في سوريا الأسد لا وجود للتصور

في سوريا الأسد لا وجود للتصور

أنتوني شديد Anthony Shadid

18 تشرين الثاني 2011

فاز أنتوني شديد Anthony Shadid مراسل أجنبي لصحيفة نيويورك تايمز بجائزة بوليتزر Pulitzer في عام 2004 ومرة أخرى في عام 2010 لقاء تقاريره عن العراق. كان مراسلاً لمعظم بلدان الشرق الأوسط خلال 15 عاماً. اقرأ قصته في الرابط التالي حول هجوم النظام السوري الدموي لاستعادة السيطرة على مدينة حمص المضطربة.

يستحضر آل الأسد الشعور الإمبراطوري للسلطة، أو على الأقل زخارف تلك الإمبراطورية، إنها أيقونة مغروسة في “شعارات المديح والصور الأبدية” كما وصفها أحد العلماء.انطباعي الأول عن رامي مخلوف، ابن خالة الرئيس السوري بشار الأسد، والمقرب له، أنه من النوع المتواضع. لقد كان زعيماً، شخص غني، مكروه، ويتحاشى الشكليات والمراسم. كنت قد رأيت ذلك من قبل، فرجال من أمثال سعد الحريري، رئيس الوزراء السابق في لبنان، سخي وثري جداً وصاحب امتيازات كثيرة بحيث تصبح الذرائع غير ضرورية. حتى أن أكثر تهديداته جرأة بدت أقرب إلى المرافعة عن أن تكون تهديداً، كما فهمته من منطق ما وراء تلك الكلمات. “ألا يعرف الإسرائيليون أنهم سيعانون، ألا يعرف الأوروبيون كذلك؛ ألا يدرك الأميركيون أننا حصن لا يمكن أن يتصورنه – أمام الإسلاميين والفوضى والحروب التي قد تجتاح بالفعل منطقة قابلة للاشتعال ؟

بعد انقضاء عدة ساعات على المقابلة مع مخلوف في شهر أيار، التي لم تكن على تلك الدرجة من الأبهة، كما أنها ليست من النوع الخيالي. كانت مقابلة مليئة بالضمائر. والطريقة التي استخدم فيها تلك الضمائر دارت حول إلى أي حد مورست السلطة في العالم العربي وما هو السبب الكامن في بداية انهيارها أخيراً. “نحن نؤمن بأنه لا وجود للاستمرارية من دون وحدة وطنية” ، كما قال لي. “كل فرد منا، كل واحد منا يعلم تماماً أننا لا يمكن أن نستمر دون بقاءنا متحدين”. ومن ثم استوحى بالمثل العربي القائل – عليّ وعلى أعداءي يا رب. وتعني هذه الجملة أننا إن سقطنا لن نسقط وحدنا. ثم أضاف “لن نخرج، ونترك قاربنا، سنقامر، كما تعلم معنى ذلك”، أخبرني ذلك في مكتبه الفاخر المحاط بالخشب في مركز مدينة دمشق. أضاف “سنجلس هنا. نطلق عليه قتال حتى النهاية” ، ثم أضاف:” عليهم معرفة متى نعاني، لن نعاني وحدنا”. ما اقترحه مخلوف، وهو رجل أعمال دون وجه حق شرعي، أن سوريا تنتمي لهم : بكل ممتلكاتها وشعبها، بماضيهم ومستقبلهم.

لقد بحث القادة العرب طويلاً، الفاقدين للتفويض الشعبي، أو حتى القبول الشعبي، عن الوسائل للتعبير عن استحقاقهم للسلطة. أصبحوا في بعض الأحيان، رموزاً. قوّض أنور السادات حرب عام 1973، عندما قامت القوات المصرية بإدارة الدفاعات الإسرائيلية في قناة السويس. التفت إلى الإسلام، واصفاً نفسه بـ “الرئيس المؤمن”. خليفته، حسني مبارك، الممل وقليل الكلام، رأى أنه بمفهوم الاستقرار يستطيع أن يشرعن حكمه. بدا حافظ الأسد، والد بشار الأسد، صاحب نظرة بعيدة وواسعة. كان من المفترض أن يبدو حكمه أبدياً، كما كانت صوره منتشرة في كل مكان. تقرأ على لوحاتها “القائد إلى الأبد”. نجاحه لم يعتمد على قدرة نظامه لإنهاء الفصل المضطرب من التاريخ السوري، الذي شهد العشرات من محاولات الانقلاب على مدى أكثر من 20 عاماً، أو حتى لتحديث البنية التحتية والتعليم، أو خدمته للفقراء والمناطق الريفية، والتي يمثّلها هو بنفسه.

