القوة الكامنة وراء فكرةٍ محفوفة بالمخاطر

القوة الكامنة وراء فكرةٍ محفوفة بالمخاطر

ينبذ دعاة العلمانية الدينَ باعتباره قوة خبيثة في الأرض. لكن بدءاً من نضال أون سان سو تشي في بورما ووصولا إلى الربيع العربي، كان الإيمان هو الملهم لحركة الاحتجاجات السلمية الوليدة.

قد لا تعني أسماء مثل يحيى شربجي وغياث مطر الشيء الكثير لمن يتواجدون خارج سوريا. لكن داخل البلاد ينظر إليهم من قبل العديدين على أنهم أبطال ساهموا في إلهام الناس وتنظيم وتعبئة احتجاجات لاعنفية ضد نظام بشار الأسد الاستبدادي في سوريا قبل أن يتم إلقاء القبض عليهم واعتقالهم، ومن ثم تعذيبهم وقتلهم كما حدث في حالة غياث مطر ابن السابعة والعشرين والذي لقي حتفه إبان احتجازه من قبل شرطة الأسد السرية في أيلول الماضي.

في داريا بضواحي دمشق حيث كانا يقطنان، ابتكر كل من شربجي ومطر أسلوب توزيع الورود والتمور وزجاجات المياه على الجنود الشباب المبعوثين من قبل الحكومة لكي يفتحوا النار على المتظاهرين العزل. حصل الأول بموجب ذلك على لقب “الرجل ذو الورود”، بينما لُقّب مطر ب “غاندي الصغير”.

هذا اللاعنف، ما هي جذوره؟ في عام 1966، نشر المفكر والفيلسوف الإسلامي جودت سعيد المولود في سوريا عام 1931، خريج جامعة الأزهر في مصر، نشر كتابا بعنوان “مذهب ابن آدم الأول: مشكلة العنف في العالم الإسلامي”. كان ذلك أول كتاب يجري نشره من قبل باحث مرتبط بالحركة الإسلامية الحديثة والتي نادت صراحة بفلسفة اللاعنف. كتب جودت سعيد كتابه هذا كرد مضاد لكتابات ابن عصره سيد قطب، المنظّر الإسلامي الراديكالي المصري الذي يعد اليوم واضع أيديولوجية تنظيم القاعدة وعرَاب التشدد الإسلامي المعاصر.

يتمحور كتاب مذهب ابن آدم الأول حول التعاليم القرآنية بخصوص اللاعنف، وتحديدا فيما يتعلق بقصة قابيل وهابيل، ولدي آدم، حينما رفض هابيل الدفاع عن نفسه ضد أخيه رغم أنه يخسر حياته في النهاية. يروي القرآن كيف قدّم ابنا آدم أضحيتين لله في سورة المائدة:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29) (سورة المائدة)

حينما جوبه بعنف المعترضين، جادل جودت سعيد بأن على المسلمين أن يتصرفوا “كما فعل الابن البكر لآدم، الذي لم يدافع عن نفسه ضد هجمات شقيقه”. فبحسب رؤيته أن السلوك غير العنيف الذي أبداه هابيل خشية الله، “يمثّل سلوكاً ينبغي أن تقتدي به البشرية، وأن التمسك به هو تحقيق لواحدة من وصايا الله”.

بالنسبة لسعيد، يتعارض العنف مع تعاليم القرآن. فمن وجهة نظره المثيرة أن الإسلام والسلميّة يسيران جنباً إلى جنب، على عكس النظرة التقليدية للإسلام كدين يحض على العنف أوجده نبي مقاتل بطبعه. لا يشير سعيد إلى عهد النبي محمد في المدينة المنورة بين 622 و 632 ميلادي حين قاد في ساحات القتال معارك ضد القبائل الوثنية واليهودية، إنما إلى الـ 12 سنة التي قضاها نبياً في مكة المكرمة (610 – 622 م)، حيث ناضل سلميا ضد من اضطهدوه.

