السعوديين حرصوا على صعود الإسلاميين في انتخابات ما بعد مبارك. إذاً ماذا نفعل حيال الثورة المصرية؟ نلغي الأمر كله فقط لأن الولايات المتحدة والسعوديين حاولوا التحكم بنتائجها؟

من أجل أن نكون عادلين ولنفهم مأزق اليسار إزاء الربيع العربي بشكل عام والثورة السورية بشكل خاص يتوجب أن يكون لدينا أولاً تصورٌ واضح عن اليمين (بمفهومه العام أيضاً) الذي يقوم اليسار برد الفعل تجاهه بشكل جزئي.

لا انعطاف نحو اليسار

إن موقف اليمين واضح الآن: النظام السوري استبدادي إجرامي يذبح شعبه وعلى “المجتمع الدولي” (يقصدون بذلك الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين في المنطقة من خلال آليات الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية) أن يتدخل ليوقف حمام الدم وأن أي شخص يتساءل أو يشك بتلك الرواية هو شريك في جرائم بشار الأسد. لا يدخل في حسابات اليمين التورط الفعال للولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية في تفكيك نظام الأسد بما يحقق مصالحهم، وإن دخل ذلك في حسابهم فهم يعتبرون الأمر ميزة إضافية.

إن أي فرد ينتقد التصور الأمريكي-السعودي للمنطقة بشكل عام، أو لسوريا بشكل خاص، يتهمه اليمين بتعاونه مع النظام الحاكم في سوريا أو إيران. الناس يخاطرون بحياتهم في وجه الاستبداد معتمدين على معنوياتهم العالية ولا يسمح لليسار باتخاذ “موقف المتزمت” وإطلاق الأحكام على ما هو صحيح وما هو خاطئ في هذه الثورات. يتوجب تشجيع الأمم المتحدة وقاذفات الناتو والولايات المتحدة ليقوموا بالمهمة ويقضوا على الطغاة. بالنسبة لهم الناتو والقوات الأمريكية هم قوى الخير بينما تلك القوات المحلية هي قوى الشر وعلى الولايات المتحدة تحرير هؤلاء الناس.

كان لدى ناشطة حقوق المرأة المشهورة في فترة ما بعد الاستعمار، غاياتري شاكرافورتي سبيفاك Gayatri Chakravorty Spivak ، مقولة تناسب هؤلاء الأشخاص وسياساتهم: “رجال بيض ينقذون نساء سمر من رجال سمر”.

لنكن متأكدين بأن موقف اليمين المخادع هذا الذي يخدم مصالحهم وحدهم والذي هو أيضاً إما أعمى أخلاقياً أو ضحل فكرياً غير قادر على رؤية النفاق في موقف الولايات المتحدة/الناتو لاستجداء “تدخلهم الإنساني”- مما يجعل دماء الناس تغلي- وبالتالي يشجع ذلك على الاندفاع نحو الموقف الذي يتخذه اليسار الآن.

ولكن أسلوب “الجكارة” هذا مكرر وعديم الفائدة ولن يساعد على توضيح خطوط الصدع لليسار علاوة على معضلته الحالية.

صورة: نشطاء سوريون يحشدون حول القاعدة السياسية للأسد

لا يمكن للوسط أن يستمر

يمكن أن يكون هناك شك قليل بأن القوات الخاصة التابعة للولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل والسعودية ودول خليجية أخرى يعملون ويمولون سراً في سوريا، يسحبون ويدفعون الثورة وفقاً لاتجاهاتهم ولأجل مصالحهم. لقد تم خلع القفازات نهائياً الآن وصرح السعوديون بوضوح أن عليهم تسليح الثوار السوريين (مما يعني أنهم قد بدؤوا فعلاً بتسليحهم).

“لا يقدم أحد الغداء مجاناً” يقول المثل الأمريكي العامي والذي يناسب السياق الاقتصادي وكذلك السياسي. لا وجود للعوزي المجاني فاليد التي تعطي العوزي اليوم ستأخذ حصتها بالمقابل غداً في سياسات ما بعد سقوط الأسد.

لكن اليمين ليس صامتاً حيال هكذا تلاعب بالانتفاضة الثورية فحسب، بل إنه في الحقيقة موافق عليه ويؤيده أيضاً. فبالنسبة لهم كان الحدث الليبي فاتحاً للشهية ناكرين ومتجاهلين الأعمال الوحشية بعد نهاية مرحلة القذافي والتي أدت إلى مداخلات نقدية من قبل العديد ومن بينهم الأستاذ في كلية ترينتي، فيجاي براشاد Vijay Prashad، الذي تحدث عن ملاحظاته قائلاً:

“توجد حاجة ماسة لتقييم ما حدث في ليبيا كنتيجة ليس فقط لجرائم القذافي الوحشية ولصعود الثوار بل أيضاً وبشكل كبير لطبيعة تدخل الناتو. ولم يتم هذا التقييم بعد.. أنا أخشى أن ذلك يدعو فعلاً للتساؤل عن استخدام حقوق الإنسان كذريعة للتدخل. إذا لم نستطع العودة إلى الوراء وتقييم ما حدث فأنا أعتقد أن الكثير من الناس حول العالم سيخافون من تدخل عسكري آخر إذ لم تستخلص العبر من درس ليبيا بعد.”