لقد استطاع حافظ الأسد غرس العبادة الخانقة للشخصية، والمدعومة بالخوف في أعمق أنواعها، إنها من النوع نفسه الذي دفع بالمصريين يوماً للقول: بأن المكان الوحيد الآمن الذي تستطيع فتح فمك فيه هو في عيادة طبيب الأسنان .كان حافظ الأسد متكلفاً، وكان من المفترض أن يعزز محياه العنيد ببعض من المكر، وقد فهم كيف يمكن أن يكون الخوف متفشياً. بنى لبنة الهزيمة في مدينة حماة بعد أن هدم لبنتها، حيث سحق نظامه انتفاضة عام 1982 والتي كانت واحدة من أكثر فصول العالم العربي الحديث دموية. اتجه إلى هذه الهزيمة وهو الذي أدرك القوى المحركة للطائفية في البلاد، ومع وجود مكائد لحبكة راسخة، عرف أن أفضل تعزيز للولاء يكون بطريق الاعتماد على العائلة والطائفة، أي عشيرته العلوية الخاصة، جماعة الهراطقة والتي يبلغ عدد سكانها نحو 10%من السكان. تلك كانت سوريا آل الأسد: محاطة بصورهم، مسكونة برهابهم وموجهة من قبل مكائدهم.

ويبدو أن بشار كان يعتقد بأنه مختلف. كان يفتقر إلى حاشية والده، زوجته مسلمة سنية، وهو تلقى تعليمه في الخارج، كما نشأ في أوساط متميزة في دمشق، حيث أطفال الضباط الفقراء من الطائفة العلوية أتوا من الريف واختلطوا مع تلك النخبة الثرية. ارتاد المطاعم وقاد سيارته الخاصة. وأعرب عن رغبته في أن يكون محبوباً. نادراً ما يزوره شخص ما ولا يجده ودوداً بل ومتواضعاً.

في عام 2000 خلال ترأسه لحفل توليه السلطة، دعا إلى ربيع دمشق. (والذي سحقه نظامه لاحقاً). دشنّ مقاليد السلطة بمظهر خادع من النزعة الاستهلاكية في العاصمة دمشق وفي حلب، ثاني أكبر مدينة سورية. فكّك واجهة الدولة البوليسية القاتمة في هاتين المدينتين على حد سواء، ووعد بتحرير الاقتصاد وفق أنموذج الصين الناجحة على الصعيد الاقتصادي، والذي من شأنه أن يقلل الحاجة إلى الإصلاح السياسي.

لبعض الوقت، على ما يبدو جلب تواضعه قدراً من الدعم لم يتمتع والده به. وحتى الأتراك الذين كانوا معجبين به تآمروا اليوم ضده، وأسفوا على ما اعتبروه فرصة ضائعة. وقالوا لو أنه قدم إصلاحاً شاملاً وأجرى انتخابات قبل اندلاع الانتفاضة في شهر آذار، لكان حاز على الفوز بالتأكيد. إلا أن بشار لا يؤمن إلا بهالته الخاصة . في تلك الأيام، صرح بأن بلاده في مأمن من الاضطرابات التي حدثت في مصر وتونس. أصر على أن سياسته الخارجية، التي بنيت على العدائية الخطابية مع إسرائيل، والمعارضة للهيمنة الأميركية بالإضافة إلى دعم نوع من المقاومة التي بشر بها حزب الله في لبنان، تعكس مشاعر العالم العربي الذي عانى طويلاً من الذل بسبب عجزه.