اليوم، في طبعته الخامسة، أقبل المحتجون في شوارع دمشق وحمص وحماة وداريا — بما فيهم شربجي ومطر– على كتاب سعيد هذا. كان قرارهم بنبذ العنف واعتماد استراتيجية العصيان المدني والاحتجاج السلمي خيارا أخلاقيا وعقائدياً، ولم يكن قراراً عملياً أو تكتيكياً. “لقد سلكنا طريق اللاعنف عن غير جبن أو ضعف بل من منطلق أخلاقي، لا نريد أن نحقق نصرنا عبر تدمير البلاد”، كان ذلك واحدا من آخر ما كتبه مطر في صفحته على الفيسبوك. وأضاف “نحن ننشد تحقيق غايتنا على نحو أخلاقي، لذا سنلتزم هذا الطريق حتى يقضي الله مشيئته”.

إنكار باطني

لطالما كانت الأديان والجماعات الدينية موضع اتهام من قبل المثقفين الملحدين بأنها تؤيد العنف وتضفي عليه صفة الشرعية كما وأنها تحرّض على الحروب بين الشعوب والأمم. وفقا لسام هاريس Sam Harris اختصاصي العلوم العصبية و مؤلف كتاب “نهاية الإيمان: الدين والإرهاب ومستقبل العقل” The End of Faith: Religion, Terror and the Future of Reason وكتاب “رسالة إلى أمة مسيحية” Letter to a Christian Nation فإن ثمة “ارتباط عميق” بين الدين والعنف. ” يلهب الإيمانُ العنفَ عبر طريقتين على الأقل”، كما يكتب. “أولاً، هو أن الناس غالبا ما تفتك بغيرها من البشر لاعتقادها أن خالق الكون يطلب منها أن تفعل ذلك… ثانياً، إن أعداداً أكبر من الناس تنجر إلى الصراعات كونها تقوم بتحديد قيمها الأخلاقية على أساس انتمائها الديني”.

مع ذلك فإنه من المؤكد أن الربيع العربي قد قوّض مثل هذه الادعاءات، حتى حينما حاول بعض دعاة العلمانية فصل الاحتجاجات بشكل كلي عن الخلفيات والمعتقدات الدينية للمحتجين. لاحظَ محلل النزاعات الأمريكي مايكل شانك Michael Shank وجود “إنكار باطني” في الغرب لجهة قدرة المسلمين على “تنظيم أنفسهم بشكل غير عنفي مع وجود اعتقاد صريح بأن الاحتجاجات في العالم الإسلامي قد استُلهمت من مصادر خارجية غير إسلامية”. أحد هذه “المصادر” هو الناشط والأكاديمي جين شارب Gene Sharp المقيم في الولايات المتحدة. يدعي بعض الصحفيين الغربيين أن كتابه “من الديكتاتورية إلى الديمقراطية” From Dictatorship to Democracy، والذي وُظّف كأساس للحملات اللاعنفية في صربيا وجورجيا وأوكرانيا، كان القوة المحركة وراء الاحتجاجات في العالم العربي. (اقرأ المقال المنشور في نيويورك تايمز في شباط الماضي تحت عنوان

“مفكر أمريكي خجول يؤلف دليلاً للتكتيكات المستخدمة في الثورات”

Shy U.S. Intellectual Created Playbook Used in a Revolution))

ليس ذلك تبسيطا للأمر فحسب، بل إن فيه تعالياً أيضا. ينبغي نسب الفضل لأصحابه.لقد كان العرب المسلمون في طليعة الاحتجاجات اللاعنفية ضد الطغاة والمستبدين في المنطقة — وليس فقط في سوريا. في اليمن، فإن الفتاة المتحجبة توكل كرمان، وهي واحدة من طليعة منظمي النضال اللاعنفي ضد الديكتاتورية المتداعية برئاسة علي عبد الله صالح المدعوم من قبل الولايات المتحدة، هي فتاة مسلمة متدينة وعضو رفيع في حزب الإصلاح المحافظ الإسلامي المعارض.

