سوريا: نظرة من الجوار

29 تشرين الثاني 2011

BBC

تواجه سوريا عقوبات اقتصادية إضافية, كذلك تواجه إدانات من الأمم المتحدة تحت بند ما يسمى بـ “الانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان” بسبب استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين, جيم موير Jim Muir من البي بي سي يبحث التأثير الواقع على دول الجوار وردود أفعالهم على حصيلة الأزمة عليهم.

علاقات سوريا التجارية مع جيرانها
حجم التجارة السورية مع تركيا 2,7 مليار دولار, مع العراق 5,3 مليار دولار, مع الأردن 0,6 مليار دولار, مع لبنان 2,5 مليار دولار. المصدر: إحصائيات المفوضية التجارية الأوروبية لعام 2010

لبنان:

لا أحد يتابع مجريات سوريا عن قرب أكثر من اللبنانيين, لأن أحداً من جيران سوريا لن يتأثر بعمق بما ستؤول إليه الأزمة في سوريا كما سيتأثر لبنان. احتلت سوريا لبنان عسكرياً منذ عام 1976 حتى عام 2005 عندما انسحبت القوات السورية من لبنان تحت ضغط دولي ومحلي إثر اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. فعلى الرغم من الانسحاب, احتفظت سوريا بتأثير سياسي فعال في لبنان, ولا تزال تلعب دوراً سياسياً مهماً مع حلفائها اللبنانيين, وخاصة مع الحركتين الشيعيتين -حزب الله وأمل- وشركائهم في مختلف المجتمعات اللبنانية.

اختلاف المواقف -العدائية والموالية- حول الوضع في سوريا يقسم اللبنانيين أكثر من أي شيء آخر. حلفاء السنة المعروفين بحركة 14 آذار والتي يترأسها سعد الحريري ابن رفيق الحريري تعارض النظام السوري، وفي الجهة الأخرى يوجد منافسي تلك الحركة ذات الأغلبية الشيعية، حركة 8 آذار والتي يقودها حزب الله حليف النظام في دمشق .

من الواضح أن حركة 14 آذار سعيدة بأي هزيمة لنظام بشار الأسد, والتي اتهمها النظام بتهريبها للأسلحة وللأموال إلى المناطق السنية في سوريا أثناء الثورة .

إن حزب الله وحلفائه من اللبنانيين خائفون على كافة الأصعدة, فسقوط النظام السوري الذي يستند بحكمه إلى أقلية علوية (والتي تعتبر جزءاً من الطائفة الشيعية) واستبداله بنظام ذي غالبية سنية سيهدد سلامة الطريق الحيوي بين حزب الله والراعي الإيراني, مما سيضعف حزب الله داخلياً من حيث وضعه في لبنان وخارجياً في مواجهة إسرائيل.

سواءً أدت تداعيات المرحلة إلى رحيل النظام أو بقاءه فمن الواضح أنه سيكون له الأثر الكبير على وضع الحلفاء المحليين (كافة الأحزاب) في لبنان.

كما أن الزلات الطائفية في سوريا متصلة بتلك التي في لبنان، وقد شهد شمال لبنان توترات بين مؤيدي النظام من العلويين وبين السنة.

تركيا:

إن ما يحدث في سوريا يتقاطع مع الجار الشمالي غير العربي- تركيا، فهناك خطورة مترتبة على تركيا في كلا الاحتمالين؛ سقوط النظام أو عدمه.

عندما بدأت الثورة في آذار كانت هناك علاقة وطيدة تجمع بين أنقرة ودمشق, وكان الرئيس بشار الأسد متآلفاً مع رئيس الوزراء الإسلامي المعتدل رجب طيب أردوغان والذي انهمك مؤخراً في تشجيع حل سلمي حول ما يحدث في سوريا. إلا أن محاولاته الكثيرة لإقناع الأسد وصلت إلى طريق مسدود. مما دفع أردوغان للغضب ولاتهام نظام الأسد بالكذب والإخلال بالوعود. لكن بعد فترة اقتنعت أنقرة أن سقوط النظام في سوريا مجرد مسألة وقت, وأنه كلما قلت الفترة اللازمة لسقوطه كلما كان أفضل لها.

وبصورة غير معتادة سمحت أنقرة للمعارضة السورية بإقامة المؤتمرات والاجتماع على الأرض التركية, ووفرت ملاذاً على الأراضي التركية للاجئين السوريين وللجيش السوري الحر. كما أصبحت أنقرة قاسية على النظام السوري وشاركت في اجتماعات الجامعة العربية التي أقرت العقوبات على سوريا.

إلا أن التخوف الضمني حول ما يجري في سوريا واضح, وهو تخوف ناتج عن عدم الاستقرار على الحدود الجنوبية لسوريا مما قد يؤدي إلى تدفق موجات كبيرة من النازحين إلى تركيا على غرار ما حصل مع العراقيين عام 1990.