بدا بشار (المحمي من قبل البلاط الملكي) غافلاً تماماً عن غليان الريف المنكوب الواقع تحت سيطرة قوات الأمن غير الخاضعين للمساءلة . لقد تغاضى عن الجرائم التي ارتكبتها دولته وبعض أفراد عائلته . ونسى أنه في حساب السيادة التي اخترعها والده، وأداة السلطة التي خبرها بشار حقاً، هي الخوف الذي يبدو منطقياً أكثر من التملق، بغض النظر عن محاولته لتحديث الذرائع. حتى هذه اللحظة وبعد 8 أشهر من اندلاع الانتفاضة والحملة الشرسة التي خلفت حسب تقرير الأمم المتحدة أكثر من 3,000 قتيل، وأكثر من70,000 سجين حسب تقدير الجامعة العربية، فإن الأشخاص الذين التقوا بشار قالوا إنه لا يزال غير مدرك لشدة التحدي الذي يواجهه. في هذا الصيف، عرض المسؤولون الأتراك عليه خبراتهم الخاصة لإقناعه بأن المعلومات الواردة من المقربين لديه سيئة، غير مكتملة ومضللة. كانوا يقولون له ما يريد سماعه فقط. لكن منذ ذلك الحين، عادت الحقائق القديمة، وسقط نظامه مرة أخرى والذي اعتمد فرضية حكم والده، حيث سعى لاستعادة جدار الرهاب بين الحاكم والمحكوم.

“إن الدعم الذي تحظى به اليوم هو تقريباً من النوع السلبي”، حسب ما صرحت به مجموعة الأزمات الدولية

the International Crisis Group “إنه الخوف من الانتقام الطائفي والإسلاموية، والتدخل الأجنبي، والاضطرابات الاجتماعية، أو ببساطة أكثر، إنه القلق إزاء المجهول”.

كما في العراق، جارة سوريا من الشرق، فإن كليشيهات التحليل السطحي والتي سبقت الاضطرابات تهدد الآن بأنها قابلة للتحقق: إما نحن أو الفوضى. طرح النظام نفسه كحارس للتنوع في سوريا، وحتى آل الأسد ومساعديه أكدوا على أن التنوع هو الأداة للتقسيم والحكم. تأليب المجتمع ضد المجتمع، الذي لم يكن يوماً واضحاً كما هو عليه اليوم، قد يجلب أخيراً الحرب الأهلية الطويلة والتي قيل أنها كانت حصناً منيعاً.

امتلك الثوار والثورات العربية نوعاً من الشرعية الإيجابية : الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية والحقوق الفردية، في طموحاتهم على الأقل. ظلت تلك الأمنيات وعوداً لم تتحقق بعد، إلا أن أحداً في مصر وتونس أو ليبيا لم يعد يخشى التحدث بعد الآن. والتنافر الذي أتى بعد تلك المرحلة هو ميزة تجديد معظم المجتمعات. وبالفعل فقد كان لها أصداء في أجزاء من سوريا. عندما كنت في حماة هذا الصيف، المدينة التي لا تزال خائفة في ذاكرتها والتي خلت من قوات الأمن لفترة قصيرة، طوق الشباب، كل بضع ساعات، مساحتهم الجديدة للتظاهر في الشوارع المفعمة بالحياة عبر إغراء تحديد المصير.

لقد تظاهروا بكل بساطة لأنهم يستطيعون ذلك. في حمص، المدينة المنتفضة التي يمكن أن تثبت زوال سورية أو خلاصها، ينحدر فيها الشباب من مجموعة كبيرة منتقاة من اليساريين والليبراليين والقوميين والإسلاميين والمرتبطة بجوهر الشجاعة: لقد وصلوا إلى مكان بعيد جداً بحيث لن يعودوا من حيث أتوا.

“في النهاية، أنا شخص الآن” ، كما قال لي ناشط شاب يُدعى إياد في حمص. “يمكنني أن أقول ما أريد. أنا أحبك إذا كنت أريد أن أحبك، وأنا أكرهك إذا كنت أريد ذلك. يمكنني شجب ما تؤمن به تماماً كما يمكنني دعمه. ويمكن أن أتفق مع موقفك أو قد اختلف معك. ولكنني أنا شخص الآن”. أخذ نفساً من سيجارته، وتقاسمنا المزيد من الشاي. وأضاف: “نحن لا ننتظر أن نعيش حياتنا إلى أن يسقط النظام” ، وأكمل قائلاً: “بدأنا نحيا حياتنا منذ اليوم الأول من الاحتجاجات.”

