كيف لا نتدخل في سوريا

كيف لا نتدخل في سوريا

بعد كل ما حدث خلال العقد الأخير، ألا يتوجب علينا معرفة الورطة عندما نرى واحدة منها؟

آرون ديفيد ميللر Aaron David Miller

8 مارس/آذار 2012

 

خلال أكثر من 20 عاماً كموظف حكومي، رأيت عروض ثانية للفيلم نفسه، خاصّة عندما نواجه تحدّياً صعباً. “أعطني بعض الخيارات!”، “حاضر سيدي\سيدتي الوزير. سوف نحضر لك مذكرة بعد قليل”.

غالباً ما كانت نهاية الفيلم نفسها بطريقة أو بأخرى. الخيارات التي قد تنجح كانت تتخللها مخاطر سياسية وإستراتيجية، أما الخيارات الأخرى فتكلفتها أقل ولكنها لا تنجح بسرعة، أو على الأرجح لا تنجح أبداً. تنيجة لما سبق كنا نتبع مذكرة الخيارات الأكثر سخرية ولكنها حقيقية: (1) نفعل كل شيء (2) لا نفعل شيء (3) نتدبر أمرنا بأفضل طريقة ممكنة.

وهكذا نتخبط. الانتفاضة السورية هي تراجيديا مليئة بالدماء تُقدّم على مسرح ضخم وعلى مرأى المجتمع الدولي. نظام همجي قمعي يقتل شعبه، عمداً ودون تمييز، بجهود يائسة – ولكنها ناجحة – للبقاء في السلطة. نظام يشجع، بل ويسمح بالقتل والخطف والتعذيب على أرض يوجد فيها الكراهية والحقد الطائفي.

إن العجز والضعف الرسمي للولايات المتحدة والمجتمع الدولي أصبح واضحاً للعيان أكثر مع تزايد الفظائع في سوريا. رأينا مهمة المراقبين التي أرسلتها الجامعة العربية والتي أعطت شرعية للنظام، واجتماع “أصدقاء سوريا” الذي ألقى الضوء على الانقسام بدل الإجماع في المجتمع الدولي، وقرار الجمعية العامة للأم المتحدة بإدانة النظام السوري والذي أظهر غياب أي تحرك جدي لمجلس الأمن بسبب رفض الروس والصينيين للمشاركة، ونداءات متكررة وفارغة للرئيس الأسد بالتنحي، بالإضافة إلى عقوبات اقتصادية كافية لإضعاف النظام ولكنها ليست كافية لإسقاطه. لقد رأينا أيضاً الأمل الذي لا أساس له في أن تؤدي كل هذه الضغوط إلى انقلاب داخلي يقوم به أحد الضباط العلويين في الجيش -وقد يكون الدافع قلقه على طائفته وخوفاً من جرائم الحرب، أو ربما في لحظة مضيئة في تفكيره في مستقبل بلاده- متحدياً النظام بالسلاح في شوارع دمشق ومن ثم الإطاحة بعائلة الأسد.

لكننا يجب علينا تدبر أمرنا. إن الأخذ بالتحليلات الصريحة وغير المتسامحة بشأن سوريا يعطينا سلسلة من الخيارات تتراوح من السيء إلى الأسوء. لذلك فإننا لا نزال نلعب على الهوامش. ليس باستطاعتنا أن نخفف الأزمة الإنسانية، أو توحيد المعارضة وإيقاف القتل – فضلاً عن التخلص من عائلة الأسد.

لطالما كانت سوريا مختلفة. طابع النظام من حيث ارتكازه على الأقلية، بالإضافة إلى مزيج من انعدام الأمن والعظمة كقائد للقومية العربية، تفصلانه عن باقي العرب. في أواخر التسعينات وأثناء النقاشات حول الاختيار بين التركيز على المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية أم الإسرائيلية-السورية، أذكر أني قلت لوزيرة الخارجية مادلين أولبرايت Madeleine Albright إن الأسد الأب كان فرانك سيناترا Frank Sinatra عملية السلام: لن يتم السلام مع إسرائيل والغرب بطريقة الرئيس المصري أنور السادات، ولا طريقة الملك حسين ملك الأردن، ولا حتى على طريقة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات – بل سوف يقوم بها وفق طريقته الخاصة. ونتيجة لما سبق، فإن عملية اتفاقية السلام بين إسرائيل وسوريا، وموضوعها مرتفعات الجولان، ستكون مختلفة عن غيرها وأكثر صعوبة بكثير. تفهمت أولبرايت ذلك، وأشكّ إن كان أي أحد غيرها قد فهم المسألة أيضاً.

