اقضوا عليه

بدون تدخل دولي، ثمة فرصة جيدة للديكتاتور السوري، بشار الأسد، كي يحكم لسنوات عدة قادمة.

بقلم دانييل بيمان Daniel Byman

2  شباط/فبراير 2012

فيما يحتشد قادة العالم في الأمم المتحدة لمناقشة أمر المطالبة بتنحي الرئيس السوري بشار الأسد، يجزم العارفون على أن الوقت المتبقي له أصبح قصيراً بالفعل. فالرئيس السوري عبارة عن “رجل ميت يمشي”، بحسب تعبير أحد الدبلوماسيين الأميركيين، وهو رأي يشاطره فيه الجيش الإسرائيلي كما وتنبأت به من قبل مجموعة من خبراء السياسة الخارجية ممن شملهم استطلاع للرأي حول هذا الموضوع. مع ذلك تبدو التقارير التي تتحدث عن نهاية الرئيس الأسد مبالغاً فيها إلى حد كبير. فبعد نحو عام من المظاهرات وأعمال العنف المتزايدة نجح الرئيس الأسد في الصمود، وما لم يتم الضغط عليه من قبل أطراف خارجية فاعلة فإنه قد يظل متشبثاً بالسلطة.

من السهل أن ندرك السبب وراء اعتقاد الكثيرين بأن ساعة الأسد ربما تكون قد أزفت. فبالرغم من وفاة أكثر من 5000 متظاهر واعتقال الآلاف إلا أن السوريين تحدوا النظام بشجاعة، والذي يبدو بدوره عاجزاً عن ترويعهم وحملهم على الخضوع. بينما ثبت المتظاهرون بصلابة، انخفض الدعم الدولي للأسد. وعلى الرغم من أنه في البداية لم يقدم العالم الشيء الكثير عندما أطلق النظام السوري الرصاص على شعبه، إلا أن الرئيس باراك أوباما كان قد أعلن في شهر آب/أغسطس، “لقد حان الوقت للرئيس الأسد أن يتنحى”. انضم الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة وفرض عقوبات شاملة على النظام السوري، بما في ذلك العقوبات على مبيعاته النفطية. في غضون ذلك، دعت جامعة الدول العربية مراراً إلى وقفٍ لإطلاق النار، وسَعت إلى التوسط في اتفاق يسلّم الأسد بموجبه السلطة. كما اتخذ بعض القادة العرب – كملك الأردن عبد الله الثاني – خطوة غير مسبوقة حين طالبوا رئيس دولة جارة بضرورة الرحيل. يحتقر الأسد تلك الدعوات لتغيير النظام، لكن انهيار التجارة والاستثمارات وهروب رؤوس الأموال الضخمة ألّبَت الكثير من السوريين على الحكومة، وسرعان ما سيجد النظام الذي يعاني الضائقة المالية صعوبة في دفع رواتب أجهزته الأمنية. فضّل الآلاف من الجنود الانشقاق عن الجيش السوري على قتل أهاليهم.

تتصاعد وتيرة الأحداث، ويُحتجز العديد في ثكناتهم لعدم ثقة النظام بهم. الجيش السوري الحر، المؤلف في أغلبه على ما يبدو من المنشقين، ازداد قوة وبات يعمل بحرية فوق رقعة متزايدة من البلاد.

الضربات التي تلقاها النظام كانت شديدة، إلا أن الأسد لم ينحنِ أو ينكسر – كما ولازال يملك عدداً من المقوّمات الخطيرة تصبّ في طرفه من المعادلة.

فلننظر أولاً إلى ولاء الجيش والأجهزة الأمنية. جيش المعارضة يزداد قوةً، لكنه يفتقر إلى الدبابات والأسلحة الثقيلة الأخرى، وهو غير قادر على الصمود بمفرده في معركة مفتوحة. من دون انشقاقات واسعة، يظل النظام أقوى من المعارضة. سلك الضباط على وجه الخصوص لازال موالياّ، وأقارب الأسد يشغلون مناصب رئيسية. الغالبية الساحقة من الضباط تنحدر من أقلية طائفة الرئيس العلوية، ومعظم الأسر العلوية لديها واحد على الأقل من أفرادها أعضاء في جهاز الأمن. العلويون (وهم أتباع أقلية دينية غالباً ما تعرضّوا للازدراء من قبل تيار المسلمين الرئيسي؛ السني، والذي يدعي فيهم ممارسات دينية منحرفة) لديهم سبب جوهري لمقاومة تغيير النظام.