على ذلك، فإن بلاده ليست محررة بعد. التحرير هنا ليس بمعنى سقوط الديكتاتور، أو انقلاب على العائلة، أو وجود الجيش الحر في محيط دمشق أو بزورق مخلوف الذي أقسم أن لا يبحر على متنه. لا تزال سوريا تندرج ضمن منطق الخوف، حيث شُقت المجتمعات المتنوعة إلى أجزاء صغيرة، وطُمست القدرة على تصور الجماعات البارزة والهويات الأخرى.

خلف مجموعة من المبادئ، أو من الوعود الغامضة وذلك لإثارة المزيد من الخوف، لا أحد وصف سوريا الغد. ليس من قبل الأسد الذي يقدم لشعبه طريق العودة إلى عام 1980، عندما أشرفت الحكومة الصارمة على الاقتصاد المروع مع شراسة الدولة البوليسية. إلا أن المعارضة في الواقع تفتقر إلى الرؤية حيث تركت الأقليات الخائفة أكثر تحالفاً مع النظام.

يوماً ما قد يكون هناك رؤية لسوريا وللشرق الأوسط المرتكزة على ماضيهم، حيث المسارات القديمة للإمبراطورية العثمانية خاطت منظراً غالباً ما حضن هوياتها الكثيرة. ربما سيكون في المستقبل ولاءً للدولة أقل، وأكثر من ذلك لتلك العواصم القديمة مثل حلب، طرابلس، الموصل، أو بيروت، والتي غالباً ما ستجيب عن أسئلة المجتمع بشكل أفضل من تلك البلدان المخترعة والتي استغرقتها. قد يكون المصطلح المناسب هنا هو ما بعد العثمانية، حيث تشمل الحدود التي لم تقدمها عن طريق اتصالات من القاهرة إلى اسطنبول، ومن الميّدان Maydan إلى البصرة، ومن مرجعيون إلى العريش، حيث يمكن للناس تخيل أنفسهم كعلويين، مشرقيين وعرب وسوريين، شرقيين– أو حتى كمهجنين يسمو بهم عن أولئك جميعهم.

لكن أياً من تلك الاحتمالات غير وارد ما لم يُؤمن الحماية للهويات القليلة. قال لي القيادي الإسلامي سعيد فرجاني قبل بضعة أسابيع إن مثل هذه الكفالات والضمانات تتطلب ما أطلق عليه بـ “الدولة الجذابة”. لقد كان هناك تناقض عند القادة الأبديين، فقد ترأسوا سيادة الدول بشعارات جوفاء وبتلاعب لمكونات المجتمع بصورة ساخرة. وأضاف إن الدولة الكاريزمية أو الجذابة يمكنها إصلاح نفسها، وتتكيف وتلتئم عند فشلها في مهمتها الأساسية، حيث تتوفر حقوق وواجبات المواطنة. وفي المواطنة فقط يمكن الحفاظ على التنوع وحمايته، كما بدا أنه يقترح. تسمح لنا المواطنة أن نصبح أعظم من أجزاءنا. إنها تسمح لنا بالتصور.

في نهاية المقابلة مع مخلوف، خلال مأدبة عشاء من السمك، حذر من مستقبل فارغ، ومن وقوع سوريا في أيدي الإسلاميين المتشددين، يملؤه التعصب والعزم على الانتقام.

وأضاف “إننا لن نقبل بذلك” ، قال كلماته تلك مع مزيج من مفاهيم استحقاق السلطة والملكية والخوف. وأضاف: “ولدينا العديد من المقاتلين”.

في سورية الأسد، لا يزال على ما يبدو، لا وجود لأي تصور.

المصدر

“In Assad’s Syria, There Is No Imagination”

PBS – Frontline

http://www.pbs.org/wgbh/pages/frontline/foreign-affairs-defense/syria-undercover/in-assads-syria-there-is-no-imagination/

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s