يرفض اليمين كل هذا على أنه هراء يساري؛ وللرد على هذا النفاق المطلق أو الإمبريالية الصارخة لليمين يصبح موقف اليسار أكثر تشدداً وبالتالي متناقضاً أخلاقياً وضحلاً فكرياً: نعم، قد يكون النظام السوري فاسداً ومجرماً، يوافقون على ذلك، ولكن الخطر الحقيقي على الثورة السورية يأتي من الولايات المتحدة والسعودية – وبالتالي هم متناقضون في أحسن الأحوال وصامتون على جرائم النظام السوري في أسوأ الأحوال. وإذا تجرأ أحد ما على الإشارة إلى مشاهد الأسد الإجرامية يتهمونه/أو يتهمونها بالتواطؤ مع الولايات المتحدة والسعودية أو بمجرد كونه مغفلاً مخدوعاً بـ “الإعلام الغربي”.

يؤكد اليسار بأن ما بدأ كمظاهرات صادقة تم اختطافه من قبل “جماعات سنية متطرفة” داخل سوريا وقوات خارجية ممتدة من الولايات المتحدة إلى إسرائيل والسعودية بالإضافة إلى دول خليجية – كلهم يقفون صفاً واحداً ضد إيران وحزب الله، وهما بالنسبة إليهم، جبهة المقاومة ضد الإمبريالية كما هو واضح. حتى أن البعض من اليسار الذين يؤيدون الربيع العربي يدعون الثوار العرب إلى ضرورة تطوير تحالف استراتيجي مع نظام الحكم في الجمهورية الإسلامية. ويقولون إن النظام في إيران قد يكون بالفعل مجرماً تجاه مواطنيه ولكنه يقف ضد الإمبريالية. مرة أخرى: الفساد الأخلاقي لهذا الموقف سببه الجهل السياسي.

الآن حتى القاعدة (مهما كان يعني ذلك) دخلت المشهد وتريد الحصول على جزء من العمل. فقد أصدر أيمن الظواهري مؤخراً تسجيل فيديو يدين فيه الأسد ويحض المسلمين على الثورة ضده – وهذا الواقع أعطى اليسار سبباً إضافياً لإدانة الثورة السورية بمجملها. الآن حتى حماس نأت بنفسها عن نظام الأسد المجرم واصطفت إلى جانب الثوار السوريين مما أفقد اليسار الكثير فأصبح يتساءل عما يفعل أو يقول عن عالم يتغير بسرعة كبيرة ليتركهم يطاردون خيالهم.

صورة: سوريا تقوم بالاستفتاء وسط العنف

ما وراء الأفكار النمطية

إن مشكلة كلا الموقفين – اليسار واليمين- أنهما يتحدثان من موقع قوة أو قوة مضادة، أي من موقف دولاني statist، مندفعين بقوة لانتزاع السيطرة على جهاز الدولة واستبداله عند سقوطه. فاليمين يتحدث من خلف الأسلحة الأمريكية- الإسرائيلية ومن خلف الحسابات المصرفية السعودية، واليسار يتحدث من موقع مقاومة تلك القوى راغباً بدعم جهاز دولة قائم أو ناشئ يستطيع أن يضمن له تلك المقاومة. نظام الأسد يسقط والآن علينا أن نندفع للسيطرة على جهاز الدولة، والجيش بشكل خاص. ما يتشارك به اليسار واليمين هو دولانيتهما المتطابقة، والسبب في ذلك بالنسبة لهم أن كل الثورات العربية قامت بهدف السيطرة على أجهزة الدولة وسلطة الدولة ولتوجيه (أو بشكل أدق محاولة توجيه) سقوط أنظمة الحكم حسب اتجاهاتهم.

يغيب الشعب بشكل مطلق من حسابات اليسار واليمين، الشعب الحقيقي، الناس العاديون، أولئك الذين يحتلون الحيز العام، فمن يحشد الناس فيه يفوز به. أما بالنسبة لليسار واليمين فإن هؤلاء الناس هم مجرد دمى إما لاستخدامهم واستغلالهم لتسهيل المكائد الأمريكية-السعودية أو لخداعهم بالانتفاضة الثورية التي خطفت من قبلهم. ليس لدى اليسار ولا اليمين أدنى درجة من الثقة أو حتى التصور السياسي الفعال حول الحيز العام الذي يحتله الناس العاديون فيزيائياً على نطاق واسع.