على الرغم من أن عُشر سكان سوريا فقط أو نحو ذلك هم من الطائفة العلوية، إلا أن تلك الشريحة المجتمعية تشكّل قاعدة قوية للنظام: فهم مسلحون، ومعبأون، ويتملكهم خوف من أن سقوط الأسد قد يعني الموت الوحشي لهم، وليس مجرد فقدان للامتيازات. حشَدَ النظام ميليشيات علوية جنباً إلى جنب مع القوات العسكرية، واستخدم أفرادها كشبيحة وقناصة ضد مواطنيهم من الطائفة السنية. كلما تصاعد العنف كلما تزايد القتل الطائفي في المقابل.

يسيطر العرب السنة على المعارضة، لكن الأسد حاول طويلاً استمالة الأقليات الأخرى، مثل المسيحيون والدروز والأكراد – وكذلك كبار العائلات السنية – من أجل منع تشكيل جبهة موحدة ضد النظام. ليس من هؤلاء من هم أكثر ولاءً من العلويين، وليسوا ممن لديه الكثير ليفقده – لكن هذا لا يعني أنهم سوف يلتحقون بركب المعارضة.

الأقليات تنظر بخوف إلى العراق على وجه الخصوص، وهي تشعر بالقلق من أن انهيار النظام ونشوب حرب أهلية سوف يؤدي إلى وقوع مجازر.

تكيل العقوبات ضربات على شعبية النظام، لكن عندما يضيق الخناق يصبح الالتصاق بالحكومة أكثر أهمية. أولئك الذين يحملون السلاح سيأكلون أولاً؛ بينما تأكل المعارضة آخراً. حينما عانى عراق صدام حسين عقوبات قاسية لأكثر من عقد أوجد نظامه وسائل التفافية فاستخدم عائداته الضئيلة لمكافأة المؤيدين في الوقت الذي حُجبت فيه المساعدات عن الأعداء. وكانت الحصيلة الإنسانية فعالة بشكل خاص كأداة علاقات عامة لتشويه سمعة أولئك الذين يريدون عزله دولياً. لنتذكر، لقد تطلب الأمر غزواً أجنبياً للإطاحة بالديكتاتور.

كما أن الأسد لا يقف بمفرده. تبدو إيران وكأنها تراهن على سوريا، حليفها العربي الوحيد. طهران وعلى الرغم من تعرضها هي نفسها للضغوطات، يمكنها أن تغذي شريان النظام الاقتصادي فضلاً عن إمداداه بالذخيرة والقذائف الكافية لمواصلة إسقاط المحتجين – وهي موارد يمكن لها أن تصنع الفارق كله. في الجوار، حزب الله، شريك كل من الأسد وإيران، يمثل حليفاً آخر للنظام السوري وشرياناً اقتصادياً من خلال عمليات التهريب عبر لبنان. النظام العراقي، الذي قد يكون حريصاً على تقديم خدمة لصالح طهران، ربما يغض الطرف هو أيضاً عن مهربي البضائع والأسلحة القادمة إلى سوريا من الأراضي العراقية. ثم هناك روسيا – المزوّدة للسلاح وعقبة حق النقض (الفيتو) غير المتزحزحة في الأمم المتحدة، معرقلة بذلك الجهود الدولية المبذولة لعزل النظام.

لعل أعرض آمال الأسد تتمثّل في الفوضى التي تضرب المعارضة نفسها. ما من قائد ملهم يوحّد المعارضة. إنّ لسوريا عوامل وحدة محلية وإقليمية قوية، وتحزّب المعارضة السورية والمجلس الوطني السوري إنما يعكس ذلك أمراً واقعاً على الأرض. يبقى السؤال حول عدد السوريين الذين ينطق المجلس الوطني السوري باسمهم مسألة غير محسومة، ويزعم المنتقدون أن الاسلاميين هم من يسيطرون عليه وأنه لا يمثّل الكثير من السوريين.