في تشرين الأول، أصبحت كرمان أصغر شخص و ثاني امرأة مسلمة، تفوز بجائزة نوبل للسلام. “نحن نرفض العنف ونعلم كم تسبب لنا بمشاكل لا عدّ لها ولا حصر في بلادنا”، صرحت كرمان في مقابلة لها هذا العام.

يتساءل المرء، ما قول هاريس ومن باتوا يُعرفون بالملحدين الجدد في توكل كرمان؟ أو شربجي ومطر؟ لا يتعلق الأمر فقط بالشرق الأوسط أو المسلمين — ومع ذلك يبدو غريبا أن يكون أتباع جماعة دينية اشتهرت بانتحارييها وجهادييها المتشددين وراء أكثر الحركات اللاعنفية إثارة للإعجاب والإلهام في عام 2011. في الحقيقة من الممكن العثور على تعاليم اللاعنف في قلب كل دين، فهو كما وصفه الكاهن الكاثوليكي ذائع الصيت جون دير John Dear، “اللاعنف قائم في جوهر الله”. في كل الديانات الكبرى، كما يقول: “نكتشف جذور اللاعنف”.

خذ المسيحية على سبيل المثال. “طوبى لصانعي السلام” أعلنها السيد المسيح في عظة الجبل. في اليهودية، التحية الأكثر شيوعا، “شالوم”، تعني “السلام”. في الإسلام ، غالبا ما يشار إلى الله كـ “منبع السلام” والجنة تعرف باسم “دار السلام”. في الوقت نفسه، فإن أهمسا ahimsa (الذي يعني حرفيا، تجنب العنف) هو أحد الركائز الهامة للأديان الهندية القديمة؛ الهندوسية والجاينية والبوذية.

لا يعني ذلك أنه لا توجد آيات وحكايات وعِبر في كل الكتب المقدسة تقريبا يمكن أن تستخدم –أو استخدمت– لتبرير العنف و”الحرب المقدسة” ضد “الكفار” و”المذنبين” وسواهم. مع ذلك، يبقى رفض الاعتراف أو التعامل مع التقاليد غير العنيفة في كافة الديانات كبرى علامة على الجبن الفكري. سواء شاء الملحدون الجدد الاعتراف بذلك أم لا، فإن الرسائل التي تدعو للأخوة والسلام واللاعنف يمكن العثور عليها في جوهر كل دين.

ألهمت شخصيات وجماعات ذات جذور دينية أعداداً لا تحصى من حملات المقاومة اللاعنفية حول العالم اليوم وساندتها. لقد ثابر التبتيون على احتجاجهم السلمي ضد المحتل الصيني دفاعا عن عقيدتهم وثقافتهم منذ العام 1959. فيعزى الكثير من مقاومتهم للحكم الشيوعي إلى البوذية حيث كان الرهبان والراهبات والأديرة في طليعة ممارسات اللاعنف المختلفة – بدءاً من عدم التعاون والامتثال للمسؤولين الصينيين وصولاً إلى الإضراب عن الطعام وإضرام النيران بأجسادهم. منذ بداية هذا العام، أضرم ما لا يقل عن12 من الرهبان والراهبات والرهبان السابقين النار في أنفسهم احتجاجا على التضييق المتواصل من قبل الصين على حياة التبتيين. لأكثر من ستة عقود، رفض الدالاي لاما، الزعيم الروحي للبوذيين في التبت، التزحزح عن موقفه بشأن مسألة اللاعنف، على الرغم من استياء أتباعه المتشددين واليافعين منهم.

في بورما البوذية، زعيمة المعارضة أون سان سو تشي البالغة السادسة و الستين والحائزة على جائزة نوبل للسلام، رفضت على الدوام كما الدالاي لاما، اعتماد العنف كوسيلة لمقاومة جنرالات الحكم في البلاد، حتى بعدما أمضت خمسة عشر سنة من السنوات الاثنين والعشرين الماضية محتجزة من قبل المجلس العسكري علاوة على فقدانها لزوجها خلال تلك الفترة . سو تشي هي مدللة الليبراليين العلمانيين الغربيين الذين يشيرون إلى ثقافتها الليبرالية والمؤثرات التنويرية عليها، متجاهلين ممارستها الدينية للبوذية. وكما صرحت لصحيفة الواشنطن بوست Washington Post الشهر الماضي: “أنا بوذية الاعتقاد، لذلك أثق بأن تعاليم البوذية تؤثر في الطريقة التي أفكر بها”.