كما أن تركيا معرضة لخطر التلاعب بالأقلية الكردية الكبيرة العدد في تركيا، وقد كان لديها شكوكها حول تورط النظام السوري على تحريض جماعة الباكاكا PKK (الحزب العمالي الكردستاني) المتشدد في عملياته الأخيرة على الأراضي التركية.

إن عدم الاستقرار في سوريا سيهدد الطرق التجارية الحيوية التي تربط بين تركيا والأسواق العربية, لكن الدور النشيط التي تلعبه تركيا لا يقتصر على الدفاع عن مصالحها بل يتعداه إلى سعي طموح لانتهاز الفرص. إن التغيير في دمشق وانتقال السلطة للأكثرية السنية سيشكل ضربة قاسية لإيران الحليف الإستراتيجي للنظام القائم, وبالمقابل سيكون خدمة لتركيا المنافس الإقليمي لإيران. مما يعني تشكيل محور عمودي سني يقسم الهلال الشيعي الذي يصل بين شيعة إيران والعراق وشيعة حزب الله عن طريق العلويين السوريين.

العراق:

العراق مثل لبنان، حيث لم تستطع أخذ موقف موحد جراء ما يحدث في سوريا بسبب الانقسامات الداخلية التي تعاني منها العراق. فالحكومة ذات الغالبية الشيعية والتي يقودها نوري المالكي تؤيد بشار الأسد, على الرغم من التوتر الذي كان سائداً بين دمشق وبغداد واتهام دمشق بإيواء البعثيين العراقيين بالإضافة إلى المساعدة اللوجستية في تبني العمليات التفجيرية في بغداد.

من الواضح أن تغيير النظام في دمشق لن يخدم القوى الشيعية الحاكمة في العراق, والمتأثرة بالموقف الإيراني حول قضية سوريا. وقد تم إنكار التقارير التي تشير إلى أن القائد الشيعي المتطرف مقتدى الصدر كان قد أرسل مقاتلين لدعم النظام السوري وللمساعدة في وأد الثورة, ولكن تبدو هذه التقارير منطقية من الرؤية السياسية. كما أن التحرك السني في سوريا سيعطي دفعة للوضع السني في العراق, والذي كان مسيطراً أيام صدام حسين حين تراجع لتصبح السنة في العراق أقلية مكروهة.

إن القادة السنة في العراق أقل تضامناً مع نظام الأسد من نظرائهم الشيعة. كما أن المناطق الغربية في العراق والمجاورة لسوريا ذات الأغلبية السنية لديهم روابط عشائرية داخل الأراضي السورية مع مدن مثل البوكمال ودير الزور التي تشهد حراكاً واسعاً. وتدور شكوك حول دعم تلك المناطق الغربية العراقية للسوريين عبر تلك الحدود الواصلة بينهم.

إذا وصلت الأكثرية السنية إلى الحكم في سوريا فإنهم سيشكلون سنداً للسنة في غرب العراق وخاصة في إقليم الأنبار وفي مناطق أخرى, حيث يسعى سنة العراق في تلك المناطق للحصول على حكم ذاتي فدرالي كذلك الذي يتمتع به الأكراد في شمال البلاد. إن السيناريو القائل بحدوث الصراع الإثني والأهلي في سوريا محتمل، وخاصة مع الطموح الكردي بإنشاء دولة مستقلة مشتركة بين الأكراد في سوريا والمتمركزين في المنطقة الشمالية الشرقية والمجاورة للإقليم الكردي العراقي.

الأردن:

تشبه العلاقة بين البلدين بعلاقة الزواج غير السعيد والذي لا مفر منه. فالعلاقة بين دمشق وعمان شهدت تقلبات كبيرة وكثيرة على مر السنين. وقد تأرجحت العلاقة بين التوتر الحاد والوفاق الكامل في العقود المنصرمة. هناك روابط كبيرة بين البلدين بسبب تجاورهما وهذا يفسر التخوف الأردني من عدم الاستقرار في سوريا.

تسيطر سوريا على منابع نهر الأردن، والذي يعتمد عليه هذا الأخير بشكل كبير كمصدر للمياه. كما أن سوريا شريك بالطريق التجاري الحيوي الذي تعتمد عليه التجارة الأردنية. يدرس المئات من الطلبة الأردنيين في الجامعات السورية, وهناك علاقات أُسرية عشائرية وطيدة تمتد على الحدود بين البلدين, ولكن على الصعيد السياسي فإن البلدين تماماً كقطبي المغناطيس.

ترزح الأردن تحت مظلة النفوذ الغربي خاصة وأنها منذ عام 1994 غدت ثاني بلد عربي بعد مصر يوقع اتفاقية السلام مع إسرائيل, تاركة سوريا وحدها في مواجهاتها لاستعادة الجولان المحتل.

يسود الأردن الغالبية السنية, كذلك سوريا لكنها غالبية سنية تحت حكم الأقلية العلوية, وخلال فترة التوتر بين الأردن وسوريا اتهم النظام السوري الأردن بتشجيعه لجماعات سنية متشددة.

