الفصل الأخير من حياة ديكتاتور

محمد البردان

28 تشرين الثاني 2011

إنه شهر نيسان من العام 1998، شارفت فترة الغداء في مدرسة الكواكبي على الانتهاء. بدأت فترة “الهتاف” التي يقودها أحد المعلمين قائلاً “قائدنا إلى الأبد” ويردد الطلاب بعده “الأمين حافظ الأسد.” أن يحكم شخص البلاد طوال حياته كانت فكرة لم أستطع فهمها عندما كنت طفلاً. كثيراً ما سألت نفسي كيف يعتقد حافظ الأسد أنه سيبقى رئيسنا إلى الأبد. ولكن التفكير بهذه الأمور بصوت مرتفع كان ممنوعاً في بلادي لافتقارنا لحرية التعبير. سألت أبي عن هذه الأمور ولكنه كان يخاف من أن يقول لي الحقيقة حتى عندما نكون لوحدنا.

توفي الرئيس حافظ الأسد في العاشر من شهر حزيران عام 2000، وتم نقل السلطة إلى ابنه وكأنه عُيّن ملكاً جديداً لسوريا.

وبعكس والده سعى بشار الأسد منذ بدء رئاسته إلى تقديم نفسه بصورة حسنة أمام الشعب السوري. حاول الأسد الابن أن يغيّر صورة الحكم العسكري التي حافظ عليها والده، وأن يظهر بمظهر الرئيس النبيل العطوف، بينما حافظ بالوقت نفسه على نظامه الديكتاتوري القمعي. كما أراد أن يظهر مسؤولاً بشكل مباشر عن تطوير سوريا بما يناسب القرن الواحد والعشرين.

ومع مجيء القائد الجديد، تمنى السوريون أن يتم إصلاح النظام السياسي والاقتصادي الذي ظل كما هو منذ أربعين عاماً عندما سيطر حزب البعث على الحكم. ولكن للأسف، الاقتصاد أصبح أسوأ من ذي قبل، مع ازدياد البطالة (1) وسوء النظام التعليمي الذي ينتج ثروة بشرية تنقصها الكفاءة (2).

بدأ الربيع العربي في شهر كانون الأول من السنة الماضية بثورة تونس التي أدت إلى رحيل الرئيس زين العابدين بن علي. وبعدها بفترة قصيرة بدأت الثورة المصرية في الخامس والعشرين من كانون الثاني. راقب الشباب السوري، وأنا منهم، هاتين الثورتين وكنّا ننتظر شرارة تشعل ثورة ضد نظام بشار الأسد.

السابع عشر من شهر شباط من عام 2011: يقوم شرطي بضرب شاب في دمشق، فتجمع الناس وبدأت مظاهرة ضخمة تعاطفاً مع الشاب. كان الخبر مفاجئاً جداً، نحن لم نعتقد أن سوريا جاهزة لشيء كهذا. رأيت السعادة في وجوه أصدقائي بعد أن سمعنا هذا الخبر، لقد كانت هذه هي الشعلة التي طالما انتظروها.

الخامس عشر من شهر آذار: خرجت عائلات معتقلين سياسيين في مظاهرة في مركز العاصمة دمشق للمطالبة بحرية أحبائهم. فيما بعد أصبح هذا اليوم رسمياً أول أيام الثورة السورية.

كان الأمل في البداية موجوداً في قلوب كثير من السوريين، خاصة بعد نجاح الشعب المصري بإسقاط نظام حسني مبارك. أحسّ السوريون أن لهم الحق بأن يكونوا أحراراً. كان الخوف عاملاً مهماً أيضاً، حيث أنه مسيطر على السوريين منذ أيام حكم حافظ الأسد. أثّر الخوف سلباً على حجم الثورة، فالعديد من السوريين يتذكر مجزرة حماة التي أودت بحياة آلاف المدنيين. بالإضافة إلى شهرة المخابرات السورية بمقدرتها على إخفاء أي شخص يعارض النظام.

وبسبب شعبية بشار الأسد استمر الناس بالمطالبة بالإصلاحات فحسب، حتى بعد مقتل عشرات المتظاهرين في درعا (3). ولكن شعبية الأسد تراجعت بعد خطابه الأوّل منذ بدء الثورة، حيث أنه سخر من المتظاهرين ومطالبهم. خاب أمل السوريين، والكثير من محبيه أحسوا بالاستياء (4). دعوة الناس إلى النزول إلى الشارع كانت تحدياً صعباً بسبب الخوف المتفشي. كانت شعبية الأسد، والتي اعتمد عليها النظام في بقائه طوال الأحد عشر عاماً، واسعة بشكل كافٍ لتجعل الثورة السورية مختلفة عن باقي الثورات العربية. ذلك لأن الكثيرين مازالوا يرون في الأسد مُصلحاً وحامياً للأقليات في بلد متنوع طائفياً وعرقياً.