ظهور عائلة الأسد، ونظرتهم نحو إسرائيل وأمريكا كانت مميزة – ومن المرجح أن يكون زوالهم مميزاً أيضاً. بعد عام، أظهرت انتفاضات العالم العربي ثلاث طرق مختلفة لتغيير الأنظمة، لا يناسب سوريا أيّ منها.

أولاً، النموذج المصري: لنطلق عليه بنموذج (افعلها بنفسك). هنا قام الجيش بإخراج حسني مبارك لأنه رفض قمع الشعب واستخدام العنف، كما قوّض قوته، غروره، وتأثيره في مصر ما بعد مبارك.

ثانياً، النموذج اليمني: تدخل خفيف وبشكل مراوغ لقوى خارجية ذات تأثير وصلاحيات– مجلس التعاون الخليجي بقيادة سعودية، بمساعدة أميركية –، إلا أنها أضعفت الرئيس علي عبد الله صالح وأبعدته عن السلطة، مع وعود بالحصانة وربما دور في مستقبل البلاد.

ثالثاً، النمودج الليبي: المجتمع الدولي مدعوماً بقرار من مجلس الأمن وقوة حلف شمال الأطلسي العسكرية، شنّ حرباً محدودة دعماً للمعارضة الليبية المسلحة التي استطاعت (بعد ثمانية أشهر) أن تهزم معمر القذافي.

إن سوريا حقاً مختلفة عن هذه البلدان الثلاثة. بعكس الجيش المصري، فإن العلويين الذين يسيطرون على الجيش والأجهزة الأمنية يستعيرون صفحة من مؤسسيينا الثوار: “إما أن نُشنق سوية أو نُشنق كل على حدا”. سيستمر النظام باستخدام كل القوة التي يحتاجها لحماية نفسه ومصالح شركاته.

على عكس اليمن فلا يوجد حل من قبل مجلس التعاون الخليجي لسوريا، ولا حصانة هناك ليدي الأسد الملطختين بالدماء. وعلى عكس ليبيا فإن سوريا تملك دفاعات حقيقية – أسلحة كيميائية، نظام دفاع جوي فعال، وجيش حقيقي مصمم على فعل أي شيء للبقاء في السلطة، كما هو واضح من خلال سيطرته الدموية على حمص – كل ذلك سيجعل حلف شمال الأطلسي يفكر مرتين قبل أن يشنّ حرباً عليه. يبدو من غير المرجح إصدار قرار تدخل عسكري من قبل قوات الناتو، طالما سترفض روسيا والصين التعاون. تملك الولايات المتحدة القوة الكافية لهزيمة الجيش السوري، ولكنها لا رغبة لديها أو جرأة للتعامل مع مخاطر وعواقب تدخل مستمر – حتى الآن على أي حال.

هذه التحديات لم تردع عدداً من الخبراء، سياسيين سابقين، وأعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي، عن المطالبة بالإسراع والقيام بالحل المعتاد. كما كان الحال قبل التدخل العسكري في ليبيا، صدرت نداءات للقيام بإجراءات أقوى من قبل مؤيدي سياسة التدخل من الليبراليين والمحافظين الجدد. من كان يشك بأن أزمات السياسة الخارجية – كالسياسية منها- تؤدي إلى شراكات غريبة؟

تتضمن تلك الاقتراحات، في أجزاء منها، تسليح المعارضة السورية وفرض “منطقة حظر القتل”، وهي فكرة لازلتُ لا أستطيع فهمها سواء عن كيفية تنفيذها أو الهدف منها. إنني أرى في آثار هذا الاقتراح: لا نهاية واضحة له، فهو يفتقد إلى الحكمة وقد يؤدي إلى صراع عسكري عميق دون أي حسابات دقيقة للتكاليف. دعى آخرون لاستخدام استراتيجية شاملة لتدخل غير مباشر يتضمن تدريب المعارضة ودعمها بالسلاح، كقذائف الهاون، وأسلحة مضادة للدبابات، وأجهزة لصنع المتفجرات. يشير مؤيدو التدخل هؤلاء أن عدم فعل أي شيء له تكاليف أيضاً.