لنفترض أن الأسد سيسقط غداً، وأن السعودية والولايات المتحدة ستنجحان بتشكيل نظام تابع لهم كالدمية وأن يستأنفوا أعمالهم كالمعتاد- هل هذه هي نهاية ثورة السوريين؟ هل هذا هو ما أتى لأجله الربيع العربي وساحة التحرير؟ الآن لنفترض أن روسيا والصين والجمهورية الإسلامية استطاعت أن تبقي الأسد في السلطة، هل هذه هي النهاية للثورة السورية؟

لا: الثورات قد بدأت للتو

إن الخطأ الجوهري لكل من اليسار واليمين هو –أحدهما بسبب محدودية الفكر والثاني بسبب الافتقار الأخلاقي- أنهم لا يملكون تصوراً من القاعدة نحو القمة عما يشاهدونه أمام أعينهم وما ندعوه بالربيع العربي. كلاهما يتطلعان إلى نظام دولاني، متعطشان للسلطة، يحاولان السيطرة على جهاز الدولة، أو ما يسميه ماكس فيبر Max Weber “الأدوات الخارجية” لأي دولة، أي أدوات العنف لفرض السيطرة، متناسيان ما أسماه فيبر في نفس الجملة ضرورة وجود “المسوغ الداخلي” لدى الشعب الخاضع لتلك الأدوات الخارجية. السوريون، كجميع نظرائهم العرب من المغرب إلى البحرين وجنوباً إلى اليمن وكالإيرانيين من قبلهم وكذلك في بقية العالم الإسلامي، فقدوا ذلك “المسوغ الداخلي” ولا يمكن للـ “الأدوات الخارجية”، التي تقدمها الولايات المتحدة/السعودية أو روسيا/الجمهورية الإسلامية، إرغامهم على الرضوخ.

ما نشاهده في العالم العربي هو ثورات ذات نهاية مفتوحة – والثورات ذات النهاية المفتوحة تعني أن الشعب مهم، تعني أن المصريين لا زالوا في ساحة التحرير، وتعني كذلك أن هذه الدول بحاجة إلى جماهير تحكمها، رغم أنها انقلبت وتشكلت بمكائد خارجية، وتلك الجماهير لن تتعرض مطلقاً لأي شكل آخر من الاستبداد أوالخيانة.

تستطيع السعودية والجمهورية الإسلامية، كما هو حال الولايات المتحدة وروسيا/الصين، أن تنفذا كل مكائدهما ولكن المقاومة والتحدي سيبقيان دوماً لدى الشعب السوري وثورتهم ذات النهاية المفتوحة التي تشكل جزءاً أساسياً من الربيع العربي.

يقولون أنه بإمكانك أن تحتل أرضاً وأنت راكب على صهوة حصان، ولكن من أجل أن تحكمها عليك الترجّل منه ؛ الأمر ذاته صحيح عن سوريا: من الولايات المتحدة وإسرائيل إلى السعودية ودول الخليج، ثم من روسيا والصين إلى الجمهورية الإسلامية وحزب الله، هناك حتماً العديد من المؤامرات التي تعمل على إخضاع سوريا. ولكن عندما تهدأ العاصفة وتنتهي هذه المؤامرات الكبرى سيتوجب على الحكّام الجدد الترجّل لحكمها- وعندها سيجدون أنفسهم بمواجهة الروح التي لا تقهر للشعب الذي غادر سجن خوفه الداخلي والذي لن يخضع مجدداً ونهائياً لأي استبداد داخلي أو خيانة خارجية. لقد فاز السوريون بثورتهم منذ الآن، فأي طغاة آخرين راغبين بفتح سوريا سيترجلون عن أحصنتهم ليواجهوا أمة ترفض الخضوع سواءً بالإرهاب أو الخداع.

لقد كشف الربيع العربي عن قوة الناس العاديين وجهّز الحيز العام الذي يحتلوه والمؤسسات المدنية التي سيشكلونها لاحقاً بكل تأكيد في ذلك الحيز. لقد أدى الربيع العربي إلى ولادة مجتمع ثوري revolutionary gemeinschaftسوف يبقى مع هذه المجتمعات مهما كانت الجهة الموجودة في السلطة. من دون معرفة المؤامرات السياسية التي فرقت بين اليسار واليمين يقوم السوريون، وكذلك شعوب العالم العربي والإسلامي، بتبديد رهابهم وتحقيق قوة تجمعاتهم التضامنية.

حميد دباشي هو أستاذ هاكوب كيفوركيان للدراسات الإيرانية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك. كتابه القادم (الربيع العربي: نهاية حقبة ما بعد الاستعمار) سيتم إصداره في شهر أيار/مايو 2012 عن دار زيد Zed.

الآراء الواردة في هذه المقالة هي آراء الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الجزيرة التحريرية.

المصدر: الجزيرة

ALJAZEERA International

On Syria: Where the Left is right and the Right is wrong

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s