اشتعلت الثورة عندما بدأ أهالي حماة بالتظاهر. حماة المدينة التي عانت في مجزرة عام 1982، زادت من زخم الثورة وحولت الثورة إلى قصة ذات مغزى. قُتل 65 شخصاً على الأقل في أول يوم من الاحتجاج في حماة على يد المخابرات السورية (5). وبعد مرور شهر ازداد حجم المظاهرات في حماة حتى وصل إلى 500,000 متظاهر يرددون أروع الهتافات، وقد أسر ذلك المشهد قلوب وعقول السوريين في كل مكان (6).

كان هذا حدثاً هاماً في الثورة السورية. ساعد عدد المتظاهرين الكبير بكسر عامل الخوف. بدأ الشعب السوري يؤمن بأن ثورتهم لن تهدأ دون تغييرات كبيرة. وبعد مرور ثمانية أشهر على بداية الثورة السورية، مازال الشعب السوري ينادي بمطلبين: العدالة للضحايا، وإسقاط نظام بشار الأسد. بدأ كل هذا منذ ثمانية أشهر بالمطالبة بإصلاحات بسيطة، ولكن الهتافات اليوم ارتفع سقفها إلى إسقاط النظام وإعدام الرئيس.

كما رفض السوريون أي شكل من أشكال التدخل العسكري، ولكن بعد مقتل أكثر من 3,500 شخص (7) واعتقال أكثر من 40,000 منهم (8)، يطالب السوريون المجتمع الدولي والأمم المتحدة بزيادة الضغوطات على النظام السوري لإيقاف القتل. الآن أصبحت الثورة السورية ناضجة من كل النواحي، حيث أن المئات يشاركون بأعمال إبداعية للمساهمة في إسقاط النظام. وبينما يوثق آلاف الناشطين المظاهرات وأعمال القتل التي تقوم بها قوات النظام ينشرون كلمتهم إلى العالم.

يتهم النظام من خلال حملته الإعلامية المتظاهرين بأنهم إرهابيين، وذلك بعيد كل البعد عن الحقيقة. إن طبيعة الشعب السوري المسالمة هي سلاحه الأقوى وهي التي توفر له الحماية والشرعية، بينما يتابع النظام قتل المتظاهرين مستخدماً تكتيكات تتميز بهمجيتها. يصر الشعب السوري على التزامه بإحداث تغيير جدي عبر أساليب سلمية.

بعد مقتل أكثر من 1000 من أبنائها وانتشار المظاهرات في جميع أحيائها، أصبحت حمص، ثالث أكبر مدن سوريا، عاصمة الثورة. كما تعرضت هذه المدينة للقصف المدفعي من قبل الجيش السوري، وذلك بسبب إصرارها وتصميمها على الثورة. عدد القتلى يزداد يوماً بعد يوم، ويبعد الأمل بالوصول إلى حل سلمي للصراع. ولكنني في الوقت نفسه ازداد يقيناً من انتصار الثورة، كما يفعل كل سوري يحلم بالحرية التي تتمتع بها أغلب دول العالم.

تجمع الثورة السورية أناساً من كل الطوائف والأعراق والطبقات، بما في ذلك العلويين، طائفة الرئيس وأهم داعميه. وهذا التنوع أدى إلى انتشار الثورة في كل المدن والقرى. وما يجعل هذا التنوع ممكناً هو الهدف الذي يجمع كل السوريين: الحلم ببناء دولة مدنية مبنية على انتخابات حرّة وعادلة تشمل جميع الأحزاب السياسية، وتسمح للسوريين بممارسة حقوقهم والعيش بكرامة وسلام.

المراجع:

(1) Economist Intelligence Unit, “Country Report: Syria,” November 2011.

(2) Legatum Institute, “The 2011 Legatum Prosperity Index: Syria,” http://www.prosperity.com/country.aspx?id=SY.

(3) Human Rights Watch, “Syria: Security Forces Kill Dozens of Protesters,” 24 March 2011, http://www.hrw.org/news/2011/03/24/syria-security-forces-kill-dozens-protesters.

(4) Nicholas Blanford, “President Assad’s defiant speech stuns Syrians who call for more protests,” Christian Science Monitor, 30 March 2011, http://www.csmonitor.com/World/Middle-East/2011/0330/President-Assad-s-defiant-speech-stuns-Syrians-who-call-for-more-protests.

(5) Lim Stack, “Syrian Tanks Move in on City as Thousands Mourn Protestors Deaths,” New York Times, 4 June 2011, http://www.nytimes.com/2011/06/05/world/middleeast/05syria.html

(6) “Half a million’ protest on streets of Hama,” Al Jazeera, 8 July 2011, http://www.aljazeera.com/news/middleeast/2011/07/2011780473138345.html

(حسب الأمم المتحدة: “فإن أكثر من 3,500 قُتلوا في الحملة السورية ضد المتظاهرين” (7
The Guardian, 8 November 2011, http://www.guardian.co.uk/world/2011/nov/08/syria-crackdown-death-toll-3500-un?mobile-redirect=false

(8) “Patients tortured in Syrian hospitals: Amnesty,” MSN News, 25 October 2011, http://arabia.msn.com/News/MiddleEast/AFP/2011/October/10206023.aspx?region=all.&featuredAll

المصدر

A Dictator’s Last Chapter
Mohamed Al Bardan
28 November 2011

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s