في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة هذا العام، شاركت مجموعة من اليهود الليبراليين والإصلاحيين ضمت أعضاءً من منظمة “حاخامات من أجل حقوق الإنسان” Rabbis for Human Rights، في الاحتجاجات الفلسطينية السلمية ضد الاستيلاء التدريجي على منازل الفلسطينيين من قبل المستوطنين الإسرائيليين في حي الشيخ جراح في القدس الشرقية. مرة أخرى، يكون الإيمان عاملاً محفزاً. وفقا للحاخام إريك أشرمان Arik Ascherman، قائد الفريق، فمن الآيات الأول من سفر الخروج: “نتعرف على ما يمكن أن يكون أول سابقة مسجلة عن العصيان المدني: القابلات ]العبريات[ اللواتي تحديْنَ فرعون”.

في هذه الأثناء، انضم يهود متدينون من حركة “ناطوري كارتا” Neturei Karta لتجمعات حاشدة في الضفة الغربية دعما لإقامة دولة فلسطينية. الرسالة التي تنادي بها حركة “ناطوري كارتا” رسالة بسيطة: “ليس لليهود الحق في فرض الهيمنة أوالقتل أوالأذى أو تحقير الشعوب الأخرى.”

إيمان مضاعف

إن محاولة فصل بروز تيار اللاعنف في العقود الأخيرة عن الدين والمتدينين هي مهمة مستحيلة. في الواقع، وبدون منازع، كان رمزَيْ المقاومة اللاعنفية والعصيان المدني في القرن العشرين رجلين مؤمنَيْن وهما: المهاتما غاندي، الهندوسي المتدين، ومارتن لوثر كينغ، القس المسيحي.

تأثيرات غاندي كانت أوسع طيفاً من مجرد دعوات “العصيان المدني” لهنري ديفيد ثورو Henry David Thoreau وغيرها من المقاربات العلمانية الأخرى. فهي امتدت لتشمل المُثُل الهندوسية من حيث التعاطف والتراحم والتكافل، كما والمنطلقات اللاعنفية للبوذية والجاينية، وصولا إلى ليو تولستوي، الذي احتضن في وقت متأخر من حياته شكلا من أشكال السلميّة المسيحية الراديكالية، وانتهاء بالإمام الحسين، حفيد النبي محمد، والذي ينظر إليه المسلمون على كونه “أميرا للشهداء”.

أوضح غاندي أن التزامه بعدم اللجوء إلى العنف يستند إلى مبادئ دينية لا مبادئ مدنية. “إن اللاعنف قوة يمكن أن تمارس من قبل الجميع على قدم المساواة — رجال ونساء وأطفال وكبار السن”، كما كتب في عام 1936 مضيفا: “شريطة أن يعمر قلبهم الإيمان بإله المحبة وبالتالي يكنّون المحبة للبشرية جمعاء “. بالنسبة للمهاتما، كان عدم اللجوء إلى العنف عبارة عن “قوة فاعلة على أعلى مستوى، وهي قوة الروح أو قوة الألوهية في داخلنا”.

في ستينيات القرن المنصرم، كانت المقاومة اللاعنفية لغاندي ضد بريطانيا مصدر إلهام لمارتين لوثر كينج ولحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة؛ تماما كما ألهمتها سيرة يسوع في الإنجيل. ففي خطاباته، دأب كينج في كثير من الأحيان، وهو راعي الكنيسة المعمدانية في الجنوب الأمريكي، على استحضار عظة الجبل للسيد المسيح والتي دعا فيها “ابن الله” أتباعه بأن “لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا”(متّى، 5: 38—39)

في خطابه بمناسبة تسلمه جائزة نوبل للسلام عام 1964، أعلن كينج: “ما زلت أعتقد بأنه سيأتي يوم تنحني فيه البشرية أمام مذبح الله وتتكلل بالنصر على الحروب وسفك الدماء وتعلن نوايا اللاعنف الحسنة حكمها على الأرض”.

