أمريكا و عزلة السوريين

6 كانون الثاني/يناير 2012 | صحيفة وول ستريت “Wall Street Journal”

 كتبها فؤاد عجمي – زميل رفيع ورئيس مشارك في “فريق العمل المعني بالإسلام السياسي والنظام الدولي”
(Working Group on Islamism and the International Order)

بعد مرور نحو سنة على المعاناة التي تعيشها سوريا، أوفدت الجامعة العربية في الأسبوع المنصرم مجموعة صغيرة من المراقبين برئاسة أحد رجال الأمن السودانيين ممن يمتلكون سجلاً حافلاً بالوحشية في عمليات القتل التي حصلت في دارفور. الجنرال محمد الدابي، المساعد المقرب من حاكم السودان سيئ السمعة، عمر البشير، لم يشاهد ما يدعو للـ “خوف” في مدينة حمص المحاصرة كما ولم ير القناصة على أسطح المنازل في درعا في الجنوب .

عبّرت كلمات إحدى اللافتات المرفوعة في تظاهرة نسائية جرت في حمص عن صميم الواقع: “كل الأبواب أوصدت إلا بابك، يا الله”. في واقع العزلة التي يعيشها السوريون، برزت مواجهتهم المهيبة لديكتاتورية هي الأكثر رسوخا في العالم العربي، في ظل أجواء من دبلوماسية دولية عقيمة.

لقد أربكنا الوضع في ليبيا، حيث بوشر بإغاثة الشعب الليبي بعد أسابيع من بدء محنته وهو ما لم يتحقق بالنسبة للسوريين. لا تنتظر أن يقوم بشار الأسد بتقديم تحذير مسبق لرعايا مملكته- التي تعد، بحق، بمثابة كوريا شمالية على البحر المتوسط-  بأن قواته في طريقها لتعقبهم وذبحهم كالجرذان، كما فعل معمر القذافي من قبله.

هذا الحاكم عديم الإحساس. فشعبه يُضرب والآلاف يُختطفون و يُقتلون بل ويُعذّبون إن هم لجؤوا إلى المستشفيات الحكومية طلبا للعونِ. الأطفال يتعرضون لمعاملة وحشية من جراء خربشات خطوها على الجدران. ومع هذا كله يجلس الرجل ليجري الشهر الماضي مقابلة مع صحافية المشاهير باربارا والترز Barbara Walters يقول فيها أن فرق الموت المنفلتة تلك لا تتبع له.

في زلة فاضحة، قال الدكتاتور السوري للسيدة والترز أنه لا يملك البلاد، وأنه مجرد رئيس لها. لكن الحقيقة هي أن عائلة الأسد وأقطاب الاستخبارات من حولها هم الأصحاب الحقيقيون لهذا البلد المعذب. حافظ الاسد والد بشار، كان عبقرياً شريراً ارتقى في صفوف الجيش السوري من قاع الفقر والعوز وصولا إلى السلطة المطلقة، فاستولى على بلدٍ مضطربٍ وأخضعه حتى رحيله بوفاة طبيعية عام 2000  مورثاً ابنه مملكة بكل ما للكلمة من معنى، رغم عدم تسميتها كذلك.

قبل ثلاثين عاما، سحق الأسد الأب تمردا شرسا قادته جماعة الإخوان المسلمين، فدمر مدينة حماة الواقعة في سهول سوريا الوسطى، وجاء ليحكم شعبا خائفاً قبِل بصفقته التي فرضها عليه: عبودية سياسية في مقابل استقرار قذر وقاسٍ.

اليوم يسير الابن على خطى أبيه: فليسحق التمرد في حمص و يستعيد مملكة الخوف ثم سيغفر له العالم ويعود أدراجه عائداً إلى دمشق.

فيما يتعلق بشأن الأهمية الإستراتيجية لسوريا التي تحدها لبنان وإسرائيل والأردن وتركيا والعراق، سادت أسطورة استفاد منها نظام الأسد على أفضل وجه. ففي تشرين الأول الفائت، لعب حاكم سوريا بمزيج من المكر والتهديد والوعيد على هذا الوتر: “إن سوريا اليوم هي محور هذه المنطقة وهي خط الصدع فيها، إن عبثتم بسطح الأرض تسببتم بوقوع زلزال. أتودون رؤية أفغانستان أخرى، أو عشرات الأفغانستانات ربما؟ إن حدوث أي مشكلة في سوريا سيحرق المنطقة بأكملها”.

لا أحد ينكر مدى فعالية هذه الحجة. فدولتيْ الاستبداد الكبرَيين في العالم، روسيا والصين، قد وفّرتا لهذا النظام  الغطاء اللازم لصموده لدى الأمم المتحدة. في تشرين الأول الماضي رُدّ مشروع قرار واهن كان قد رُفع إلى مجلس الأمن بسبب هاتين الدولتين الدكتاتوريتين، وبمساعدة وموافقة كلٍ من البرازيل والهند وجنوب أفريقيا. (ماذا بقي من قيم أخلاقية لدى هذه القوى “الناشئة” من جراء موقفها هذا).

من جانبه، تعامل العالم العربي مع حالة الطغيان السوري بحذر شديد نوعا ما. فلأشهر عدة، نأت الجامعة العربية بنفسها وأشاحت بنظرها عن مشاهد الوحشية البربرية. لكنها في نهاية المطاف وبعد الخجل الذي أصابها من مناظر الشبيحة (لجان الأمن الشعبية التابعة للنظام) يدنسون المساجد ويضربون المصلين و يقتلونهم، علّقت جامعة الدول العربية عضوية سوريا فيها.