إن ذلك صحيح فعلاً. فسوريا ليست ليبيا: لموقعها أهمية أكبر، كما أن هناك عواقب صراع طائفي مستمر أكثر خطورة، ومحاسن التدخل التي تتمثل بإضعاف إيران أعظم بكثير. (أَسقط عائلة الأسد، ومن ثم فإنك تستطيع تقويض عائلة الملا الأبوية في طهران أيضاً).

لكن أيضاً التحركات غير الخاضعة إلى التفكير بشكل جيد لها عواقب سيئة للسبب نفسه. سوريا ليست ليبيا: فالظروف والشروط التي ساعدت على نجاح التدخل في الحالة الأولى ليست موجودة الآن في الحالة الأخرى، وقد لا توجد أبداً. تتعامل القوى العظمى بتناقض، وأحياناً بنفاق. قوتهم وحجمهم أتاحا لهم ذلك الترف والحرية – إنه موجود في قائمة أعمالهم.

أعتقد أننا فهمنا – إدارة الرئيس باراك أوباما فهمت بالتأكيد – أنه ليس هناك أية آراء جيدة حول هذا الموضوع. إن تدمير المراكز الرئيسية للفرقة الرابعة والحرس الجمهوري بهجمات صاروخية سيعطي شعوراً جدياً بالتأكيد، وإنه من الواضح أن قتلة سوريا يستحقون ذلك وأكثر.

لكن دون أن ندفن رؤوسنا في الرمال، يجب علينا أن لا نخسرهم بفكرة طائشة تحوّل بدورها المأساة السورية إلى مأساتنا، وذلك عبر التدخل العسكري المباشر أو عبر الإمداد بالأسلحة بشكل غير مباشر. إذا كان العرب – السعودية بشكل ملحوظ – ينظرون إلى المنطقة بمنظار حرب بين السنة والشيعة، فنحن لسنا مضطرين أن ننظر إليه بالمنظار نفسه. في الحقيقة، ودون أن نعامل العرب كأطفال ونفرض عليهم الأحكام المسبقة لقانون التوقعات، يتساءل المرء عن سبب عدم تدخل الدول العربية الكبيرة – وهي مزودة بأحدث الطائرات المقاتلة الأمريكية كما وأنها قلقة على إخوانهم العرب في سوريا – لماذا لا تتدخل بشكل أكثر جرأة، أكثر جرأة من توفير السلاح للطرف الذي يفضلون. أعتقد أنني أعرف الجواب.

كما علمتنا إدارة جورج بوش، إن الدخول في هذا النوع من الفوضى الإقليمية يكون دائماً أصعب من الخروج منه. مع أنه من المؤلم جداً مشاهدة الحقيقة المريرة لديكتاتور همجي يقتل شعبه، إلا أنه ليس سبباً كافياً لتبرير تدخل أمريكي عسكري فردي، ولا نهاية واضحة له لإسقاط ذلك الديكتاتور.

يجب علينا أن نتوقف عن لوم أنفسنا لمرّة واحدة. نظراً إلى تعقيدات المشكلة، والضغط على أولويات أخرى، ومصالحنا، والتكاليف المحتملة للتدخل، فإن الإدارة تفعل ما تستطيع. تقول الاحتمالات إنه كلما استمر القتل، سننجرّ إلى القيام بالمزيد. لكن الفكرة التي تقول إننا يجب أن نتدخل بشكل درامي، متهور، وغير خاضع للتحليل لفرض مناطق حظر قتل أو أماكن محمية آمنة دون أن نفكر بالعواقب التي تترتب على حماية تلك المناطق هي وصفة كارثية.

إن التدخل العسكري الآن ليس مسألة بين اليسار واليمين، الليبرالي والمحافظ، الجمهوري والديمقراطي، أو حتى الصح والخطاً – إنه في الحقيقة بين أن يكون المرء غبياً أو ذكي. بالنسبة لي، أنا أعرف أيّ هاتين الصفتين تناسبني.

المصدر

Foreign Policy

How Not to Intervene in Syria

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s