اليوم، تدفع عناصر من اليمين المسيحي في الولايات المتحدة باتجاه الحرب على إيران، ودعونا لا ننسى أن جورج دبليو بوش، الرئيس الأمريكي المسيحي بحماسة، هو نفسه الذي أمر بغزو العراق. يمكن للمسيحيين المتدينين أن يكونوا على ذات الدرجة من العنف مع المسلمين المتدينين، فتاريخ المسيحية غارق في الدماء. كما قال الفيلسوف الأمريكي مارك يورجنزماير Mark Juergensmeyer :

“على الرغم من متركزاتها للمحبة والسلام، فإن المسيحية – شانها في ذلك شان معظم التعاليم — كان لها جانبها العنيف على الدوام” الذي “عكس صورا تبعث على القلق مثل تلك التي يقدمها الإسلام”.

في المقابل فإن إلقاء اللوم على السيد المسيح أو المسيحية في الحروب والجرائم التي ارتكبها البشر باسم الله هو أمر خاطئ غير عادل ومخالف للتاريخ. كان المسيحيون الأوائل من نشطاء ودعاة وكتاب وعلماء اللاهوت دعاة سلام مخلصين حاولوا محاكاة يسوع بسلميته بتجنب العنف ومعارضة كافة أشكال الحروب. فقط بعد اعتماد المسيحية من قبل الإمبراطورية الرومانية، وتحول الامبراطور قسطنطين إليها في عام 312 للميلاد أن شارفت المرحلة السلمية للكنيسة على نهايتها.

كما هو الحال في كثير من الأحيان — وكما يلاحظ مارك كورلانسكي Mark Kurlansky في كتابه الأخير “اللاعنف: خمس وعشرون درسا من تاريخ فكرة محفوفة بالمخاطر” Non-Violence: 25 Lessons from the History of a Dangerous Idea – إنه حينما يتشابك الدين مع الدولة أو تتبناه فإن “طبيعة هذا الدين تتغير تغيراً جذرياً ويفقد مكونه اللاعنفي ويغدو قوة دافعة نحو الحرب عوضا عن السلام… تلك ليست ظاهرة مسيحية حصراً فالهندوسية والبوذية والإسلام واليهودية — وجميع الديانات الكبرى قد خانتها أيادي الساعين إلى السلطة السياسية، ودنستها وأصابتها بالخزي مساعي الدول القومية”.

إلا أنه في عام 2011 حينما أخذت سيطرة الدول القومية والحكومات الوطنية تضعف، ربما بدأ المؤمنون دينياً باستعادة وعيهم الأيديولوجي وفق فلسفة اللاعنف. فبدافع من عقيدتهم وأخلاقهم، أخذت أعداد متزايدة من المسيحيين والمسلمين واليهود والبوذيين بالتخلص من العنف الذي شوّه تقاليدهم الدينية لفترة طويلة. فلزمن طويل جدا، فشل الدين في الترويج للسلام ونزع السلاح ونبذ العنف، واستطاع بدلا من ذلك، وبحسب كلمات جون دير John Dear من “تبني العنف و تحقيق قبول اجتماعي له في العالم”.

مع ذلك يظل الإيمان الديني القائم على نبذ العنف آخذا في الارتقاء، واعتماد الوسائل السلمية غير القسرية لتحقيق مطالب لإصلاح والثورة، حيث أعاد المتدينون تأكيدهم على إنسانيتنا المشتركة وثقتهم فيها، كما في الله.

و كما يقول غاندي: “اللاعنف يتطلب إيمانا مضاعفاً : الإيمان بالله والإيمان أيضا بالإنسان.”

مهدي حسن محرر سياسي رفيع المستوى لدى نيو ستيتمان New Stateman

المصدر:

Read Periodicals

The power of a dangerous idea

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s