تم التوقيع على “خطة سلام” عربية يوم التاسع عشر من كانون الأول، لكن ذلك لم يوقف المذابح.

قدمت ديكتاتورية دمشق لجامعة الدول العربية تنازلا يسمح بموجبه لفريق من المراقبين بالدخول إلى البلاد. بشجاعة وبأعداد كبيرة، خرج السوريون الأسبوع الماضي لاستقبالهم وإظهار عمق معارضتهم للنظام. كما ورد في التقارير فإن نحو250,000 شخص كانوا في استقبالهم في مدينة إدلب في الشمال  بينما كان لـ 70,000  نصيب في تحدي النظام في دوما بضواحي دمشق. مع ذلك كله، تواصل القتل.

في هذه الأثناء كانت الديمقراطيات الغربية تأمل بتوفير طريقة للنجاة. ثمة حديث في باريس عن “ممرات إنسانية” لتزويد المدن السورية المحاصرة بالغذاء والماء والوقود. كما دارت مناقشات هادئة عن فرض منطقة حظر طيران من شأنها أن تشجع المنشقين الذين يشكلون الجيش السوري الحر وتحميهم.

رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لم يكن مباليا طوال الوقت. فهذا الحليف والداعم السابق للأسد، قطع أخيراً علاقته مع الحاكم السوري في الخريف الماضي قائلا: “تستطيع البقاء في السلطة بواسطة الدبابات والمدافع إنما فقط إلى حين”. المساعدة التي يمكن أن تقدمها أنقرة تأتي دائما متأخرة. فالمنفيون السوريون والمنشقون بحاجة لتركيا وبحاجة لملاذها، لكن وعود السيد أردوغان الزائفة كانت قد أصابتهم باليأس.

رد فعل الولايات المتحدة كان مخزيا هو الآخر.فمنذ اندلاع تمرد سوريا، أبدت إدارة أوباما ترددا لافتا. فقد كانت دكتاتورية الأسد أحد نظامين في المنطقة عزم الرئيس أوباما على استدراجهما (النظام الآخر هو النظام الديني في طهران). كان التجاوب الأميركي مع نضال الشعب السوري باردا إلى أبعد الحدود. بالتأكيد، كان لدينا مبعوث متميز وشجاع إلى دمشق، وهو السفير روبرت فورد الذي تحدى بلطجية النظام شاقّاً طريقه وسط الجنازات والمدن المضطربة، لامساً في الشوارع المترعة بالدم تعويلاً لم يفاجئه على قوة أمريكا و تعاطفها .

لكن على المستويات الرفيعة في الإدارة، كالرئيس ووزيرة الخارجية، يتحول هذا الاندفاع العاطفي المفعم بالحيوية تجاه سوريا إلى نوع من الحذر الكابح. ففي حقيقة أمرها، تبدو إدارة أوباما وكأنها قد رضخت للاعتقاد بأن طغيان الأسد أفضل من البديل الذي تطرحه المعارضة. فمع انعدام ثقتها بإمكانية وصول الحرية إلى سدّة الحكم، اشتغلت الدبلوماسية الأميركية على أساس فرضية غير معلنة تطرح أن النظام من المرجح له أن ينجو من العاصفة.

واشنطن تفاجأت من التماسك الذي أبداه هذا التمرد إلى الحد الذي دفعها لإظهار الاحترام الواجب له في الشهر الماضي، وصف فريدريك هوف Frederic Hof، المسؤول عن الملف السوري في وزارة الخارجية الأمريكية، نظام دمشق بأنه “رجل يحتضر”. ذلك التصريح كان يحمل تحليلا سياسيا من جهة، ولكنه انطوى من جهة ثانية على رغبة في أن ينقضي نضال السوريين بالشكل اللازم من دون أن تضطر واشنطن لاتخاذ أية خيارات قاسية.

على الحكام السوريين كما وعلى المحتجين أن يحسنوا تقدير اتجاه الرياح : فرئيسٍ أمريكي يتنازل عن موطئ قدم استراتيجي في الشرق الأوسط الكبير لا يشكل تهديدا لنظام دمشق. ومع التركيز على حملة إعادة انتخابه، سوف يتباهى الرئيس أوباما بأنه أوفى بعهده ووضع نهاية لحرب العراق. ذلك المديح سيجعله يستبعد تجمل أعباء سوريا. فبالنسبة لأوباما، السياسة الخارجية حبلى بالخيارات الزائفة: فإما التشبث بالأرض أو التنازل التام عنها. و رغم أن الحالة الليبية أبرزت خلل هذا الاختيار، إلا أنه يبقى مطابقا لنظرة حارس القوة الأميركية الحالي تجاه العالم.

أورث حافظ الأسد الحكم لابنه بشار، الذي لديه بدوره ابن اسمه حافظ. ومن قيود العبودية هذه يصمم السوريون على التحرر. إنهم، حتى هذه اللحظة، بمفردهم.

السيد عجمي هو زميل رفيع في معهد هوفر في جامعة ستانفورد ورئيس مشارك في فريق العمل المعني بالإسلام السياسي والنظام الدولي

 

المصدر

America and the Solitude of the Syrians

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s