على النقيض من المتمردين في ليبيا، فإن المجلس الوطني السوري يعمل بشكل رئيسي من المنفى، وذلك كونه لا يسيطر على جزء من سوريا يمكن له أن يتمركز فيه دونما مخاطر تذكر. ليس مستغرباً تلك الانقسامات الحادة بين هؤلاء ممن هم داخل البلاد، والذين يتحملون العبء الأكبر من وحشية النظام، وأولئك الذين يمثلونها بسلام من الخارج. حتى الآن على الأقل، يتمتع المتمردون ببعض التعاطف من جانب الحكومات الدولية، لكنها في معظمها محدودة في مقابل دعم فعال من القوى الكبرى – ما من شأنه تعجيل التأكيد على أن تدخلاً عسكرياً دولياً ليس قضية مطروحة على طاولة النقاش.

باختصار، فإن الديكتاتور السوري ليس قوياً بالدرجة الكافية لكي يسيطر على المعارضة، لكن هي أيضاً في المقابل ليست قوية بما يكفي للإطاحة به — سيناريو لحرب أهلية متواصلة.

وعليه، إذا كان يتوجب على الأسد الرحيل فإنه قد يحتاج إلى دفعة من المجتمع الدولي. تكتسب جهود بناء المعارضة السورية أهمية خاصة، إضافة إلى توحيد صفوفها وتدريب الميليشيات التابعة لها بحيث تكون أكثر فعالية في المعركة. في الوقت عينه، لا بد من حث المعارضة على تجنب الطائفية الدينية بكافة الأثمان. فتلك عدا عن أنها ستجعل العلويين وغيرهم من الأقليات أكثر تصلباً في مواقفهم، ستجعل أيضاً حكمَ سوريا أمراً صعباً في حال سقوط الأسد. في ليبيا، كانت إحدى الخطوات الأقل دراماتيكية ولكن ذات أهمية أكبر تلك التي اتخذتها القوى الغربية في بناء المعارضة الليبية وجعلها مؤسسة أكثر تمثيلاً وفعالية.

إلا أن التدخل يجب أن يكون مطروحاً أيضاً على الطاولة من أجل الإشارة إلى أن هذا النظام لا يمكنه إخماد المعارضة بالقوة – يتوجب على الولايات المتحدة وحلفاء خطابها التحذير من أن هذا الخيار سيصبح أكثر احتمالاً إذا لم يتنحى الأسد. إن زيادة الضغط اليوم سيساعد في إقناع الموالين للأسد بأن النظام لا يمكنه الصمود في وجه العاصفة، وأنهم في حاجة إلى مغادرة السفينة الآن – بدلاً من القيام بذلك عندما تصبح المعارضة أكثر دموية وأقل رغبة في المساومة. هذا الجهد القوي هو فقط القادر على إنهاء حكم الزعيم الذي ورّط شعبه وزج بهم في كابوس.

إن أي جهد منقوص سيؤدي بنا لأن نرى سفك الدماء مستمراً إلى أجل غير مسمى، ولربما يُغرق في طريقه الدول المجاورة مثل تركيا وإسرائيل، معطّلاً جهود العراق الهشة في بناء الدولة، رافعاً مستوى التوتر بين إيران والغرب، ومانحاً الحكام المستبدين في أماكن أخرى من العالم العربي مصداقية عندما يزعمون أن الفوضى هي بديل الاستبداد وليست الحرية.

دانيال بايمان Daniel Byman، أستاذ في برنامج الدراسات الأمنية في جامعة جورجتاون ومدير البحوث في مركز سابان في معهد بروكينغز. وهو مؤلف  كتاب: “الثمن الباهظ: النجاحات والإخفاقات لمكافحة الإرهاب الإسرائيلية” “A High Price: The Triumphs and Failures of Israeli Counterterrorism”

 

 

 

المصدر

 

Finish Him

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s