نظراً للعلاقة الحساسة والقابلة للشرخ بين البلدين, التزم الأردن مواقف خجولة تجاه الثورة السورية، والتي انطلقت من درعا الواقعة على حدود الأردن.

رسمياً اعترف مسؤولون أردنيون مؤخراً بعبور بعض الأسلحة والذخيرة إلى سوريا عن طريق الحدود الأردنية, وصرحوا بأنهم حاولوا منع أي محاولة لتهريب الأسلحة. إلا أن الموقف الأردني لم يرق إلى مستوى التدخل بالوضع السوري وإنما بدا من باب النصح. وعندما أشار الملك عبد الله إلى ضرورة تنحي الأسد فإنه لم يقلها مباشرة فقد قال: “كنت لأتنحى لو كنت مكان بشار الأسد”.

إسرائيل:

كدولة خاضت حربيّن ضد سوريا ولا زالت تحتل حتى الآن أراضيها, تراهن إسرائيل بشكل كبير على النتيجة التي ستؤول إليها الثورة السورية. وبما أن سياسة إسرائيل الخارجية حول المنطقة غامضة, فإن الزعماء الإسرائيليين يعلقون بحذر حول تطورات الوضع في سوريا.

فعلى الرغم من أن نظام الأسد يتبجح بإدعائه بلعب دور الممانع ضد إسرائيل, ودعمه لجماعات مسلحة مثل حزب الله وحماس, وتحالفه مع إيران انقسم القادة في إسرائيل بين مؤيد لفوائد انهيار “الشيطان الذي عرفوه” ومتخوف من الغموض الناتج عن استبدال النظام السوري واحتمال أن يتولى الإسلامي الراديكالي –أو الجماعات الإسلامية المتطرفة- السيطرة مهما كان هذا الاحتمال ضعيفاً.
وعلى الرغم من عدم توقيع معاهدة علنية للسلام بين سوريا وإسرائيل, فإن جبهة الجولان لم تشهد حالة مواجهة واحدة منذ عام 1974, باستثناء محاولتي العبور اللتين حصلتا مؤخراً هذا العام، عندما حاول السوريون لفت الأنظار إلى ما يحدث في الداخل السوري، فدفعوا بالفلسطينيين لاجتياز الحدود عبر الجولان.

في عهد عائلة الأسد، خاضت سوريا حوارات حول السلام مع إسرائيل, آخرها كان بوساطة تركية قبل عاميين, وعلى الرغم من فشل هذه المفاوضات فإن الوضع لم يتأزم بين البلدين.

لذا فمن المرجح أن يكون السيناريو المحبب لإسرائيل هو نجاة النظام السوري واستمراره في حكم البلاد, مع العلم أن إسرائيل قامت عام 2007 بتنفيذ هجوم عبر الجو على موقع نووي بالقرب من دير الزور في سوريا.

أما التطلعات الإسرائيلية المثالية فتتمثل في أن يخرج النظام من هذه الأزمة ضعيفاً إلى الحد الذي يُرغم على التخلي عن تحالفه مع إيران وحماس وحزب الله. لكن الأحداث تسارعت وربما تكون التطلعات بعيدة عن الواقع الحالي. وقد استنتج بعض القادة الإسرائيليين أن النظام السوري سينهار خلال شهور, مما سيفتح أمامهم نطاقاً وسعاً من الاحتمالات.

من المثير للسخرية، أن قرب إسرائيل وحساسية تعامل الغرب معها يشكل أقوى رادع للتدخل الغربي في سوريا على الطريقة الليبية.

المصدر:

BBC

Syria: The view from next door

3 responses to “سوريا: نظرة من الجوار

  1. أكره أسلوب العرض و التحليل المتبع في هذه المقالة…
    الكاتب يفسر كل علاقات البلاد العربية فيما بينها على أساس طائفي بحت. فبمنظوره شعوب المنطقة مازالوا قبائل يديرون شؤنهم بشكل طائفي عشائري و كل أعمالهم و تصرفاتهم بالحياة ,مبينة على أساس عشائري. الشعوب العربية لا تفكر و لا تحلل و ليس لنا مصالح تجارية أو ثقافية. بس تلقائيا منلحق مصلحة العشيرة دون تفكر. و كأنما لا يوجد مهنيون أو سياسيون أو اقتصاديون عرب يفكروا .. لاحطوا تغيير الأسلوب عتد التحدث عن إسرائيل فلا يذكر الكاتب الطوائف و فئات المجتمع الاسرائيلي فهو مجتمع متجانس كل فرد من أفراده يقوم بأداء واجباته كجزء من المجتمع و للدولة قادة يحللون الأوضاع السياسية و يفكرون بكل الاحتمالات ولهم خطط ويعملون لمصلحة البلد!
    بذكرني هذا أسلوب بأدب المستشرقين .. في عنصرية مخفية بالنص

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s